'فراشة الميدان' .. رواية الثورة ضد الفساد

بقلم: محمد الحمامصي
تحولات نفسية

يسعى الكاتب الصحفي سلطان الحجار في روايته "فراشة الميدان" إلى رصد أثر ميدان التحرير الذي انطلقت منه ثورة الـ 25 من يناير 2011 على فتاة، تبدو عادية في صفحات الرواية الأولى، وتتحول مع تجربة الثورة والميدان إلى شخص آخر يبحث في الوطن عن مستقبله الحقيقي وفى أبناء الوطن عن إخوة حقيقيين.

والرواية الصادرة حديثا عن دار صفصافة للنشر، تستوحي العديد من مشاهدها من المواجهات الحقيقية في ميدان التحرير ومن داخل العيادات الطبية الميدانية، وتربط ذلك بالتحولات النفسية للبطلة وصولاً لذروة توحد البطلة مع الفعل الجماعي.

ومن خلال الشخصيات التي تمثل الطبقات المختلفة يغوص الحجار في قاع المجتمع المصري، مع إلقاء الضوء على الأسباب الحقيقية التي قادت أفراد الشعب للثورة على النظام الفاسد الذي أغرق البلاد في مستنقعات الفقر والجهل والقمع وتغييب الوعي، وإجهاض أحلام الوطن، بالإضافة إلى مشروع التوريث الذي كان يخطط له النظام معتقدا أن الشعب غافلا عما يحدث خلف كواليس السلطة.

ومن خلال الأحداث التي تمر بها البطلة، نكتشف أن الثورة على النظام، كانت كامنة داخل وجدان كل مواطن، والكل كان في انتظار الفرصة للتخلص من هذا الانبطاح الذي تم فرضه على الشعب، وأصبح الجميع يستهدفون تحرير الوطن من الفساد الذي خيم على البلاد طوال ثلاثة عقود، الأمر الذي دفع البطلة لاكتشاف ذاتها مع مجموعة من الشباب الناهض، والذي مهد للثورة، حيث كان الشرارة الحقيقية التي ألهبت حماس الملايين ليثورا على هذا الواقع المرير، الذي سيطر على حياتهم وأضاع الأمل في مستقبل باهر كانوا يحلمون به.

الكاتب سلطان الحجار، صحفي مصري تخرج عام 1990 من كلية الإعلام، جامعة القاهرة، وعمل صحفيًا بمصر والسعودية والإمارات، وصدر له من قبل كتاب شعري بعنوان "همسات لها أجنحة".

** روايتك تعد من أوائل الروايات التي عالجت موضوع الثورة، رغم أن عددا كبيرا من الروائيين أعلنوا عن تأجيل التطرق والتسجيل لهذا الحدث الكبير، إلا بعد مرور بعض الوقت، حتى تتضح الرؤية؟

* الفكرة جاءتني من قلب الأحداث، خاصة بعد أن تعرضت بعض الفتيات المشاركات في الثورة للقتل والسحل والإصابة، كما لم يخل الأمر من تعرضهن لبعض التحرشات الجنسية، ولو كانت طفيفة، من قبل شباب منحل، لم يقصد الميدان للمشاركة في الثورة، وإنما قصده لأمور تافهة تدور في رأسه، نتيجة غياب الهدف الذي يسعى لتحقيقه من وراء نزوله إلى الميدان وسط الثوار. من هنا اخترت أن تكون البطلة فتاة مصرية عادية، مثلها مثل ملايين الفتيات المصريات اللواتي وضعن أرواحهن على أكفهن ونزلن إلى الميدان للمشاركة في لحظة تاريخية قل أن تتكرر.. فالمتابع للأحداث قد يشعر بأن بطلة الرواية هي أخته أو إحدى قريباته، وأحياناً يشعر بأنها فتاة مثالية تقترب من نقاء وصفاء الثورة.. كل هذا دفعني إلى الغوص في أعماق البطلة، التي مع مرور الأحداث، ونتيجة ما تعرضت له من ظلم وقهر وإخفاق ودموع، تتغير بسبب ثورة يناير، وتصبح مشاركة فاعلة في أحداث الميدان بأفراحه وأتراحه".

** وما الذي دفعك لإنجاز روايتك بهذه السرعة؟

* حرصت على رصد الثورة من خلال بطلة الرواية، التي دفعتها الأحداث بقوة لميدان التحرير مع شباب يمثلون أخوة حقيقيين لها، والذين كانوا بمثابة الفتيل الذي أشعل الثورة، ودفع ملايين المصريين للتظاهر على مستوى الجمهورية، حتى تحولت الثورة من مجرد احتجاجات شبابية ووقفات ائتلافية إلى ثورة شعبية حقيقية، شارك فيها الجميع واحتشدوا في شوارع المحروسة، حتى نجحوا في إسقاط نظام فاسد ظل جاثماً على قلوبهم لمدة تزيد على مدار ثلاثة عقود.

** ارتباط روايتك بحدث مهم ومعاصر، هل يدخلها في مساحات الرواية التي تؤرخ للأحداث، أم أنك تفضل وصفها بالأدب الواقعي؟

سلطان الحجار

* الرواية ليست تأريخاً للأحداث، بقدر ما هي قراءة للواقع قبل الثورة بسنوات وحتى اللحظة الحاسمة التي انتفض فيها الشعب وأسقط نظامه، لذلك فهي أدب واقعي، يساعد على كشف المستور خلال 5 سنوات مضت على كافة المستويات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وكيف ساهم الانكسار الذي عاشه كل مصري، في هذه الصحوة، وإن كانت متأخرة بعض الشيء، وكيف سارت الأحداث شبه عادية وسط مجتمع منبطح ومقهور، لتزداد وتيرتها رويداً رويداً حتى يستفيق الشعب من غيبوبة طويلة، ويستمد قوته من ضعف وهشاشة وفساد النظام، لينجح في قهر جبروت السلطة ويستعيد الوطن الذي سُرق منه لعشرات السنين.

** معنى ذلك أن الرواية تستلهم من الأحداث روحها.. وليست مسئولة ولا يمكن محاسبتها بمعايير التأريخ..؟

* بالطبع، لا يجب محاسبة الرواية بمعايير التأريخ، لأن التأريخ عبارة عن توثيق الوقائع والأحداث بشكل يرتبط بالواقع، ولا يحيد عنه قيد أنملة، ويسير بالأحداث وفق تسلسلها من دون أن يتدخل فيها الكاتب ليرصدها كما هي، أما "فراشة الميدان"، فهي رواية تمر على الأحداث خلال الـ 18 يوماً التي سبقت تنحي المخلوع مبارك بشكل عابر، وترصد الأحداث بشكل عادي من دون تعمق ووفقاً لما تمر به بطلة الرواية من مواقف وما تتعرض له من أزمات.

** باعتبارك صحفيا .. هل تأثرت لغتك الروائية بمهنتك الأصلية، أم أنك وجدت بداخلك لغة أخرى استدعيتها لكتابة الرواية؟

* المعروف أن الكتابة الصحفية تختلف كلياً عن الكتابة الروائية، ولكن هذا لا يمنع أن مهنة الصحافة تسير جنبا الى جنب مع الكتابة الأدبية، لأن هناك ألوانا صحفية تقترب من الشكل القصصي، مثل الجريمة مثلاً عندما يتم سردها في صورة قصة قصيرة، أو المشاكل الأسرية وحلولها التي تطفو على السطح من قاع المجتمع، وغيرها، إلا أن هذا لا يمنع من استخدام أسلوب مختلف في الكتابة الروائية التي تحتاج إلى دقة اللفظ والرشاقة في الوصف، والحرص على بناء روائي منطقي وقوي، حتى تأخذ بيد القارئ وتجعله يستمتع بالأحداث وتذهله المفاجآت، وأيضاً قد تخونه التوقعات، وهذا ما يعطي العمل الروائي قيمة وجاذبية، بعيداً عن السطحية والميل نحو المباشرة، وقد حرصت في كتابة "فراسة الميدان" على توافر عنصر المفاجأة، والغوص في أعماق الشخصيات، وتحليل سلوكهم المجتمعي والنفسي على قدر المستطاع.

** كيف تنظر إلى هذا التدفق الكبير في الإنتاج الروائي العربي؟

* هذا التدفق في صالح الرواية العربية، حتى تستعيد مكانتها في الأدب العربي، بعد أن انطفأ بريقها، وكادت أن تختفي باختفاء جيل العمالقة الذين أثروا الأدب العربي بروايات رائعة، وصلت إلى العالمية، ومنذ فترة والرواية تعاني، حتى فرضت الأحداث الأخيرة نفسها على الرواية، وبدأ الكتاب الروائيون في الدخول في حركة نشطة لإحياء الرواية، كما أن وسائل التكنولوجيا الحديثة كانت لها التأثير السلبي على الرواية، مثل التلفاز والإنترنت والهواتف الذكية وغيرها، والتي جعلت العصر في حالة من السرعة الجنونية، والتي قللت من إقبال الشعوب على القراءة، ومتابعة ما يستجد في عالمها الغامض.. إلا أن هُناك شباباً من الروائيين، بدأوا يكثفون من إصداراتهم في عالم القصة والرواية، وبالطبع مع كثرتها فهي تختلف مستوياتها، ولكن بغض النظر عن اختلافنا أو اتفاقنا مع كثرة الإصدارات في عالم الرواية، فإنها ظاهرة صحية تسببت في إحداث حراك فكري وثقافي على أرض الربيع العربي.

** وماذا عن إصداراتك التي سبقت رواية "فراشة الميدان"؟

* صدر لي من قبل كتاب حمل عنوان "همسات لها أجنحة"، وأنا أعتبره كتابا أدبيا جمع بين أقوال تصل إلى مستوى الحكمة من بنات أفكاري، وبين بعض المشاهد التي تقترب من النثر الشعري، وحرصت في كتابته على استخدام كافة أساليب وألوان الكتابة من الجادة إلى الساخرة والكوميدية. وهي أقوال اعتمدت فيها على خبراتي في كل جوانب الحياة، سواء في عالم الساسة أو المجتمع، كما أن للمرأة حضور خاص في هذا الكتاب، وإن كانت بعض الأقوال قد تغضب الكثيرات من النساء.