فرنسا عالقة بين اليمين المتطرف والتطرف الديني والتحريض التركي

الوسطيون يطالبون بتغليب التسامح ولغة العقل والتوقف عن تأجيج مشاعر العداء على الجبهتين وتجنب إشعال الفتنة في فرنسا وخارجها وتجنب المغالاة في الوصف والتوصيف لأحداث كان يمكن احتواؤها لولا حملة التحريض التي انطلقت من تركيا وتبنتها جماعة الإخوان المسلمين.   


حالة غليان في فرنسا وخارجها قد تّولد عنفا وعنفا مضادا مع غياب لغة العقل


اليمين المتطرف وجماعات الإسلام السياسي المستفيدان من حملات التحريض

تجد فرنسا نفسها عالقة بين الدفاع عن قيم الجمهورية ومحاربة التطرف بشقيه: جماعات اليمين المتطرف وجماعات الإسلام السياسي، على أرضية هشّة حضر فيها التعصب مدفوعا بتجييش من الشقين وأيضا بتوظيف سياسي انطلق من تركيا التي يقود رئيسها رجب طيب أردوغان حملة تحريض غير مسبوقة ليس دفاعا عن الإسلام والنبي محمد بقدر ما هي تصفية حسابات مع نظيره الفرنسي امانويل ماكرون ومحاولة لترقيع شعبيته المتهاوية.

والمحصلة في كل هذا وذاك حالة غليان في فرنسا وخارجها قد تّولد عنفا وعنفا مضادا مع غياب لغة العقل والتعقل والرصانة في التعامل مع مثل هذه القضايا بالغة الحساسية.

المناصرون لماكرون يقولون إن حملته ليست ضد الإسلام بل ضد التطرف وجماعات الإسلام السياسي التي استفادت من قوانين الحريات في أوروبا عموما للتمدد وبث خطابات الكراهية مستغلة المنصات الإعلامية الالكترونية ومنابر الخطابة في مساجد حولتها من دور للعبادة إلى منصة للاستقطاب والتجنيد.

والمنددون بسياسات الرئيس الفرنسي يقولون إنه أساء للإسلام بإعلانه في تأبين المدرس الذي قتله فرنسي من أصول شيشانية في الفترة الأخيرة، أن نشر الرسوم المسيئة للنبي محمد ستستمر وأن القتيل صامويل باتي رمز لحرية التعبير.

واعتبروا أن حملته على التطرف وجماعات الإسلام السياسي في بلاده حملة على الإسلام والمسلمين، فحضر منطق التعصب وغاب صوت العقل.

والوسطيون يطالبون بتغليب التسامح ولغة العقل والتوقف عن تأجيج مشاعر العداء على الجبهتين وتجنب إشعال الفتنة في فرنسا وخارجها مع الدعوة للحفاظ على الهدوء وعدم المغالاة في الوصف والتوصيف لأحداث كان يمكن احتواؤها لولا حملة التحريض التي انطلقت من تركيا وتبنتها جماعة الإخوان المسلمين.   

حملة التحريض التي يقودها الرئيس التركي ضد فرنسا ليست دفاعا عن الإسلام بقدر ما هي تصفية حسابات مع نظيره الفرنسي ومحاولة للاستقطاب السياسي تحت ستار الديني وترقيع شعبيته المتهاوية

وكان شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب أول من ندد بجريمة ذبح المدرس صامويل باتي، مؤكدا في الوقت ذاته أنها لا تمثل الإسلام ونبيه في شيء، داعيا في نفس الوقت لعدم بث خطابات الكراهية وتوظيف ما حدث ضد المسلمين في فرنسا.

وبين هذا وذاك تتعالى أصوات اليمين المتطرف في فرنسا وخارجها لطرد المسلمين وإغلاق المساجد وإيقاف الهجرة فورا، فيما يُمثل المسلمون في أوروبا ثقلا اجتماعيا وسياسيا ودينيا.

وصعدت أحزاب اليمين المتطرف خطابها ضد المسلمين في فرنسا ولم تمض ساعات على تصريحات بعض السياسيين من مارين لوبن وآخرين، حتى تعرضت امرأتان تحت برج ايفل لاعتداء بسكين في حادثة لم تكن الوحيدة حيث تقدم أيضا مدرس أردني وشقيقته بشكوى تفيد بتعرضهما لاعتداء عنصري ناجم عن حملات التحريض التي يقودها اليمينيون.

وكانت زعيمة اليمين المتطرف مارلين لوبن سارعت إلى المطالبة بقانون حرب وطالبت بوقف فوري لكل أشكال الهجرة.

وفي مؤشر على تنامي خطابات الكراهية، وجه وزير الداخلية الفرنسية جيرالد دارمانان يوم الأربعاء الماضي بحماية مساجد تلقت تهديدات بالحرق على اثر الجريمة الإرهابية الأخيرة التي راح ضحيتها المدرس صامويل باتي والتي ارتفع معها منسوب الخوف من موجة عنف من شقين: عنف إسلاميين متطرفين وعنف من اليمين المتطرف.

موجة غضب في عدة دول منددة بتصريحات ماكرون أُعتبرت مسيئة للنبي محمد وللاسلام
موجة غضب في عدة دول منددة بتصريحات ماكرون أُعتبرت مسيئة للنبي محمد وللاسلام

وقال دارمانان إنه طلب من السلطات المحلية وضع المساجد في مدينتي بوردو وبيزييه في جنوب غرب فرنسا تحت حماية الشرطة بعد تلقيها تهديدات أو أعمال عنف. وكتب على تويتر "مثل هذه الأعمال غير مقبولة على أرض الجمهورية".  

وذكرت إذاعة فرانس بلو على موقعها الإلكتروني الثلاثاء الماضي أن مسؤولي مسجد الرحمة في بيزييه رفعوا شكوى للشرطة بعد تلقيهم رسائل كراهية على فيسبوك منها دعوة لحرق المسجد.

والمشهد بتجلياته الراهنة يشير بكل وضوح إلى الجهة المستفيدة من كل هذا التوتير والتجييش، فاليمين المتطرف في فرنسا خاصة وأوروبا عموما يستغل مثل هذه الأحداث للاستقطاب والتحريض ليقنع المعارضين لسياساته بما يراه صوابا في التعامل مع المسلمين والمهاجرين وترسيخ الاسلاموفوبيا في المجتمعات الأوروبية.

ويسجل اليمين المتطرف عادة نقاطا على حساب اليسار في مثل هذه الأجواء الملتبسة والمشحونة التي يهيمن فيها خطاب الكراهية والتخويف من الآخر بسبب الاختلاف العقائدي والعرقي.

وعلى الجبهة المقابلة يوظف الإسلاميون (وليس المسلمين) خطابات الكراهية والتمييز التي يسوقها اليمين المتطرف، لترسيخ فكرة أن الغرب يستهدف الإسلام.

ماكرون لم يقدر حساسية الموقف وغاب عنه أن تصريحاته حول الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للنبي محمد قد تفجر موجة غضب يسهل استغلالها من اليمين المتطرف وجماعات الإسلام السياسي

وتقود جماعة الإخوان المسلمين بدعم من الحاضنة التركية حملة مضادة عنوانها ديني ومآربها سياسية، فالإخوان الذين وفرت لهم دول غربية (بينهم فرنسا) ملاذات آمنة وسمحت لهم بافتتاح مساجد ومدارس، وجدوا في تصريحات ماكرون فرصة لتعزيز مقولة المظلومية التي كانوا يرفعونها في بلدان المنشأ.

وكان لافتا أن تحرك الإخوان جاء بعيد إعلان الرئيس الفرنسي حملة على جماعات الإسلام السياسي في بلاده والتي يثبت ارتباطها بالتطرف أو الدعاية للتطرف.

وتقول مصادر قانونية إن هناك ثغرات في القوانين الأوروبية عموما والفرنسية خصوصا أتاحت لجماعات الإسلام السياسي التمدد تحت ستار حرية المعتقد وأنها عززت نفوذها على مرأى ومسمع من حكومات الدول التي تنشط فيها.

ومن ضمن تلك الجماعات جماعة الإخوان المسلمين التي أنشأت هيئات وجمعيات خيرية وقنوات مالية وشبكات سرية في مختلف دول العالم خاصة في بريطانيا وتمددت إلى كل من ألمانيا وفرنسا دون قيد أو رقيب على أنشطتها.

وبعد عقود من علاقة ملتبسة وملاذات للإخوان في الخارج تحت غطاء المظلومية، أصبحت الجماعة المحظورة والمصنفة تنظيما إرهابيا تحت مجهر عدد من الحكومات الغربية التي توجست من أنشطة مالية مشبوهة ومن قدرة التنظيم على استقطاب المزيد من الأنصار وتوظيف المساجد والمدارس الدينية منبرا للترويج للتطرف.