'فرحة' ونقاد الأصفر الليبي

بنغازي ـ من زياد العيساوي
لحظة كافكاوية

رواية "فرحة" للكاتب محمد الأصفر هي العاشرة في مسيرة هذا الكاتب الذي اشتهر بغزارة إنتاجه سواء في مجال الرواية والقصة أو الصحافة الأدبية، وتندرج معظم روايات الأصفر تحت بند الروايات السيرية حيث نجد في معظمها ظلالا متفاوتة لحياته وللمحيط المعيشي الذي تتفاعل فيه متخذا من بلاده ليبيا ومن مدينته بنغازي، منطلقا يغامر عبره ماسا في طريقه كل شيء، السياسي، الاجتماعي، التاريخي، النفسي، وضاربا إلى عرض الحائط المفهوم السائد والمعروف لكتابة الرواية.
سبق أن صدر للأصفر في عدة طبعات تسع روايات هي: المداسة – تقودني نجمة – نواح الريق – شرمولة – سرّة الكون – ياناعلي – شكشوكة – عسل الناس – ملح – وأخيرا هذه الرواية ملح، بالإضافة إلى مجموعتين قصصيتين هما حجر رشيد وحجر الزهر.
ومعلوم أن كل روايات الأصفر العشرة قد طبعها على نفقته الخاصة، حيث لم تطبع له مؤسسات الطباعة في ليبيا أي رواية حتى الآن على الرغم من تقدمه بعدة مخطوطات لمنافذ الطبع الرسمية من مجلس ثقافة عام ومن مؤسسة ثقافة وغيرها.
• أدباء كتبوا عن روايات الأصفر
وقد كتب عن روايات وقصص الأصفر العديد من الأدباء الليبيين والعرب نعرض منهم عبر هذه العجالة أربع أسماء:
• يقول الناقد د. محمد أحمد وريث:
أقول "كتاب" لأنني وقفت حائرا في التسمية "رواية" التي تتصدر أغلفة الكتب الثلاثة، ذلك لأن الرواية إن هي إلا حدث أو أحداث أو واقعة تتسلسل وتسير في سياق له بداية وتفاعل، ونهاية تتخللها وتأثر تتصاعد، لما يجري فيها ويربط بينها محور تدور حوله، بينما يبدو لنا كتاب "محمد الأصفر" شيئا مختلفا ومخالفا ولكنه جديد في البنية والأسلوب وفي المعالجة والتناول والعرض، لم تعهده الساحة الأدبية الليبية. هو نوع من السرد الجميل أو السرد النصي المفتوح الذي يجعلك مثلي حائرا في إطلاق التسمية التي تليق به.
إن ما يقدمه لنا محمد الأصفر عبر تداعي خواطره، نوع من السرد المكشوف المتناهي في صراحته وفي التفكير من خلاله بصوت مرتفع جدا، صوت صارخ في كثير من الأحيان، وهو بعيد كل البعد عن "الأجواء" التي تطرق إليها محمد شكري و"الخبز الحافي"، ولا مجال لمقارنة محمد الأصفر به فهو يروي خصوصياته المخجلة ما يترفع عليه الناس ويعفون عنه خلال مراحل حياته الشقية منذ طفولته المبكرة، بينما يتحدث محمد الأصفر عن نفسه وعلاقاته بالآخرين وبالمجتمع بصفة عامة ويطلق آراء في الناس والحياة بصراحة غير معهودة، ولاذعة وساخرة ويذكر المشاكل المعترضة التي لا تخصّه وحده، وإنما تلك التي تتعلق بالجماعة ككل غير منفصل، فيضرب على الأوتار الحساسة ويتخلى دائما عن ادعاء الحياء المزيف عامدا بإصرار إلى المكاشفة المرّة والنقد الموجع لما يجري حوله لأنه لا ينافق.
• ويقول الشاعر والناقد الليبي المعروف سالم العوكلي عن روايات الأصفر بصفة عامة وعن رواية "فرحة" بصفة خاصة عبر مقالة كتبها مؤخرا في زاويته الأسبوعية بصحيفة الجماهيرية:
"كان الأصفر مغامرا في كتابته الروائية، وكان ارتجاليا في خلق أحداثه، روايته مربكة وأحيانا تعمل على تحطيم نفسها، خصوصا عندما يترك مناخا روائيا يبدأ به السرد وينتقل إلى مناخ آخر، للدرجة التي جعلت البعض يقول إن رواية الأصفر مشاريع روايات في كتاب واحد، أو البعض الذي يقول إن رواية محمد الأصفر مثل حوض السباحة الذي يمكنك أن تقفز فيه من أي مكان تختاره، ورغم اختلاف الآراء حول روايته إلا أنها ظلت مثيرة للانتباه وملفتة، بل ومربكة للقارئ الذي بقدر ما يجد ما يمتعه يجد ما يصدمه.
• أما الشاعر الليبي المخضرم السنوسي حبيب فقد كتب عن طريقة كتابة الأصفر مقالة نقتطف منها هذا المجتزأ :
"هو أصفر البرتقال اللذيذ المنعش أم أصفر عباد الشمس الفاقع المتبرج أو الموز المشبع والمذكر بأميركا اللاتينية ونضالات شعوبها وشهرة غلالة فريق البرازيل. أم هو أصفر الكركم المنكه للرز المشتهرة به مناسبات بنغازي، أم أصفر الذهب الرنان رمز الدقة والتعيير والثروة والبطش والزيف في نفس الوقت، أم اصفر البلح الذي علمتنا كتب المطالعة أنه فاكهة وغذاء أم أصفر الكاتربيلر المتخصص في هدم المباني التاريخية والمدن القديمة بكل ما تحتويه من قيم تراثية وحضارية، أم هو أصفر الشمام والليمون والتفاح والميراندا أو المانجا أم أصفر حماية البيئة ومباني بنغازي التاريخية بعد أن جدد طلاءها بالأصفر الباهت، أم أصفر الكتب التراثية والمصاحف في طبعاتها القديمة.
كاتب سرد لا يقوده السرد وتقنياته وفصوله وفاصلاته بل ينطلق تاركاً لقلمه أو لأصابعه على الكيبورد أن تنقر ما يعن لخاطره من أفكار وخواطر وتأملات وحكايات وذكريات تاركاً لشخصيات مدونته (كما يحب هو أن يسمي عمله) أن تدخل مساحة اشتغاله (السرد) متي تشاء وأن تخرج أو ترتكن جانباً متى ما يعن لخاطره أن يدخل غيرها.
الكتابة الروائية لدى محمد الأصفر ليست سرداً ولا محاكاة ولا انطلاق خيال يخلق شخوصاً وأدوارا لهذه الشخوص بل هو عيش مع أحداث وذكريات وأفكار وخواطر ومتخميلات تتزاحم داخله ثم تندلق على الورق مشكلة جسماً أدبياً مشوقاً وممتعاً.
السرد لديه يرتقي بالواقع إلى مستوى الخيال وينزل بالخيال إلى مستوى الواقع، والواقع دائماً أكثر غنى وتنوعاً، تذوب الفواصل عنده بين الطرفين. وأنت تعيش حالته الروائية لا تستطيع التمييز بين شخصيات الواقع ومخلوقات الخيال وما يتذكره عن كل منها وبين ما يتخيله من أفعالها وأقوالها وما يدفعها إليه من نمذجة أدبية.
• بينما عبر الناقد السوري المعروف إبراهيم محمود من خلال ورقته التي شارك بها في ندوة الأدب الليبي بعيون سورية ضمن فعاليات معرض مكتبة السد للكتاب عن نهاية وأجواء رواية "فرحة" قائلا:
"إن النهاية هنا في ضرب من ضروب بلاغتها المتخيلة، لا تستثني أحداً من البقاء مطمئناً وهو كائن جرفي. فالجرف لا يضعنا في مواجهة الموت، إنما في كيفية تخطيه رغبة في حياة أمثل!
في هذا المنحى قد يكون محمد الأصفر عالِماً بحتمية السقوط الفضائحي في الهاوية بقائمة أوصاف تهكمية: سافرة ومبطنة وهو يشدّد على منزلَق الجرف الصخري. إنها اللحظة الكافكاوية الساردة في طبعتها العربية، أعني بها قدرة الكاتب على تمثّل كافكا ما، فيما آتاه من بناء تخيلي لعالم كابوسي، عدمي، عبثي لأن ثمة أسباباً حفّزته على ذلك، عالم فلسفه كثيراً نيتشه، بينما هو فقد اكتفى برسم خارطة حدودية لعالم كابوسية أكثر حضوراً لمفاصله الحركية الكبرى، سوى أنه سعى إلى اعتماد اللغة التي تشهِر بهذا العالم الجلي في رؤية المنخور فيه من جهاته كافة.
في روايته "فرحة"، ثمة تنبيه متشكل منذ البداية بضرورة أخذ الحيطة والحذر من هذه المسمَّاة بـ "الفرحة"، أن يحسب حسابه لأن ثمة من يهتم بأمره، ويخضعه للدرس لأمر هام: سياسي واجتماعي في عالم حلمي متخيَّل، لكنه تركيب آخر للواقع لا يصدَّق بسبب العنف الذي تميّز به، لتكون الفانتازيا سفوراً للتفكك الذي تملكه عميقاً.