فرنسا اللائكية 'تحارب' مسلميها الراديكاليين

باريس ـ من حبيب طرابلسي
فرنسا اللائكية تكيل بمكيالين.‏

يستعد مجلس الوزراء الفرنسي لمناقشة مشروع قانون يهدف إلى "محاربة ظاهرة الإرهاب" في البلاد اللائكية، عقب تظاهرة "غير مُعلنة" نظّمها مسلمون راديكاليون في باريس احتجاجا على فيلم "براءة المسلمين" الذي اشعل موجة غضب عارمة في العالم العربي والإسلامي، بينما يشتكي يهود فرنسا من "الأعمال المُعاداة للسّامية والصهيونية" ويندّد المُعتدلون من مُسلميها بتدنيس مساجدهم.

"تراخي" الحكومة و"عجز" الجمعيات الإسلامية

وقد استنكر وزير الداخلية الفرنسي مانويل فالس التظاهرة التي شارك فيها السبت الماضي ما بين 200 الى 250 شخصا بالقرب من مقر سفارة الولايات المتحدة الأميركية واعتقل خلالها ما يقرب من 150 شخصا والتي قدم المشاركون فيها "صورة كاريكاتورية عن الإسلام"، على حد تعبير الوزير.

وأعرب فالس عن رفضه لـ"الصلاة في الشارع" ووجود "نساء محجبات بالكامل" ضمن المحتجين، مُشيرا إلى أن الأشخاص الذين تظاهروا "لم يكونوا فقط من الشباب"، بل كانت هناك أيضا "مجموعات صغيرة تدعو إلى الإسلام الراديكالي".

وطالب جان فرنسوا كوبيه، زعيم الحزب اليميني المعارض الرئيسي "الاتحاد من اجل حركة شعبية"، الرئيس فرنسوا هولاند بـ"إلقاء كل الضّوء على الأسباب التي ادت الى قيام هذه التظاهرة غير المعلنة"، عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي والرسائل القصيرة (آس آم آس)، "والتي تخللتها تصرفات وأقوال وأفعال غير مقبولة"، مُتسائلا عن سبب "تراخي وعدم مُبالاة أجهزة الأمن الفرنسية للحيلولة دون وصول المئات من المُتظاهرين على بضع خطوات من قصر الاليزيه".

وطالب كذلك بـ"اتخاذ اجراءات حازمة الى اقصى حد ضد المتظاهرين"، مضيفا أنه "لا بد من اجراء ترحيل فوري لأي اجانب يقيمون بشكل غير قانوني اذا تثبتت مشاركتهم في التظاهرة".

وفي مقال تحت عنوان "دائرة الإسلام الراديكالي تنمو وتتسع"، نقلت لوفيغارو عن القاضي السابق المختص في قضايا الإرهاب، جان-لوي بروغيير، قوله "إننا نواجه اليوم ظاهرة من التشدد الديني تزداد صعوبة التحكم فيها يوما بعد يوم".

وأضاف بروغيير قائلا إن "الشكل الذي سيتخذه الإرهاب غدا يُغذيه اليوم ذلك الشعور بالإحباط المتولد عن الأزمات التي يعيشها العالم العربي وانعدام الأمن الناجم عن الأزمة الاقتصادية على خلفية أزمة الهوية". وأشار إلى أن "الهيئات المُمثلة للإسلام في فرنسا أصبحت عاجزة عن التحكم في هذا الوضع".

"من يقدم المساعدة للإرهابيين؟"

وسوف يناقش مجلس الوزراء مشروع قانون "محاربة ظاهرة الإرهاب" الذي ورثته الحكومة الحالية عن الحكومة السابقة في عهد الرئيس نيكولا ساركوزي. وأوضحت لوفيغارو الثلاثاء أن مشروع القانون ستتم مناقشته في نوفمبر المقبل. ونقلت عن مصدر مطلع أن هوية عشرة أشخاص على الأقل استأثرت باهتمام المحققين بسبب الاشتباه في علاقتهم بالتيار السلفي. وذكرت أن تهمة المشاركة في "مظاهرة غير مرخص لها" تصل عقوبتها إلى ستة أشهر سجنا وغرامة مالية تقدر بـ7500 يورو.

وعلقت الصحيفة بالقول أن "الحزب الاشتراكي، الذي كان في السابق يعرقل أي مقترح من هذا القبيل كلما طرحه اليمين للنقاش، قد غير موقفه اليوم بعد اصطدامه بالواقع".

والقانون الجديد، ، يتضمن ثلاثة أجزاء: أولا، "تمديد العمل لمدة ثلاث سنوات أخرى بإمكانية الاحتفاظ بالمعطيات التي تتضمنها فواتير الهاتف المفصلة وبيانات تحديد الموقع الجغرافي وآثار تصفح مواقع الإنترنت من قبل أي مشتبه فيه". ثانيا، "تعقب، على نحو أكثر فعالية، أصحاب المواقع التي تحرض على الأعمال الإرهابية وأولئك الذين يلجون هذه المواقع للتحضير لأعمال تخريبية". ثالثا، "تعقب تحركات المشتبهين فيهم كلما لجأ بعضهم إلى الخارج، خصوصا للالتحاق بمعسكرات الإرهاب المتعددة التي ‏توجد داخل دول كأفغانستان أو باكستان".

وأشارت لوفيغارو إلى وجود "ثلاثة تيارات سلفية: التيار ‏'‏السكيني‏'‏ المتمسك بالتقاليد، وهو قريب من السلطات الدينية السعودية ويهدف إلى إعادة أسلمة المجتمع من أسفل ولا يهتم بالسياسة، والتيار ‏'‏الإصلاحي‏'‏ أو السياسي الذي يسعى إلى إدخال الدين أكثر في المؤسسات السياسية، والتيار ‏'‏الثوري‏'‏ الذي يعتبر الجاد من الواجبات الدينية".

ومن جانبها كتبت صحيفة " La Dépêche du Midi" التي تصدر في جنوب فرنسا، تحت عنوان "هل يجب الخوف من السلفيين الفرنسيين؟"، أن "فرنسا لا تريد أن تفقد السيطرة على المتطرفين السلفيين".

وتحت عنوان "من يقدم لهؤلاء المساعدة؟"، أشارت الصحيفة إلى أنه "بالإضافة إلى الدول التي تساهم في تمويل التيار السلفي في فرنسا والعالم، فإنه بإمكان هذا الإسلام الراديكالي الاعتماد على العديد من المُنظّرين، على غرار أولئك الذين تتلمذوا على أيدي الإخوان المسلمين، وأيضا بعض الشخصيات السعودية التي تعتبر مرجعا في هذا الإطار. فهؤلاء الشيوخ لهم مواقف متشددة بخصوص مكانة المرأة والعلاقة مع الديانات الأخرى".

"تدنيس المساجد" و"تزايد الأعمال العدائية"

وقد جدد "المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية" ـ وهو الهيئة الأساسية الممثلة لمسلمي فرنسا ـ الأحد تنديده بـ"من ينسبون أنفسهم إلى الإسلام وهم يضربون بذلك عرض الحائط وعن عمد قيمه ومبادئه"، وعبر من جديد عن "سخطه لبث الفيلم البغيض"، لكنه اعتبر أن السياق الحالي يمكن ‏أن يؤدي إلى الوقوع ضحية التلاعب مما قد يضر بصورة الإسلام والمسلمين".

وكان رئيس "المجلس"، محمد موساوي، قد ندّد "بشدة كبيرة" بالهجمات التي تمت في 11 سبتمبر في بنغازي والتي تسببت في سقوط عدة قتلى من بينهم سفير الولايات المتحدة في ليبيا، وعبر في بيان صحفي عن "سخطه الكبير بالاغتيال الجبان الذي لا يمكن أن يبرره شيء". كما ندّد موساوي، المقرب من المغرب، ببث "الفيلم الممُخزي والحقير".

ومن جهته، أكد المسجد الكبير في باريس (المقرب من الجزائر) في بيان ليوم 13 أكتوبر، بأنه "مثلما ندين المساس بالأشخاص، فإننا نقف بكل قوة ضد الفيلم الكفري الذي يعبر عن كراهية الإسلام والذي كان السبب المباشر وراء كل هذا العنف القاتل الذي تم افتعاله عن علم من قبل أولئك الذين صدرت عنهم هذه الإهانة الموجهة إلى رسول الإسلام".

وكان عضو "المجلس"، عبدالله زكري، وعضوة "المجلس" سابقا، دنيا بوزار، عالمة الأنثروبولوجيا الفرنسية من أصول مغاربية، قد انتقدا بشدة خلال حوار على القناة البرلمانية الفرنسية آل سي بي (LCP ) تنامي حدّة التمييز العنصري ضد الجالية المسلمة في فرنسا وندّدا بـ"سياسة الكيل بمكيالين" من قبل السياسيين والمُجتمع المدني على حدّ سواء.

وكشف عبدالله زكري ـ وهو كذلك مستشار مسجد باريس وتولى قبل أشهر ملف الشاب الجزائري محمد مراح الذي قتله الأمن الفرنسي على إثر ما بات يعرف بـ"مذبحة تولوز" ـ عن "تنامي الأعمال المُعادية للمسلمين بنسبة 34 في المئة خلال السنة الجارية، مٌقارنة بالسنة الماضية"، وذكر بالخصوص "الاعتداء على 11 مجسدا خلال الشهرين الماضيين فقط".

وذكرت صحف فرنسية أن الجمعيات الإسلامية تثور ضد عمليات تدنيس المساجد التي توالت في الفترة الأخيرة. ففي أقل من شهر ونصف، تعرض واحد من مساجد مدينة ليموج (شمال غرب Haute-Vienneلأعمال تخريبية.

ما بين "غياب ردّ الفعل القوي" و"الآذان الصّاغية"

وأشار "اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا"، المقرب من الإخوان المسلمين، أنه "خلال أقل من أسبوع، دُنّست ثلاثة أماكن عبادة إسلامية (في ‏Barp‏ في منطقة ‏Gironde‏ (جنوب غرب) وفي Limoges‏ (شمال غرب)، وفي Epône‏ (شمال وسط) وتعرضت لأعمال تخريبية ذات طبيعة عنصرية ومُعادية للإسلام".

ورأى "الاتحاد" في هذه الأحداث "غير المُنعزلة" تعبيرا عن "عداء متزايد للإسلام في فرنسا"، وأكّد أن "بالنسبة له، فإن غياب رد فعل قوي من قبل السياسيين والمجتمع المدني ومجموع المواطنين للتنديد بهذه التصرفات يُزعزع شروط التناغم داخل مجتمعنا".

لكن عشيّة رأس السنة اليهودية، أعرب جويل ميرغي (Joël Mergui)، رئيس "التجمع الديني ليهود فرنسا" (Consistoire central israélite de France)، في تصريحات لصحيفة لوموند عن "القلق الكبير" الذي ينتاب اليهود بسبب "الصّعوبة المتزايدة أكثر فأكثر بالنسبة لليهود الممارسين لطقوسهم الدينية".

وقال ميرغي أن "الأعمال المُسيئة والمُعادية لليهودية قد تزايدت في أعقاب عمليات القتل التي شهدتها تولوز (في إشارة إلى الاغتيالات التي قام بها محمد مراح واستهدفت يهودا بالخصوص). وأضاف "وصلنا إلى مستوى متطرف من معاداة السامية والصهيونية في مجتمعنا".

لكنّه أكد أنه وجد "أذانا صاغية واستجابة من طرف السلطات العامة".