فدرالية العراق طبخة غير ناضجة على نار مستعجلة

(العراق)
الفدرالية في العراق، تغيير الخارطة هل يمر بسهولة؟

عقد المجلس العراقي للسلم والتضامن، فرع بابل، ندوة فكرية موسعة لمناقشة موضوع "الفيدرالية والتقسيم" الجمعة في قاعة الفنانين في مدينة الحلة.
وأوضح رئيس الفرع كامل فاضل علي إن "الفيدرالية واحدة من أهم القضايا التي تهم مستقبل ومصير شعبنا"، معرجا على حلقات المسلسل الذي أنتج أفكارا تبلورت مؤخرا في قرار الكونغرس الأميركي والذي يرى تقسيم العراق كحل مطروح وان كان القرار غير ملزم.
وبهدف إعلان الموقف من تلك الطروحات فان فاضل علي أعلن "أن حركة السلم والتضامن ترفض كل مشاريع تقسيم العراق وتحويله إلى ضيعات".
ويرى فاضل علي أن الحل الذي يقود الوطن إلى بر الأمان يكمن في "السعي الوطني لبناء نظام ديمقراطي تعددي وهو ما يحتاج إلى مشاركة الشعب في الحكم وفي تشريع القوانين وأن تستقطب الكفاءات الفكرية في هذا البناء بعيدا عن الطائفية والإثنية"..ثم بَيَّنَ أن السبيل إلى بلوغ هذا الحل يكمن في "العمل على توجيه الفكر الإنساني في العراق على أساس التسامح والتآخي ونبذ سياسة العنف والإرهاب والتهميش".
أعقب ذلك شروع المحاضر الرئيس في الندوة الدكتور باقر جاسم محمد الأستاذ في جامعة بابل بتقديم محاضرته الموسومة "الفيدرالية وأزمة الحكم في العراق".
وبدأ المحاضر حديثه بتسليط ضوء على أنظمة الحكم المختلفة ثم خلص إلى أن من بين تلك الأنظمة نظام الحكم الفدرالي والكونفدرالي، وذكر أمثلة عالمية منها تكوين ألمانيا على أساس فدرالي منذ وحدتها التي تحققت على يد بسمارك خلال حرب السبعين 1870، وكذلك النموذج السوفيتي الذي لم يكن يتضمن تطبيقا ديمقراطيا بسبب تَغَوّل المركز وخاصة في الحقبة الستالينية.
ثم عرج المتدخل على ما تضمنه الدستور العراقي من إقرار بالفيدرالية ولكنه وضع لها مفردات تطبيق كونفدرالية!
ولمس المحاضر موضع الأزمة التي تضمنها عنوان محاضرته عندما تساءل "هل أن الفيدرالية حل أم مشكلة"؟، وضمن مناقشة هذا المحور فإنه أورد مآخذ رافضي الفيدرالية على التطبيق العراقي ومنها:
- إن الفدرالية تشكل نقيضا للوحدة الوطنية وهي تقسيم عملي على أسس طائفية وعرقية.
- العراق غير مؤهل لتطبيق الفيدرالية.
- الظروف الإقليمية والدولية والتقلبات السياسية الحالية لا تساعد على تطبيق الفيدرالية.
- لذلك كله فإن الفيدرالية ما هي إلا خطوة نحو تقسيم العراق.
فيما يتبناها البعض بدعوى أنها تضمن عدم تَغَوّل المركز واتجاهه نحو الدكتاتورية.
ولاحظ الباحث إن التجربة العراقية أفرزت حكومة مركزية ضعيفة لا يتناسب ضعفها مع قوة الأقاليم "وهو يقصد هنا إقليم الشمال/كردستان" إلى حد جعل الحكومة في بغداد عاجزة عن إرسال قوات عسكرية لحماية الحدود الشمالية، خصوصا عندما لا تنجح في استحصال موافقة حكومة وبرلمان الإقليم. فالفيدرالية المطبقة عراقيا إنما طبخت على نار مستعجلة بدعوى الحاجة إلى إنتاج المشروع الجديد للدولة بعد انهيار الدولة العراقية جراء الاحتلال ما يعني على حد وصف المحاضر أنها غير ناضجة.
وفي معرض إيراده للحلقة الحاكمة في مجال الفيدرالية وهي المحكمة الدستورية التي أقر الدستور تشكيلها فبيَّنَ أنها تهدف إلى الفصل في الخلافات بين المركز والأقاليم وان قراراتها قطعية وهي إسهام فاعل في سبيل تعزيز النظام السياسي والدستور وهي تعزيز لهيبة واستقلال السلطة القضائية.
وما تسبب في إثارة مشاعر اغلب الحاضرين وصف المحاضر ثورة الرابع عشر من تموز 1958 بالانقلاب رغم محبته واعتزازه بقائدها الزعيم عبد الكريم قاسم كما ذكر، خصوصا وانه كرر وأكد بإصرار أن ذلك كان انقلابا وليس ثورة.
ثم حَمَّلَ ذلك (الانقلاب) مسؤولية الجوانب السلبية التي يشهدها العراق حاليا والتي هي ليست بالضرورة نتيجة لإتباع نهج المركزية في حكم العراق.
وبصرف النظر عن الرأي في الفيدرالية التي صارت حقيقة ملموسة، فإن المحاضر سعى إلى تقديم سلة من المقترحات التي يمكن أن تروض الفيدرالية وتجعلها أكثر قبولا.
ومن تلك المقترحات على حسب رأي المحاضر..ضرورة تضمين الدستور الذي يرى لزوم إعادة صياغته لتنقيته من الأخطاء اللغوية والنحوية وضعف الصياغة على الأقل، مواد تكفل وتضمن وحدة البلاد وتمنع أي نزوع أو توجه يهدد الوحدة الوطنية ويعد ذلك من المحرمات الوطنية.
ولابد من تعزيز دور المركز بموجب مواد دستورية واضحة وصارمة تجعل من الجميع يسلمون بأن طبيعة العلاقة بين المركز والأقاليم يجب أن تقوم على أساس إن سلطة الإقليم هي دون سلطة المركز، خصوصا وان النص الدستوري الموجود حاليا غير فاعل لذا لم يتم مراعاته عمليا..وان يمنع الدستور كل القيادات من التشاور مع الخارج بخصوص عملها في الداخل.

أما بخصوص قضية الحدود الفاصلة بين الأقاليم، فإنه رأى ضرورة ترسيمها بدقة ووضوح تحاشيا لأية إشكالات قد تنجم عنها حرب أهلية، وهو أمر مستوحى من تصريحات أحد الرموز السياسية العاملة على الساحة العراقية كما ذكر المحاضر من دون أن يصرح بإسم الشخص صاحب التصريحات.
وعندما فتح مدير الندوة باب المداخلات فإن الحاضرين كانوا متحمسين للمشاركة التي كانت على نوعين.
فقسم منهم قدم ملاحظاته مكتوبة وجرى تلاوتها من قبل إدارة الندوة والإجابة علها من قبل المحاضر أو رئيس الفرع..بينما أصر البعض الآخر على أن تكون مداخلاته شفوية.
والملاحظة العامة على كلا نوعي المداخلات أنها تحمل إشارات صريحة أو ضمنية إلى طبيعة التحدي في العلاقة بين إقليم كردستان والحكومة المركزية في بغداد، وآخرها توقيع عقود تنقيب واستخراج النفط بين حكومة الإقليم والشركات الأجنبية من دون أخذ موافقة الحكومة المركزية.
وثمة دلائل واضحة على أن إقليم كردستان يتصرف بمنأى عن الحكومة المركزية كما رأى أحد المتداخلين من خلال محاولة قادة ذلك الإقليم الاستحواذ على الموارد الطبيعية الوطنية في الإقليم إضافة إلى فرض حضور تمثيلي دبلوماسي كردي في كل السفارات والبعثات والممثليات الدبلوماسية العراقية في الخارج.
ولقد تكلم البعض دفاعا عن ثورة 14 تموز التي عدها المحاضر انقلابا معترضين بشدة على هذا التعبير، خصوصا أنها حررت العراق من الانكليز كما بين بعضهم، وهي ليست كالانقلابات المصلحية والنفعية المعروفة مثل انقلاب بكر صدقي وغيره.
و طرح من حسن عبيد عيسى سؤال أجاب عليه بنفسه وهو "ما معنى أن تعقد ندوة تناقش الفيدرالية بعد خمس سنوات من احتلال وطننا وبعد سنتين من إقرار الدستور الحالي"؟
ثم أجاب "إن ذلك يدل بصراحة ووضوح على أن الفيدرالية كانت هاجسا لدى كل مواطن غيور، وإنها تطورت حتى صارت كابوسا بعد اصدرا الكونغرس الأميركي قرارا سيئ الصيت والسمعة والقاضي بتقسيم العراق..وهو إن كان اليوم غير ملزم فإنه سيوضع غدا موضع التطبيق خصوصا وان بعض المستفيدين والأنانيين في الداخل سيعملون على تحريكه لخدمة مصالحهم الشخصية حتى ولو على حساب مصلحة الوطن، كما حصل مع قرار الحرب على العراق الذي لم يلزم كلينتون بتنفيذه "ولكنه كان أحد الأمور التي ساعدت بوش في تسويق عدوانه أميركيا".
وبين المتحدث في مداخلته انه وخلال حضوره ندوة بيت الحكمة الخاصة بالدستور عام 2004 اعترض على احد الباحثين الذي هو الآن عميد إحدى الكليات البغدادية المحترمة لطرح ذلك الباحث دعوة إلى منح كل محافظتين حق تأسيس إقليم فقال له "أشم في طرحك رائحة اسرائيلية، إذ أن حكومة بيغن وضعت أسس العمل الصهيوني على تقسيم العراق إلى ثلاث دول وأنت تريد تقسيمه الى عشر دول".
ثم تساءل كاتب هذه السطور في ختام مداخلته "هل يعقل إننا أبناء الدولة الأقدم في العالم والحضارة الأم التي علمت العالم أسس الإدارة وفن الحكم منذ ستة آلاف سنة، نقبل أن يأتي متصهين مثل بايدن وسواه من أبناء دولة لم يبلغ عمرها ثلاثة قرون ليعلمونا كيف نحكم أنفسنا وندير شؤون بلادنا، على وفق هوى ورغبات الصهاينة؟ أليس هذا هو الخزي والعار بأبرز صوره"؟