فرنسا: الانتخابات التشريعية تشكل رهانا مؤسساتيا

باريس - من بيار فافييه
شيراك بحاجة لكل صوت في الانتخابات القادمة

قد تكون هذه اول مرة في عهد الجمهورية الخامسة تشكل فيها الانتخابات التشريعية الفرنسية رهانا مصيريا بمكان حيث اما ان يفوز الرئيس جاك شيراك بالاغلبية وتعود الامور الى نصابها المؤسساتي التقليدي او يتعين القيام بتعديل دستوري.
فهذه المرة وبقطع النظر عن المعركة السياسية التي ستدور بين اليسار واليمين فان ما ستتمخض عنه صناديق الاقتراع من نتائج سيرمي بثقله على المهام والسلطات الرئاسية.
وقد يخرج الرئيس شيراك من هذا الاستحقاق ضعيفا جدا في حال فاز اليسار بعد خمس سنوات تعين عليه خلالها "التعايش" مع رئيس الوزراء الاشتراكي ليونيل جوسبان الذي حرمه من اهم وسائل العمل السياسي.
ولأن شيراك، بعد ان حصل على نسبة ضئيلة من الاصوات في الجولة الاولى من الانتخابات الرئاسية (88،19%) ولكنه انتخب بنسبة كبيرة بفضل ناخبي اليسار في مواجهته مع مرشح اليمين المتطرف جان ماري لوبن، لن يتمكن من اعادة الاعتبار للمهام الرئاسية الا اذا فاز اليمين في هذه الانتخابات التشريعية.
فاذا لم يحصل ذلك فان فترة جديدة من التعايش لخمس سنوات ستلي الخمسة اعوام الماضية، وهو ما قد يسرع بالحوار الذي بدا، حول اصلاح الدستور، وقبل كل شيء حول تقاسم الصلاحيات داخل السلطة التنفيذية.
وفي المقابل فان فوز اليمين قد يمكن شيراك من العودة الى قراءة تقليدية اكثر للمؤسسات حيث رئيس الدولة في صلب النظام.
وفي الواقع فقد برهن شيراك منذ اعادة انتخابه وتشكيل حكومة جان بيار رافاران الى اي حد هو مستعد لاستعادة القسط الاكبر من نفوذه بالتدخل في معظم الملفات الداخلية وبالقيام بمتابعة عن كثب للخطوات الاولى للتشكيلة السياسية التي قرر تأسيسها والدفع بها غداة انتصاره وهي "الاتحاد من اجل الاغلبية الرئاسية".
وقبل اقل من ثلاثة اسابيع من الجولة الاولى للانتخابات التشريعية وكما يفيد العديد من استطلاعات الرأي فان اليمين يبدو في تفوق حتى وان كان التردد سيد الموقف وقد تحدث اصوات الناخبين الفرنسيين، كما حصل خلال الانتخابات الرئاسية، المزيد من المفاجآت. الا ان اليمين متفوق بثلاث ورقات وهي اعادة انتخاب شيراك، واستحقاقات الحكومة الجديدة وما اعلنته منذ تشكيلها وتحديدا في المجال الامني.
وسيتعين على "الاتحاد من اجل الاغلبية الرئاسية" الذي تأسس تحت اشراف رئيس الدولة واقرب المقربين اليه رئيس الوزراء السابق ألان جوبيه، والذي سيقدم مرشحين في 535 دائرة انتخابية من الـ577، ان يتوخى الحذر في التنافس مع مئة مرشح من الوسط المنتمين الى "الاتحاد من اجل الديموقراطية الفرنسية" بزعامة فرنسوا بايرو الذي ما انفك يلح على عزمه في مقاومة "سيطرة" "الاتحاد من اجل الاغلبية الرئاسية" على احزاب اليمين.
واعلن بايرو "ليس هناك اخطر من تقييد الاغلبية بحزب الرئيس" معربا عن قلقه من سيطرة شيراك على الاغلبية وداعيا الى "التعددية" مؤيدا بذلك ضمنا رئيس الوزراء الاشتراكي السابق لوران فابيوس الذي يخشى "احتكار السلطة" من طرف ما سماه "بدولة التجمع من اجل الجمهورية" (حزب الرئيس).
والشوكة الثانية في قدم اليمين تتمثل في "الجبهة الوطنية" لليمين المتطرف ومرشحيها الـ563 حيث سيتكون نتائجهم والمواجهات الثلاثية المحتملة (بين اليمين واليسار واليمين المتطرف) خلال الجولة الثانية من الانتخابات التشريعية، حاسمة.
من جهته اجمع اليسار الذي ترنح بعد الضربة القاسية التي تلقاها في 21 نيسان/ابريل (الجولة الاولى من الانتخابات الرئاسية) على تقديم مرشح واحد في 34 دائرة انتخابية تشكل فيها "الجبهة الوطنية" خطرا و136 مرشحا ينتمون الى اثنين او اكثر من الاحزاب اليسارية في حين يقدم الحزب الاشتراكي 463 مرشحا والشيوعيون 470 وحزب الخضر 404 فيما يتقدم مرشحو حزب جان بيار شوفينمان "القطب الديموقراطي" وحدهم الى المعركة.
ولكن ناخبي اليسار قد يعانون من التشتت على غرار ما وقع خلال الانتخابات الرئاسية مع العلم ان اي حزب لن يتمكن من المشاركة في الجولة الثانية الا اذا حصل على 12.5% من الاصوات الامر الذي يشكل خطرا حقيقيا في العديد من الدوائر الانتخابية التي يخوض فيها اليسار المتطرف (10% من الاصوات في الانتخابات الرئاسية) المعركة بنحو 1200 مرشح.
وبالتالي وعلى غرار احزاب اليمين فان اليسار يشدد لدى ناخبيه على "التصويت المفيد" وفي الوقت ذاته يعاني في خطابه من آفاق التعايش السياسي الذي كان يدينه قبل قليل.