فرنسا: علاقة ملتهبة بين اليهود والعرب

اليهود يقولون انهم يتعرضون لحملة من الحقد

باريس - "اليهود والعرب في فرنسا" هو العنوان الذي اختارته أسبوعية "نوفيل أوبسرفاتور" الفرنسية لملف عددها الأخير، الذي يتضمن عدداً من التقارير الموسعة التي تتطرق لما تقول إنه علاقة ملتهبة بين العرب واليهود في المجتمع الفرنسي، منذ اندلاع انتفاضة الأقصى في نهاية سبتمبر 2000.
ونقلت المجلة عن مصادر يهودية فرنسية بيانات عن اعتداءات وأعمال عدائية واسعة النطاق ضد يهود فرنسيين ومصالح يهودية في المدن الفرنسية، منسوبة لشبان فرنسيين من أصول عربية.
وعكس ملف المجلة انقساماً في صفوف الجالية اليهودية بفرنسا إزاء خلفيات هذه الموجة المزعومة والكيفية المثلى للتعامل معها، بينما تم التوسع في عرض وجهات النظر اليهودية ومواقف قيادات المنظمات اليهودية، ليخلو التقرير إلى حد كبير من عرض لمواقف الجانب الآخر وتعليقاته على المزاعم التي اتهمت الشبان من أصول عربية بارتكاب أعمال عدائية ضد يهود فرنسا.
السؤال الذي طرحته المجلة على عدد من القيادات اليهودية الفرنسية هو "هل ظهر عداء جديد للسامية في فرنسا؟" ، فمن جانبه يرى روجيه كوكيرمان رئيس المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية بفرنسا أنه ليس من شك بوجود "لاسامية جديدة" في فرنسا اليوم، وكان قد عبّر عن موقفه هذا لرئيس الوزراء ليونيل جوسبان مؤخراً بقوله "نحن نواجه حقداً معادياً لليهود، ونخشى على أمن اليهود في فرنسا".
ويتبنى كوكيرمان الرأي القائل بأنّ "العداء للسامية" عاد إلى فرنسا بشكل لم يسبق له مثيل منذ نصف قرن، في إشارة إلى الأعمال المنسوبة لشبان من أصول عربية.
وقد أحدثت تصريحات رئيس المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية بفرنسا صدمة حقيقية في الحياة السياسية الفرنسية، خاصة وأنه أعرب عن أمله في "ألا يضطر يهود فرنسا إلى تشكيل مليشيا" خاصة بهم لتأمين حماية أنفسهم.
ويتجاوز موقف كوكيرمان الشأن اليهودي المباشر إلى التدخل في خصوصيات المسلمين في فرنسا، فقد وجه تحذيراً لجوسبان من مغبة ضم من وصفهم بـ"عناصر أصولية" إلى الهيئة المرتقبة لتمثيل المسلمين في فرنسا والتي تجري المباحثات بشأنها في إطار "الاستشارة" التي ترعاها وزارة الداخلية منذ عهد الوزير الأسبق جان بيار شوفنمان.
المفارقة الأكبر جاءت من خلال تصريحات الحاخام الأكبر لفرنسا يوسف سيتروك الذي اتهم المجتمع الفرنسي بخذلان الجالية اليهودية، بل ونعت الحكومة بممارسة "تحيز غير واع ولكنه واقعي" لصالح مسلمي فرنسا على حساب اليهود، وأشار إلى أنه من الواضح من سيحظى باهتمام أكبر، هل هم ستة ملايين مسلم في فرنسا أم ستمائة ألف يهودي فيها، على حد ما ذهب إليه، فيما يكشف عن حساسية واضحة من الدور المتنامي للمسلمين في الحياة العامة والسياسية الفرنسية.
وفي المعسكر الآخر يقف ثيو كلاين، المحامي الذي شغل في السابق رئاسة المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية بفرنسا لمدة ست سنوات. إذ لا يرى كلاين أنّ الأعمال المعادية لليهود في فرنسا والمنسوبة لشبان من أصول عربية هي بمثابة مؤشر على "عداء جديد للسامية". فهو ينظر إليها على أنها أحد أشكال "العنف اليومي" الذي يطغي على الحياة اليومية لأبناء المهاجرين العرب في فرنسا، فهؤلاء يقومون في الوقت ذاته بهجمات ضد سائقي حافلات ورجال شرطة وإطفاء، على حد ما يقول، لكنه ربط الموجة المضادة لليهود بالمشاهد التي تنقلها محطات التلفزة من الشرق الأوسط.
ويدعو كلاين الدولة الفرنسية إلى أخذ هذه الاعتداءات على محمل الجد، "ليس لأنها موجهة ضد اليهود، وإنما لأنها موجهة ضد النظام الجمهوري"، وقال "الوضع ليس دراماتيكياًَ على الإطلاق"، على حد تعبيره.
ويفسر القيادي اليهودي الفرنسي الظاهرة بأنّ كثيراً من أبناء المهاجرين من المغرب العربي لم يتمكنوا من العثور على فرصتهم اللائقة في المجتمع الفرنسي أسوة بغيرهم، وفق تقديره، ولاحظ بشكل خاص كيف انتقل هؤلاء الشبان من تأييد المنتخب الفرنسي في دورة كأس العالم لكرة القدم عام 1998، والتي برز فيها نجم اللاعب من أصل جزائري زين الدين زيدان، إلى تأييدهم الصارخ للمنتخب الجزائري في مباراة تقابل فيها مؤخراً مع المنتخب الفرنسي، وهم يرفعون الأعلام الجزائرية في الملعب الرياضي.
ويقول كلاين "إنني أستطيع أن أتفهم شعور هؤلاء الشبان بالتضامن مع الفلسطينيين"، وأضاف يقول "إذا ما تحقق سلام في الشرق الأوسط فسوف تتوقف الاعتداءات المعادية لليهود في فرنسا"، وفق تقديره.
وبالمقابل ينفي أندريه بينايوا الذي يرأس الجالية اليهودية في كريتال أن تكون الموجة الجديدة المعادية لليهود شبيهة بما عرفته فرنسا في أوقات سابقة من تاريخها الحديث، أما الباحثة السياسية نونا ماير فتتحدث عن أشكال جديدة من "التعبير عن الحقد وعن قابلية متزايدة لإظهاره" على الملأ في المجتمع الفرنسي، بينما يرى الفيلسوف بيير أندريه تاغويف أنّ فرنسا تشهد في الوقت الراهن "فوبيا" (ارهاب) جديدة إزاء اليهود، تقوم على إعادة إنتاج الصور السلبية السابقة بحق اليهود، وأنّ ذلك يتم على أساس تفاقم الصراع في فلسطين من جانب؛ وعلى ما وصفه بـ"عولمة الإسلام" من جانب آخر. وحسب تقدير مسؤول في الشرطة الفرنسية فإنّ "القضية الفلسطينية تحرِّك الشبان المغاربة (في فرنسا) أكثر من ابن لادن".
وبدورها تدخلت الحكومة الإسرائيلية في هذه التطورات لتتهم فرنسا بأنها "أسوأ بلد غربي في مجال العداء للسامية"، على حد وصفها، فوجد الرئيس جاك شيراك نفسه مضطراً لرفض هذه المزاعم قائلاً "من الخطأ الحديث عن تنامي العداء للسامية" في فرنسا.
ومن الواضح أنّ التدخل السافر للحكومة الإسرائيلية في هذا الملف لم يحظ بارتياح قطاع واسع من يهود فرنسا أنفسهم، وهو ما دعا باتريك كلوغمان رئيس اتحاد الطلبة اليهود بفرنسا للقول "نحن متضامنون مع إسرائيل، لكننا لسنا مواطنين إسرائيليين، ولا ننتظر من إسرائيل أن تساعدنا، وإنما ننتظر ذلك من الجمهورية التي تسري قوانينها" علينا.
وينتقد السياسي الاشتراكي جوليان دراي تفاقم الميول اليمينية المتطرفة والمؤيدة للدولة العبرية بشكل أعمى في أوساط يهود فرنسا، رغم أنه يهودي ويعيش أفراد من أسرته في فلسطين المحتلة. ويتحدث دراي عن "إرهاب فكري" تمارسه بعض الأوساط اليهودية في فرنسا، وقال أنّ هؤلاء "يقيمون غيتو خاصاً بهم، وواجبنا أن نجري حواراً من أجل أن نتجنب أن تتحول الأزمة في إسرائيل إلى أزمة في فرنسا"، على حد تعبيره.
ومن جانب آخر فقد تطرقت دراسة للباحث باسكال بونيفاس، أوردت "نوفيل أوبسرفاتور" جانباً من نتائجها، إلى أنّ الانتخابات العامة الفرنسية المقبلة تجعل القوى السياسية الفرنسية أكثر حذراً في التعامل مع السياسات الإسرائيلية، نظراً للثقل التصويتي المتزايد للمواطنين الفرنسيين من أصول عربية.
وتوقع بونيفاس أن يظهر اتجاه نحو "التخلي عن إسرائيل" لدى عدد من السياسيين الفرنسيين المتنافسين على أكبر عدد ممكن من الأصوات.(ق.ب)