فدوى سليمان .. لن يغادر صوتك فضاء الأحرار

أنا علوية، جئت إليكم لأعلن اندماجي مع ثورتكم

هتفت فدوى للحرية والكرامة في مظاهرات الجامع الأموي وجامع الحسن وساحة المرجة والقابون وقدسيا والهامة والزبداني وداريا، صدح صوتها مندمجًا مع أنوثة أصوات نساء دوما عندما رفعنها على أكتافهن: "سوريا إلنا وما هي لبيت الأسد"، أسهمت فدوى في حراكات معضمية الشام والقدم ودرعا وحمص، وهي المرأة التي أعلنت عن هوية فرضتها عليها الولادة في مهرجان الشهداء في ساحة برزة، عندما قالت:

- أنا علوية، جئت إليكم لأعلن اندماجي مع ثورتكم على طائفية النظام وفساد قادته وجهلهم بتاريخ سوريا، جئت لأصرخ بمواجهة الموت الذي تدفع السلطة السوريين نحوه، جئت لأحاول أن أتطهر بثورة شعبي العظيمة.

وها هي ذا تغادر الحياة في إحدى مشافي باريس بعد صراعها مع مرض السرطان الذي واجهته إثر تهجيرها القسريّ نتيجة مشاركتها الفعّالة في حراك ثورة شعب سوريا العظيم.

لا أظنّ أن آدميًّا حضر تنمّرها على عناصر دوريات الأمن والتشبيح في شارع الشعلان في قلب مدينة دمشق الذين اعتدوا على متظاهرين سلميين وضربوهم بالكابلات والجنازير، لا أظنّ أنّ آدميًّا بإمكانه أن ينكر شجاعة فدوى ونبلها في تلك المظاهرة، ثبتت فدوى أمام سلاحهم المدججين به، ورفعت صوت الحرّة داخلها فتجمدوا بأماكنهم وأبدوا هلعًا من صوتها الشجاع المشبّع بفعل الثورة، توارت فدوى حينها، وغادرت سياراتهم محمّلة بمعتقلين، ليتكرر فعل التظاهر مع شباب الثورة من جديد بوجود فدوى.

كانت فدوى سليمان تحاول إخراج أبناء الأقليات في جرمانا والسويداء وأرياف الساحل وحمص والسلمية والأحياء المسيحية عن صمتها وعن تردّدهم بالالتحاق بالثورة، وكم من مرّة سمعت وهي تدين الطائفيّة ومنها قولها: "آن الأوان لنسقط الطائفية عنا حتى لا نورث أبناءنا الحقد والدم ونبقى إلى أبد الآبدين نقتل بعضنا ونكره بعضنا".

وفدوى من أوائل الذين شاركوا في مظاهرة الشموع بجرمانا إلى جانب منتهى الأطرش في 5 / 4/ 2011 ومئات من شباب الثورة، وأوّل من طرح مشاريع لتأكيد سلمية الثورة كزراعة أشجار الزيتون في الريف الدمشقي، وانتخاب قادة الثورة عن طريق الانتخاب المباشر بوضع صناديق اقتراع في الساحات التي كان الثوار يسيطرون عليها، وهي المساهمة في التخطيط لإقامة اعتصامات في دمشق وريفها والداعيّة للعصيان المدني مع رفاقها.

بعد دمشق وريفها التحقت فدوى سليمان بصفوف الثوار في درعا، ثمّ انضمّت لبؤرة الثورة السورية في حمص مع الساروت ورفاقه، التقت معهم وشاركت باعتصامهم إلى أن وصل من زرع الفتنة، وصل ممثلو أحزاب الردّة وطائفيتهم المقيتة المغلّفة بشعارات حداثية، وصلت سلطة الموت ووجهها الآخر من التكفيريين، فاخترقوا ميادين الثورة وتنظيماتها وشرعوا في سياسة التخريب وخلق الفتن بين أبناء الثورة.

لم تسمح فدوى لنفسها أن تهدأ أو ترتاح منذ انطلقت الثورة، كانت رمزًا للصوت الأنثوي الثائر في مواجهة ذكورية الطغيان والقهر والطائفية والفساد والجهل، وظلّت منضوية تحت ألوية الحراك الثوري مسهمة في مقاومة سلطة الموت؛ قاومت بغضاء الطائفية وأحقاد التكفيريين وانتهازية أحزاب علمانية انقسمت وانضمّت بقاياها تحت ألوية إحدى الفرق الثلاثة (السلطة أو الطائفة أو التكفير) بعد أن كالوا لها ولرفاقها في حراك الثورة التهم والتلفيق والكذب، واتهموهم بالتطرف وبتوريط شباب الحراك بالمواجهات مع السلطة وبإسهامهم بأسلمة الثورة، ثمّ اتهامهم بمعاداتهم للثورة عندما ترفعّوا عن الدخول في صفوف هيئة التنسيق والمجلس الوطني والائتلاف وغيرهم من مؤسسات انبنت بعيدًا عن فعاليات حراك الثورة، وقد قالت فدوى في هذا الصدد: "إني أستشعر بأن هناك قوى وأحزابا تلعب بنا، وتحاول ركوب الثورة السورية لتنحى بها باتجاه مصالحها.. وتسعى إلى تسليح الثورة ودعم فكرة أن نظام الأسد لا يسقط إلا بالسلاح..."

لذلك لم يتسامحوا معها ومع رفاقها، فكالوا التهم السخيفة لهم، وأساؤوا لسمعتهم ولحراك الثورة السلميّ بتوزيع تهمٍ مكرورة على مدى عمر تنظيماتهم السياسية التي كشفت الثورة عن زيفها وكذبها، مستخدمين أساليب المماحكات السياسية وفهم الصراع على طريقة الأمناء العامين بتدبير مؤامرات صغيرة ورخيصة لخصومه داخل تحالفاتهم، إضافة إلى تصنيعهم صبية يأتمرون بأمر الأمين العام، من دون أن يحسب حسابًا أنّهم قد يلعبون دور الصبية لغيرهم كما حدث بالفعل في سلوك القائمين على المسار السياسي السوري، لقد سهل عليهم التبعية لكل من يقربهم من مواقع التسلّط مرتكزين على ذاك الكم الهائل من منظمات الدعم المالي والتدريب البشري استعدادًا لقيادة المرحلة الانتقالية التي وعدوا بها بعد سقوط النظام.

لقد توهم أولئك الساسة الفاسدون ياستلامهم السلطة، فنسوا الثورة وحراكها ونسوا تقديم برنامج عمل أو رؤى سياسية تساعد الثوار على الأرض، لقد أسهم ساسة المعارضة بإطالة عمر الثورة، وأعطوا لسلطة التغوّل فرص سفك دماء شبابها، فلابدّ أن يعترفوا أولًا عن أخطائهم، وثانيًّا أن يتحمّلوا قدرًا من المسؤولية على حجم الموت والدمار والتهجير والاعتقال الذي تضاعف نتيجة تسويفهم وترددهم ومداهنتهم لقوى خارجية، وهم لا يزالون مصرّين على استكمال دورهم في النهب وإنهاء الثورة لمصلحة قوى خارجيّة قامت بتعليق جزرات بأعناقهم.

عادت فدوى من حمص، والتحقت بحراك ريف دمشق، وتوارت عن ملاحقة الشبيحة والمخابرات الذين أرادوا اغتيالها، إلى أن استطاعت بجهود ثوار الغوطة الخروج والوصول إلى فرنسا. هناك تابعت عملها بعيدًا عن فعاليات الأوساط السياسية الفاسدة، وتابعت دربها في المقاومة الثقافيّة، محاولة أن تجد المناصرين للثورة السوريّة في أوساط المجتمع المدني الأوروبي المتضمن تيارات مجتمعيّة تسعى على دروب جعل التحضّر الإنساني أكثر إنسانية، ووصلت فدوى إلى بعض قطاعات الأطفال في المدارس الفرنسية، إلا أنّها عجزت عن إقناع مؤسسات السلطات المافياوية المتحكّمة بمصائر شعوب الأرض التي لا تزال تحارب الثورة السوريّة هلعًا من امتداداتها التي فيما لو حصلت ستغيّر وجه تاريخ المنطقة برمتها.

فدوى سليمان التي كان لها دورٌ فاعلٌ في كشف مبيقات الأحزاب المهزلة التي أساءت للثورة وشبابها بتدخل قادتها محتسبين أنفسهم أوصياء على كل الفعاليات السياسية، فدوى التي كفرت بالسياسة ولجأت إلى المقاومة الثقافية عن طريق المسرح، وألّفت مسرحية "العبور" عام 2012 وشاركت في كثير من المسرحيات التي تدافع عن ثورة اتسمت بالنبل والشرف الرفيع، ثمّ كتبت الشعر ونشرت ديوان "كلما بلغ القمر" عام 2013.

انتصرت الثورة، يا فدوى، بسلوك أبنائها عندما اندمج أفرادٌ كثيرون من الأقليات ومن العلمانيين إلى ساحات الثورة وميادينها إلى جانب الشباب الإسلامي الذي صحى من غفوته وأعلن تمثّله للمنجزات الحضارية العلميّة والاجتماعيّة، ورفع شعار الديمقراطية من أجل بناء الدولة المدنية التي تحترم مواطنة الفرد كذات فاعلة بمعزل عن انتمائه الذي ولد به، كما قبل أولئك الشباب بنتائج الثورات العلميّة من دون إخضاعها لمعايير أسلافنا المعرفيّة، فاشترك بذلك مع الشباب العلماني والمعاصر.

لقد انتصرتِ، يا فدوى، للثورة التي انضمّ إليها كثير ممن أهملهم النظام وهمّش فعالياتهم فاندمجوا بفعالياتها رغبة في تطهرهم مع فرسان ساحاتها. انتصرتِ للثورة عندما كانت المرأة جنبًا إلى جنب مع الرجل في الشوارع والساحات تصدح بصوت الحرية والكرامة، وعندما التحم المسلم مع المسيحي، الكبير مع الصغير، الإسلامي مع العلماني، الطلاب مع العمال والفلاحين،...كان الجميع يطالب بالحرية وبإسقاط النظام القاتل المتغوّل الطائفيّ.

أخيرًا أصيبت فدوى بمرض السرطان وأودى بحياتها نيابة عن نظام الموت البعثي وسلطات الطائفة والشبيحة والتكفير وهيئات المعارضة المهزلة.

تحية لذكراك يا فدوى، لقد انتصرت روحك الطهورة على الاستبداد والجهل والطائفية والتكفير وبؤس الساسة المأجورين، انتصرتِ مع الثورة بلحمتكِ مع فعاليات حراكها حتى آخر لحظات حياتك.

أدهم مسعود القاق، كاتب سوري، ريف دمشق، مقيم بالإسكندرية

Adhamalkak68@gmail.com