فرنسا والآثار المصرية المنهوبة!

بقلم: أحمد فضل شبلول
المسلة المصرية في ميدان الكونكورد بباريس، اشهر ما سرق من مصر

فور نشر مقالي "متحف اللوفر والتراث البشري المشترك"، اتصل بي أحد الأصدقاء، يعقب على المقال، وخاصة السطور التي قلت فيها: "احترتُ لدقائق من أين أبدأ، وكان أجدادي الفراعنة ينادونني، فبدأت بالطابق الأرضي الذي يحتوي على قسم الفنون المصرية القديمة، وقد أنشأ هذا القسم عالم الآثار المصرية الفرنسي جان فرانسوا شامبليون، بهدف التعريف بالفن المصري القديم عبر جولتين، جولة تتبع التسلسل الزمني منذ البداية حتى عصر كليوباترا، وجولة منظمة حول المواضيع لتركز على بعض أوجه الحضارة المصرية، واستكمل العرض بإضافة فرعين إلى هذا القسم يتناول أولهما مصر القبطية، بينما يركز الثاني على مصر الرومانية".
وكان رأي هذا الصديق أن الفرنسيين نهبوا الآثار المصرية المعروضة الآن في متحف اللوفر، ونهبوا كذلك المسلة المصرية المعروضة في ميدان الكونكورد بباريس، عند حملتهم الفاشلة على مصر والشرق العربي (1798 ـ 1801). وأننا بالكتابة ـ تمجيدا ـ في متاحفهم ومعارضهم، بالصورة التي أظهرها مقالي عن "متحف اللوفر" إنما نعلي من قيمة الاستعمار ونهبه لثروات الشعوب وتراثها وآثارها.
وهذا الرأي لا يخلو من الصحة، ذلك أن نابليون بونابرت أثناء حملته على الشرق أراد أن يظهر لشعبه الفرنسي أنه يحقق انتصارات ومكاسب خارجية كبيرة، تداري فشله الذريع في تلك الحملة، فأوعز للجنود وعلماء الحملة وفنانيها بحمل ما يمكنهم حمله، وتهريب ما يمكنهم تهريبه، من آثار وتحف وتماثيل فرعونية أو مصرية قديمة، ليثبت لشعبه أنه يسيطر على مصر والشرق، سيطرة كاملة، أو أن مصر أصبحت جزءا من الإمبراطورية الفرنسية، وأن آثارها وتحفها وتماثيلها، أصبحت ملكا لهذه الإمبراطورية، ومن ثم فإن نقلها من مكان إلى مكان، داخل الإمبراطورية، إجراء شرعي. وبدلا من أن يذهب الشعب لمشاهدة هذه الآثار في مصر، وقد بدأ يظهر الهوس الفرنسي بالشرق وآثاره، فإنه يحمل لهم هذه الآثار في عقر دارهم. وقد ساعد الفرنسيين على ذلك تجار ومهربو الآثار المصريون، وهو الشيء نفسه الذي فعله نابليون بالتحف واللوحات الإيطالية، فقد عين بونابرت أثناء حملته إلى إيطاليا عام 1796، الفنان الفرنسي انطوان جان غرو ـ الذي مات منتحرا في نهر السين عام 1835 ـ مشرفا على عملية اختيار التحف الفنية الإيطالية المنهوبة من قبل الجيش الفرنسي وتنظيمها وإرسالها إلى فرنسا.
ويبدو أن هذه عادةٌ عند نابليون الذي كان يتذوق الفنون التشكيلية، ويؤمن بدور الفن في الحروب، ويرسل الفنانين لرسم المعارك الحربية، التي يُخلد من خلالها الجنود الفرنسيون، وقوادهم، وهو بطبيعة الحال على رأسهم.
ومن خلال اهتمام نابليون بالشرق بعامة، ومصر بخاصة، "تطور علم دراسة مصر وإنشاء جناح الفن الفرعوني المصري في متحف اللوفر وإغنائه بالآثار الفنية المصرية المنهوبة، وتطوير دراسة "الهيروغليفية" بعد اكتشاف حجر رشيد"، كما تقول د. زينات بيطار في كتابها المهم "الاستشراق في الفن الرومانسي الفرنسي، الصادر عن سلسلة عالم المعرفة الكويتية ـ العدد 157).
إذن فإن رأي الصديق لا يخلو من الصحة، كما ذكرت من قبل. ولكن يبقى السؤال: ماذا فعل الفرنسيون بكل هذه الآثار المنهوبة؟ إنهم حافظوا عليها، ورمموا غير الصالح منها، وجعلوها صالحة للعرض على الزوَّار، ووضعوها في السياق المناسب، ضمن معروضات أخرى من شتى أنحاء العالم، حتى بعد أن زالت من الوجود فكرة الإمبراطورية التي كان يحلم بها نابليون بونابرت، مثلما حلم بها من قبل الإسكندر الأكبر، وبدأت فرنسا تتخلى عن فكرة الاستعمار ذاتها، وتلتفت إلى مشاكلها الداخلية.
عندئذ وجد المسئولون الفرنسيون تراثا ضخما أمامهم، فبدأوا يصنفونه، ويضعونه في الأماكن والمتاحف المناسبة، ويعرضونه أمام السائحين والزوَّار الذين يتزايد عددهم سنة بعد أخرى، لدرجة أن السياح الذين دخلوا فرنسا هذا العام فاق عددهم المائة مليون، منهم حوالي 70 مليون في باريس وحدها.
إذن فإن العرض الذكي لهذه الآثار سواء المنهوبة، أو المُهداة، أو المشتراة، فضلا عن الإعلان العالمي عن وجودها في المتاحف المختلفة، ومنها متحف اللوفر، وفرساي، والميادين العامة، مثل ميدان الكونكورد، وغيرها، أتاح فرصة عظيمة للمشاهدة، بل أعتقد أنه ساعد على عمل دعاية ضخمة للبلد الذي جُلبت أو نُهبت منه هذه الآثار. فالتعريف بالفن المصري القديم داخل متحف اللوفر ـ على سبيل المثال ـ ربما يجذب السائحين المهتمين برؤية الآثار المصرية، لزيارة مصر نفسها لمشاهدة بقية آثارها (غير المنهوبة).
ليس معنى ذلك أنني أمجِّد، أو أؤيد، فكرة النهب، ولكن هل المطلوب الآن أن تُعيد فرنسا الآثار التي تم نهبها أثناء حملاتها العسكرية على البلاد التي نهبت منها تلك الآثار والتحف والمجوهرات واللوحات .. الخ. وأن تقدم أسفها على ما حدث من قبل؟ أم أن تتسامح الدول التي نهبت فرنسا آثارها، ما دام هذا التسامح لا يقلل ـ سياحيا واقتصاديا على الأقل ـ من قيمة البلد المنهوب؟.
أم المطلوب أن تأخذ فرنسا صك اعتراف من تلك الدول بموافقتها على عرض آثارها (المنهوبة) في المتاحف والميادين الفرنسية، مع تفهم تلك الدول للظروف التي تم فيها نهب أو شراء أو إهداء تلك الآثار والتحف؟.
إن العالم كله يشهد أن الآثار المصرية ـ على سبيل المثال ـ المعروضة في متحف اللوفر ـ على سبيل المثال أيضا ـ هي آثار مصرية وليست فرنسية. وأن المسلة المصرية المعروضة في ميدان الكونكورد بباريس ـ على سبيل المثال ـ هي مسلة مصرية، وليست فرنسية؟ وإذا كان العكس هو الصحيح، أي تعرض هذه الآثار أو المسلة على أنها فرنسية، لكان لنا موقف آخر من الفكرة، ومن الدولة الفرنسية ذاتها. ولكن ـ والحق يقال ـ إن فرنسا تفخر بنسب هذه المعروضات لبلادها الأصلية، لأن في هذا إغناء لفكرة المعرض العالمي، ولفكرة التنوع والاختلاف التي تتسم بها الحياة في باريس بخاصة، وفي فرنسا بعامة. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية