فرصة الإخوان الأخيرة: في تونس!

قالت النهضة: تونس ليست مصر!

خطوة إلى الأمام وأخرى إلى الوراء. تجاوب مع مطالب شعبية متزايدة تهدف إلى إجراء انتخابات برلمانية مبكرة، ثم التفاف عليها يعقبه نفي حدوث تراجع عن خريطة الطريق التي تم التوصل إليها للخروج من الأزمة.

رسائل متعارضة بشأن قبول استقالة حكومة علي العريض في إطار موقف يتراوح بين فتح الباب لتجاوز هذه الأزمة وغلقه وإبقائه موارباً. هكذا تبدو حركة «النهضة» التونسية مأزومة في محاولتها معالجة الأزمة السياسية التي بدأت في التصاعد منذ الربيع الماضي، ثم استفحلت بعد عجز جماعة «الإخوان» المصرية عن إدارة أزمة لا تختلف عنها في جوهرها مما أدى إلى إسقاط حكمها وعزل مرسي المنتمي إليها في 3 يوليو الماضي.

ورغم تكرار زعيم حركة «النهضة» نفيه وجود خلاف في داخلها، لا يخفى أن هذا الخلاف يضعف قدرتها على التحرك بالمعدلات التي تتناسب مع حجم الأزمة ليس فقط لتجنب الدخول في نفق مظلم، ولكن أيضاً لمحاولة إنقاذ تيار «الإخوان» الذي أدى فشل جماعته الأم إلى إضعاف تنظيماته في مختلف البلاد التي توجد فيها.

لذلك يبدو أداء حركة «النهضة» في معالجة الأزمة السياسية المتفاقمة في تونس بمثابة فرصة أخيرة لتيار «الإخوان» في مجمله، لأن فشلها سيؤكد بصورة قاطعة أنه لا مستقبل لهذا التيار برمته وأن ثمة مشكلة جوهرية في منهجه مهما بدا من اختلافات بين جماعاته وتنظيماته في بلاد مختلفة. فإذا فشلت حركة النهضة، لن يبقى أي معنى لفكرة وجود تباين بين معتدلين ومتشددين في تيار «الإخوان». فقد نظر دارسو تيار «الإخوان» والإسلام السياسي طويلاً إلى حركة «النهضة» باعتبارها التنظيم الأكثر اعتدالاً فيه.

وعندما أسرعت جماعة «الإخوان» إلى الانفراد بالسلطة ومحاولة الهيمنة على أجهزة الدولة ومفاصلها؛ فور وصول مرسي إلى قصر الاتحادية في صيف 2012، قارن كثير منهم سلوكها هذا بموقف حركة «النهضة» التي أقامت ائتلافاً ثلاثياً ضم حزبين آخرين أحدهما ليبرالي والثاني يساري، رغم أنه لم يكن أمامها إلا هذا الخيار التوافقي لأنها لم تحصل على أغلبية مطلقة في انتخابات المجلس التأسيسي، لذلك لم يكن في إمكانها تشكيل حكومة بدون مشاركة حزب آخر على الأقل.

وأياً كان تقييم هذه الائتلاف الثلاثي يبدو أن ساعة الحسم بالنسبة لمصير تيار «الإخوان» بوجه عام تقترب الآن، بعد أن صار مستقبله مرهوناً بموقف حركة «النهضة» وما سيترتب عليه من نتائج.

وليس باستطاعة هذه الحركة أن تواصل سياسة اتخاذ خطوة إلى الأمام، ثم الالتفاف عليها وتوجيه رسائل متعارضة، لأن الوقت ينفد، مثلما لم يكن في إمكانها أن تكتفي برفع شعار «مصر ليست تونس» عقب انتفاضة 30 يونيو.

فقد بدا حينئذ كما لو أن التاريخ يعيد إنتاج نفسه بطريقة مختلفة. فعندما اندلعت الانتفاضة التونسية في ديسمبر 2010، أصر رجال نظام «مبارك» على أن وضع مصر مختلف. وكانت عبارة «مصر ليست تونس» متداولة في خطابهم. ورغم ذلك، ثبت يوم 25 يناير أن اطمئنانهم لم يكن له أساس.

وما أن نجحت انتفاضة 30 يونيو في إسقاط الرئيس الإخواني حتى أسرع قادة «النهضة» إلى إعلان أن الوضع في بلدهم مختلف. وأصبحت عبارة «تونس ليست مصر» متداولة في خطابهم. وقد كانوا محقين في ذلك جزئياً من زاوية أن حركة «النهضة» لم تهيمن على السلطة كلها وإنما حكمت من خلال ائتلاف ثلاثي، بخلاف جماعة «الإخوان» التي رفضت أي نوع من الشراكة حتى مع أحزاب «الإسلام السياسي» الأخرى. كما كانت «النهضة» قد وافقت على تعديل الحكومة الائتلافية بعد أن تفاقمت الأزمة في ربيع العام الجاري، وتخلت عن وزارات كان استحواذها عليها مستفزاً للمعارضة.

لكن اختلاف الوضع في تونس عما كان عليه في مصر لم يصل إلى المدى الذي تصورت قيادة حركة «النهضة» أنه يكفي لتجنب تفاقم أزمتها. فلم يحل الائتلاف الثلاثي دون هيمنة هذه الحركة على كثير من مفاصل الدولة واستحواذها على القرار النهائي في ظل مقاومة محدودة من شريكيها اللذين خسرا الكثير من رصيدهما الشعبي لصالح قوى ليبرالية ويسارية أخرى تطالب ببناء شراكة وطنية حقيقية.

كما خلقت سياسة حكومتها غضباً في أوساط قطاعات متزايدة من المجتمع، خاصة الشباب الذين سعى بعضهم إلى الاقتداء بما حدث في مصر وإعلان تأسيس حركة أسموها حركة «تمرد».

وذلك ما أدركه بسرعة قادة حركة «النهضة»، خاصة زعيمها الغنوشي الذي كان قد توجه إلى مصر في مطلع يونيو الماضي محاولاً نصح مرسي وقادة «الإخوان» بإبداء مرونة من أجل حل الأزمة، فصدوه بدعوى أنهم أدرى بما يفعلونه. لذلك لم يستمر طويلاً رد الفعل الأول من جانب حركة «النهضة» التونسية على فشل الجماعة الأم في مصر، وتراجع الموقف الذي عبر عن إنكار الواقع من خلال شعار «تونس ليست مصر». وبدأت الحركة تتجه إلى استيعاب الدرس المصري، لكن بشكل جزئي وبكثير من التردد. ومع ذلك، مازال بإمكانها أن تتجنب دخول النفق المظلم، الذي كان باستطاعة قيادة «الإخوان» في مصر الابتعاد عنه قبيل 30 يونيو لو أنهم احترموا الشعب الذي استهانوا به.

وربما يكون من حسن حظ العقلاء في حركة «النهضة» التونسية أن أياً منهم لم يجلس على كرسي من النوع الذي استحوذت عليه جماعة «الإخوان» في مصر. فالنظام السياسي الانتقالي في تونس مختلط يغلب عليه الطابع البرلماني. ولا تنفرد حركة «النهضة» بالحكم لوجود شريكين معها في الحكومة، لكنها تهيمن عليها بسبب نوم الحزبين المؤتلفين معها في عسل السلطة، إلى أن بدأ أحدهما (التكتل من أجل العمل والحريات) في الاستيقاظ أخيراً بعد أن تصاعدت الاحتجاجات الشعبية.

ومع ذلك، لم يستوعب الغنوشي بعد بدرجة كافية درس مرسي وكرسيه الذي ضاع، ولم يعتبر كما ينبغي بتجربة «الجماعة الأم» وما تنطوي عليه من عبرة وعظة. ولم يعد أمامه المزيد من الوقت لاتخاذ موقف حاسم إما بإبداء مرونة حقيقية والتعامل بشكل مستقيم مع المطالب الشعبية وبالتالي حل الأزمة بطريقة تعوّم حركته، أو مواصلة سياسة الالتفاف ومن ثم

الدخول في نفق مظلم سيكون تيار «الإخوان» في مجمله هو الخاسر الأكبر من انزلاق تنظيمه التونسي إليه، بعد أن سقطت جماعته الأم.

وحيد عبد المجيد

كاتب مصري