فريد معوض .. و'جيتو' أدب الأطفال

بقلم: عبده الزرّاع
دائما تشرق الشمس

لا يزال الموت يتربص بمبدعينا ويختطفهم واحدا تلو الآخر، وهم لا يزالون فى ريعان شبابهم وعز عطائهم، ففي السنتين الأخيرتين غيَّب الموت يوسف أبورية، وخيرى عبدالجواد، ونعمات البحيري، ومحمد الحسيني، ومحمد عبدالمعطي، ووليد منير، ومحمد صالح، ليلحق بهم الأديب فريد معوض، الذي رحل عن دنيانا صباح الأربعاء الموافق 17 فبراير/شباط الماضي بعد صراع طويل مع المرض، عن عمر يناهز التاسعة والأربعين، وهو في عز عطائه الإبداعى.
ظل فريد معوض يكتب حتى آخر أيام حياته، مراهنا على مشروعه الإبداعي، ورغم أن المرض (فيروس سي) اللعين كان يهاجم جسده وينهش في كبده منذ سنوات طويلة إلا أنه لم يشتك، ولم يلجأ لأحد بل ظل حاملا للمرض راضيا بما قسمه الله له، وأعطى كل وقته للكتابة والإبداع. وكان يقتطع من قوت أولاده للعلاج، ومنذ أكثر من عام ونصف ـ قبل رحيله ـ كان قد ثقل عليه المرض، وعندما نما إلى علمي خبر مرضه اتصلت به هاتفيا، وأخبرته برغبتي في السعي لدى أحد الأصدقاء للحصول على قرار علاج له على نفقة الدولة، ولكنه رفض بشدة، وقال لي: "الحمد لله مستورة". وطلب مني ألا أكرر هذا مرة أخرى، واحترمت رغبته ونبل موقفه، فلم يتسول يوما بمرضه ولم يتاجر به، بل ظل صابرا محتسبا الى أن رحل.
ولد فريد معوض بقرية سامول مركز المحلة الكبرى محافظة الغربية عام 1961، حفظ الكثير من القرآن الكريم بكتَّاب القرية، وكان لنشأته الدينية أثر كبير في عشقه للغة العربية، وحبه للقراءة والتحصيل منذ الصغر، وكان نابها ينبيء بمستقبل باهر، فأكمل دراسته الإبتدائية ثم الإعدادية، ولأنه نشأ في أسرة فقيرة فوالده كان فلاحا بسيطا مكافحا، فتعلم فريد من والده الكفاح وحب العمل وكيف يمسك بالفأس ليضرب به الأرض بقوة فتخضر. وبسبب مرض والده المبكر عمل فريد منذ صغره بأعمال الزراعة لمساعدة الأسرة، واتجه للتعليم الفني لذات السبب حيث حصل على دبلوم الصنايع قسم طباعة عام 1980، وكان قارئا نهما حيث كان يلتهم كل ما يقع تحت يديه من كتب.
استفاد معوض مثل كل أبناء القرى من الموروث الشعبي الخصب والثري المتمثل في حواديت الجدات والأمثال والمواويل والأغاني، وتأثر بالمنشدين الشعبيين، وعازفي الرباب الذين كانوا يتوافدون إلى القرية، وأدهشه قدرة الراواة على جذب الناس إليهم. كل هذه المشاهدات والروىء والقراءات، وما استمع إليه في طفولته اختزنه بداخله ليتفجر لديه ينبوع الإبداع الأدبي مبكرا، ليصبح بعد سنوات قليلة أحد كتَّاب القرية بامتياز ليترك لنا ميراثا كبيرا من الإبداع القصصي والروائي وأدب الأطفال، لتتعلم منها الأجيال الطالعة.
تعرفت على فريد معوض لأول مرة عام 1991 حينما ذهبنا سويا إلى قصر السينما لاستلام جوائز المسابقة المركزية لهيئة قصور الثقافة، فقد كنت فائزا بجائزة القصيدة العامية، وكان قد فاز هو بجائزة الرواية عن روايته البديعة "المرسى والأرض". أتى لاستلام الجائزة برفقة زوجته، وكان على ما أذكر متزوجا حديثا، ثم عاد أدراجه – بعد استلام الجائزة – إلى المحلة الكبرى، وعدت أنا إلى كفر الشيخ، وظللنا نتراسل سنوات إلى أن ألهتنا الحياة بتفاصيلها الكثيرة، وانقطعت الرسائل إلا أنني لم أنقطع يوما عن مطالعة قصصه المنشورة في الدوريات الثقافية المختلفة، ومتابعة أعماله المنشورة في كتب بعد ذلك، إلى أن أتيت إلى القاهرة في سنة 1995، وعملت في مجلة "قطر الندى" ليكون فريد من أوائل كتابها البارزين، وقد استمرت إبداعاته في المجلة على مدى خمسة عشر عاما لم تنقطع، و حتى صدور العدد قبل الأخير من المجلة، ولا يزال لدينا الكثير من إبداعاته المتميزة والتي ستنشر تباعا، وكأنه لا يزال يحيا بيننا، وإن كان رحل بجسده فإبداعه لا يزال وسيظل باقيا، فكما قيل "من كتب لم يمت".
وكان حضوره طاغيا في الحياة الأدبية، وشارك في عشرات المؤتمرات داخل مصر، ولم يقل نشاطه إلا في السنوات الأخيرة بسبب المرض.
ترك فريد معوض للمكتبة العربية العديد والعديد من الكتب، فقد صدر له في مجال القصة والرواية ما يلي: "تبات ونبات" قصص (كتاب مشترك – أدب الجماهير 1988)، "المرسى والأرض" رواية – هيئة قصور الثقافة 1992، "عود ثقاب" قصص – هيئة الكتاب 1992، "أيام في الأعظمية "رواية – قصور الثقافة 1999، "أعلى من كل الناس" قصص – سلسلة إبدع الحرية 2002. وله روايتان تحت الطبع هما: "أرض الهويس" في اتحاد الكتاب و"في وجه الريح" سلسلة إبداع الحرية.
وفي مجال أدب الأطفال صدرت له العديد من الكتب منها: ودائما تشرق الشمس، حكايتي مع الطائر، نشيد الشمس، التبة المسحورة، قصص وقطط، الحكيم وحكايات الفن، علمنا الطير، الأرض تعلمنا، أول رسالة، قصة حياة كوبري، أم الحواديت، حكاية جدي والحصان، بستان الحكايات، زمان في قريتي، سيناء تغني، الديك والدجاجة.
وصدر له أيضا عدد كبير من سلاسل كتب الأطفال، منها: مكتبة الصيصان (لأطفال ماقبل المدرسة) من قصص النجاح، أمير الحجر، حروف القدس، رحلة إلى الأقصى، لمحات علمية.
كما كتب القصة والسيناريو والحوار للعديد من المسلسلات التي أنتجتها شركة صوت القاهرة للصوتيات والمرئيات منها: عندما غنت سيناء، التبة المسحورة، من قصص النجاح، تعالوا نكتب قصة.
كما حولت بعض أعماله لدراما تليفزيونية منها: المرسى والأرض، عزاء أهل القرية، ويتم حاليا تصوير مسلسل "المُنادى". وقيد التصوير مسلسل "وعاشت القلوب هناك".
فاز معوض بالعديد من الجوائز الأدبية في مصر والوطن العربي، على سبيل المثال: جائزة سوزان مبارك في أدب الأطفال "لعدة دورات"، جائزة أبها بالسعودية، جائزة الإتحاد العام للفنانين العرب عن روايته "التبة المسحورة"، جائزة الشارقة للإبداع العربي، جائزة يوسف السباعي، جائزة الهيئة العامة لقصور الثقافة "لعدة دورات".
ظل فريد معوض طوال حياته مثالا للعطاء، لم يبخل على أحد بنصيحة أو مساعدة، بل ظل يعطي دون انتظار المقابل، وفتح قلبه على مصراعيه، وأقام بمنزله صالونا أدبيا استمر ما يقرب من عشرين عاما، قدم من خلاله العديد من الأدباء الجدد الذين يدينون له بالفضل، لتتحول "سامول" قريته الأثيرة ومسقط رأسه إلى "جيتو" أدب الأطفال بفضل صالونه الذي كان قبلة لهؤلاء الأدباء.
وقبل رحيله بشهرين اشتد عليه المرض، وسعى صديقه الكاتب المسرحي محمد عبدالحافظ ناصف، لدى اتحاد الكتاب، ليتدخل رئيسه الكاتب محمد سلماوي ويتم نقل فريد إلى معهد ناصر بقسم الكبد، وعندما علمت بخبر نقله إلى المعهد، قمت بزيارته قبل وفاته بعشرة أيام مع الكاتبين: السيد القماحي ونشأت المصري، وصعد ثلاثتنا إلى الحجرة التي كان يقيم بها في الدور الثالث لنجده برفقة زوجته والكاتب محمد العزوني. وعندما رآنا تهلل وجهه الشاحب بالفرح، ورحب بنا وصوته لا يكاد يبين، وراح يعرف بنا للعزوني، فطلبنا منه عدم الكلام لأنه كان مجهدا، وظل ينظر إلينا مليا وكأنه يودعنا.
قالت لنا زوجته: إنه لم ينم ليلة أمس وظل يتألم طوال الليل.
وقال فريد بصوت واهن: الدكتور عايز يكتب لي خروج بكرة وأنا لسه تعبان.
قلنا له: لا تخف سنذهب إلى مدير المعهد ولن تخرج حتى تتماثل للشفاء.
طمأنا فريد معوض وانصرفنا جميعا متجهين لمكتب مدير المعهد. هبطنا في المصعد الكهربائي إلى الدور الأرضي، فلم نجد سوى نائب المدير، شاب وسيم بشوش شرحنا له حالة معوض، وقلنا له إنه أحد كتاب مصر الكبار، فكيف يخرج قبل أن يتماثل للشفاء تماما. كنا غاضبين ولكن الدكتور ببشاشته امتص غضبنا، ووعدنا بأنه سيبعث له حالا الدكتور المختص لكى يقرر حالته بالضبط، ولو كانت حالته ليست مستقرة سيظل بالمعهد حتى تستقر.
خرجنا من باب المعهد لنجد أمامنا محمد عبدالحافظ ناصف، في طريقه لزيارة فريد، أخبرناه بما حدث وقال لنا: اطمئنوا إنني سأتابع الحالة مع الدكتو. والحقيقة أن ناصف كان لا يترك فريدا طوال فترة وجوده في المعهد، بل كان دائم التردد عليه ملبيا له كل مطالب.
خرجنا من المعهد في طريقنا لإتحاد الكتاب، وأنا موقن أنني لن أرى فريد معوض مرة أخرى، فقد كانت حالته في غاية السوء، وبالفعل ظل فريد في المعهد عدة أيام بعد هذه الزيارة، عاد بعدها إلى سامول، فاشتد عليه المرض مرة أخرى، فنقل إلى مبرّة المحلة الكبرى، لتفيض روحه الطاهرة إلى بارئها. عبده الزرَّاع
مدير تحرير مجلة 'قطر الندى'