فخ نتنياهو

تصريحان متتاليان لرئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو أثارا عاصفة من ردات الفعل على الجبهتين الفلسطينية والاسرائيلية ، وتناول التصريحان مستقبل المستوطنين والمستوطنات في الضفة الفلسطينية.

فبعد أن أكد نتنياهو رفضه المطلق مغادرة أي مستوطن في أي اتفاق مستقبلي مع الجانب الفلسطيني، عاود في اليوم التالي الحديث عن الموضوع ذاته ولكن من زاوية موافقته (!) على بقاء مستوطنين تحت الولاية الفلسطينية.

وفيما رفض الجانب الفلسطيني كلا التصريحين، خص رئيس حزب «البيت اليهودي» بينيت التصريح الثاني بانتقادات حادة أصابت نتنياهو بشخصه إلى حد أن مراقبين توقعوا أزمة سياسية في أوساط الائتلاف الحاكم في اسرائيل. فيما رأى آخرون أن ما يحدث على هذا الصعيد لايخرج عن كونه فخا أراد منه نتنياهو وضع المفاوض الفلسطيني في صورة الرافض الدائم لأي اقتراح ترى فيه تل أبيب تحريكا لمياه التسوية الراكدة.

بينيت حذّر من خطورة اقتراح نتنياهو إبقاء مستوطنين تحت الولاية الفلسطينية، مستخدما خطابا «غوغائيا» بكى من خلاله على مصير هؤلاء المستوطنين الذين برأيه سيتعرضون للقتل على أيدي الفلسطينيين، وأضاف بأن نتنياهو «يعرّض الصهيونية للخطر» حيث لا صهيونية «بدون سيادة على الأرض والسكان اليهود» بحسب رأيه.

لكن هناك من تمعن في اقتراح نتنياهو ورأى فيه عوامل ايجابية عدة. فيشير المحلل السياسي تسفي برئيل في صحيفة «هآرتس» الاسرائيلية إلى هذه العوامل على النحو الآتي:

يضمن اقتراح نتنياهو تحقيق مزايا كثيرة لإسرائيل منها:

• الغاء الحاجة إلى تبادل أراض مع الجانب الفلسطيني.

• الغاء المقاطعة الأوروبية لمنتجات المستوطنات لأنها «تنتج في فلسطين».

• سيشكل تطبيق الاقتراح بعد الموافقة الفلسطينية عليه مدخلا لإرساء قواعد وأسس جديدة للتعاون الأمني مع الأجهزة الفلسطينية ربطا بالالتزام الفلسطيني المفترض بتأمين سلامة المستوطنين و «أملاكهم» (!).

• بتطبيق مبدأ«الأرض مقابل المستوطنات» ستنتفي الحاجة إلى ذكر حدود الـ 67.

• يستفيد المستوطنون الباقون في الضفة الفلسطينية من مزايا انخفاض قيمة الضرائب التي سيسددونها قياسا بما كانوا يدفعونه لوزارة المالية في الدولة العبرية.

• تتمكن المنظمات اليهودية خارج اسرائيل من ايصال تبرعاتها إلى المستوطنات والمستوطنين بدون دفع أي ضريبة، إلى جانب استفادة المستثمرين الاسرائيليين من التسهيلات المستحدثة في تجاه الاستثمار في المستوطنات.

ما طرحه تسفي برئيل يلقي الضوء على جزء مهم من الأهداف الكامنة وراء اقتراح نتنياهو المذكور. وهو يفسّرـ برأي المراقبين ـ الهدوء المصطنع الذي قابل فيه رئيس الوزراء الاسرائيلي انتقادات بينيت التي وصلت حد التهجم الشخصي.

ومع ذلك، فإن المناورة الاسرائيلية تجاه مستقبل الاستيطان في الضفة الفلسطينية تتمحور حول ثبات موقف نتنياهو بشأن الاستيطان من زاوية رفض الحديث عن انهائه بخروج المستوطنين من أراضي الضفة الفلسطينية. وهو اضافة إلى ماسبق ، يريد أن يشرّع باقتراحه الموافقة الفلسطينية ليس فقط على قبول بقاء المستوطنين في الأراضي الفلسطينية، بل وعلى اعطاء هؤلاء الحق في «التمدد الطبيعي» عددا وبنية تحتية والمحافظة على ما ينهبونه من ثروات الضفة لخدمة المستوطنين والمستوطنات. إلى جانب ذلك، يعود نتنياهو للحديث عن التسوية «الناجحة» برأيه والتي يسميها «الاتفاق المستقر» ويشترط لتحقيقه الانطلاق من أساسين متكاملين.

الأول هو تنازل فلسطيني معلن عن حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وممتلكاتهم التي طردوا منها، أي إلغاء قضية اللاجئين وحقوقهم. والثاني اعتراف فلسطيني معلن أيضا ورسمي بيهودية دولة اسرائيل.

ومن الواضح أن نتنياهو بكل ما يطرحه على صعيد عملية التسوية يريد أن يؤكد أن ما تقبل به تل أبيب من اقتراحات أميركية هو ما يتصل مباشرة بتفاهمات كيري مع الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي، وأن تكون وثيقة«الإطار» نتيجة توافق بين الطرفين، وليس باعتبار ما يطرحه الوزير كيري نابع من أفكار أميركية صرفة.

ما ذكر سابقا حول الاقتراحات الأميركية يعتبر رسالة إلى كل من الإدارة الأميركية والمفاوض الفلسطيني.

فما يريده نتنياهو بهذا الخصوص أن تحافظ واشنطن على الأسس التي وردت في تفاهمات كيري مع تل أبيب. وفيها جرى التشديد على أولوية الاعتبارات الأمنية الاسرائيلية وجعل هذه الاعتبارات البوابة الوحيدة التي يمكن من خلالها نقاش حدود الدولة الفلسطينية، كما ضمنت هذه التفاهمات لحكومة نتنياهو مواصلة الاستيطان دون قيود، بسبب خلو هذه التفاهمات من أي مطلب لتجميد الاستيطان بشكل عملي. وحتى خارج هذه التفاهمات كان الوزير كيري يؤكد في جميع تصريحاته أن ما تم التفاهم فيه مع نتنياهو لا يتجاوز مبدأ «كبح» الاستيطان وليس وقفه وتجميده. وعلى هذا الأساس يضمن نتنياهو أن تكون وثيقة «الإطار» عبارة عن مسرب جديد للمفاوضات لا تتطلب توقيعا من الجانب الاسرائيلي يلزمه بمحددات وأسس لا يوافق عليها.

لكن نتنياهو يشدد في الوقت نفسه أن المفاوض الفلسطيني هو الطرف الذي ينبغي عليه أن يقدم تنازلات جدّية وخاصة بما ذكر سابقا حول قضية اللاجئين الفلسطينيين ويهودية دولة اسرائيل، ودون ذلك يحمّل نتنياهو المفاوض الفلسطيني مسؤولية انهيار عملية التسوية برمتها.

خلاصة القول إن نتنياهو يقطع الطريق منذ الآن على أي احتمال لولادة مشروع «اتفاق اطار» يتضمن أي تراجع اسرائيلي ولو بسيط عن المحددات التوسعية والأمنية التي رسمتها حكومة نتنياهو منذ ما قبل انطلاق المفاوضات مجددا.

على ضوء ماسبق، وربطا بالتجربة التفاوضية المديدة منذ ما قبل نحو عشرين عاما، فإن على المفاوض الفلسطيني أن يدرك ولو متأخرا أن معالجة القضايا الأساسية المطروحة لايمكن أن تصل إلى حلول تستجيب إلى الحقوق الفلسطينية بسبب احتكار واشنطن الرعاية الحصرية لعملية التسوية. ولذلك فإن هذه القضايا ينبغي أن تقدم كملفات إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، وأبرزها قضايا الاستيطان وهدم المنازل والأسرى، من خلال مؤسسات الامم المتحدة ذات الاختصاص مثل المحكمة الجنائية الدولية وغيرها عبر الانتساب لهذه المؤسسات ومقارعة الاحتلال سياسيا وقانونيا في معركة مفتوحة تستدعي تكامل الجهود السياسية الوطنية والشقيقة والصديقة، كما حصل إبان التقدم بطلب عضوية دولة فلسطين في المنتدى الدولي.

دون ذلك ستتواصل المفاوضات على حساب الحقوق الوطنية الفلسطينية ، التي ستتعرض للتآكل في ظل استمرار المشروع التوسعي الاسرائيلي على أنقاض هذه الحقوق.