فحوص ما قبل الزواج تحميك من مشكلات كثيرة

الزواج ليس قرارا عاطفيا واجتماعيا فقط.. بل طبي ايضا

عمان – تثير حملة الحكومة الاردنية الهادفة لتشجيع المقدمين على الزواج على اجراء فحوص طبية للتأكد من عدم وجود امراض وراثية جدلا واسعا في الشارع الاردني. اذ لم يتعود الاردنيون، مثلهم مثل كل المجتمعات العربية تقريبا، على ربط قرار الزواج بالفحوص الطبية. غير ان التجربة اثبتت ان مثل هذه الفحوص قد تحمي اصحابها من كثير من الآلام والمشكلات. وكثير ممن القتينا بهم يقولون انه لو عادت الايام الى الوراء، وهي للاسف لا تعود، فانهم لابد ان يلجأون الى الفحص الطبي قبل الزواج.
من هؤلاء اياد وزوجته اسماء الذان لم يستمعا لنصائح المقربين بان يجريا فحص ما قبل الزواج وكانت ثمرة زواجهما طفلا مريضا بمرض لا يمكن شفاؤه. وبدل ان يشيع الطفل بمولده الفرح على الاسرة الناشئة تبددت سعادتها ولف البؤس بيتهما.
الزوجان الشابان يغرقان الان في ندم كبير ولكن بعد فوات الاوان حين اهملا نصائح الاقارب. بل يتمنيان اكثر من ذلك لو انهما لم ينجبا بالمرة. وتظهر الاحصائيات ان 50 الف عقد زواج ابرمت العام الماضي بالاردن من بينها فقط 900 عقد اجرى العروسان قبلها فحوصا مخبرية توفرها وزارة الصحة مجانا.
ولم تفلح حملات الارشاد باهمية فحص ما قبل الزواج باقناع اعداد كبيرة من المقبلين على الزواج لاجراء الفحص وما تزال نسبتهم متدنية في حين تتفاقم تبعات العزوف عنه.
ويقول بسام، وهو شاب اردني تزوج حديثا، "لم اتخيل انني ساقف امام عيادات الاطباء بقية عمري بصحبة ابني ذي الاربع سنوات الذي يعاني من فشل كلوي ويحتاج الى اجراء غسيل كلى كل ثلاثة اسابيع. بسام يبدو متمسكا الان بقوة بضرورة الزام كل المقبلين على الزواج باجراء الفحوصات المخبرية لتفادي الاصابة بالامراض الوراثية "خاصة التلاسيميا " التي تنعكس سلبا على حياة المولود والاسرة.
ويصل عدد حالات التلاسيما (فقر الدم) في الاردن نحو 1500 حالة. ويتوقع تسجيل 70 حالة سنويا فيما تبلغ كلفتها العلاجية نحو عشرة ملايين دينار تتحملها خزينة الدولة.
وكدولة متوسطية يعاني الاردن من مرض فقر دم البحر الابيض المتوسط " التلاسيميا" وهو من اكثر امراض الدم الوراثية شيوعا في المنطقة. ويؤدي الى ولادات مصابة باعاقات تصل نسبتها الى 50 بالمئة اذا كان الزوجان يحملان سمة المرض اما اذا كان احد الازواج لا يحمل سمة المرض فان نسبة الاصابة تكون ضئيلة جدا ومعدومة في الاغلب.
ومن المؤكد ان أي اثنين يفكران في الزواج لن يرحبا بزواج ينتظر ان يسفر عن اطفال معوقين.
واصدرت دائرة الافتاء فتوى في السنوات السابقة تجيز اجراء الفحص الطبي قبل الزواج. وجاء في الفتوى "ان اجراء فحص طبي قبل الزواج للحيلولة دون انتشار مرض التلاسيميا جائز شرعا على سبيل التخيير دون الالزام وذلك من باب حماية الصحة وسد الذريعة". كما جاء في الفتوى "انه لا يغيب عن البال ان اجراء الفحص الطبي قبل الزواج ليس من مقومات عقد الزواج وميثاقه ولا يدخل في الشروط المتممة للعقد، اذ يقوم اصلا على المودة والرغبة المتبادلة والتفاهم والمصاهرة،ومبدا الرفق والتيسير.
اما قانون الاحوال المدنية الشخصية فينص على جواز التفريق بين الزوجين اذا ثبت ان احدهما مصاب بامراض معدية او منفرة.
وجميع الاسر التي التقيناها اجمعت على ضرورة الزامية الفحص الطبي قبل الزواج لتجنب الام كبيرة قد تعيشها كثير من الاسر.
ويتسائل محمد عليان: ماذا افعل. تزوجت ابنة عمي وانجبت منها طفلين يحملان اعاقات مختلفة وهاهما يطلقان صرخات الالم واتالم معهما وابكي ولكن ما الفائدة؟
محمد يدرك الان مدى الخطأ الذي اقترفه حين تجاهل اجراء فحص قبل الزواج فهو لم يصغ للنصائح بخاصة ان النتائج ظهرت بعد ان اتم ابنه البكر شهره الاول.
ولتيسير ناصر قصة اخرى فقد تزوج من فتاة تعرف عليها ايام الدراسة واجرى الفحوصات اللازمة. ونصحهما الاطباء بعدم الاقتران لان في ذلك تكريسا لصفات وراثية سلبية. لكنه اصر على الزواج وانجب ثلاثة اطفال يعانون من ارتخاء في العضلات مات اثنان منهما قبل ان يتجاوزا العشر سنوات.
مقرر لجنة شئون البيئة والصحة والتنمية الاجتماعية في مجلس الاعيان الدكتور عارف البطاينة قال ان اللجنة وبعد دراسة مستفيضة لتقرير اعدته عن مرض التيلاسميا من الناحيتين العلاجية والوقائية والسبل الكفيلة للحد من انتشاره قررت ان تعمل على سن تشريع يلزم باجراء فحص طبي قبل الزواج.
وبين ان اللجنة قابلت وزراء الصحة والاوقاف والتربية وتم عرض هذا الموضوع عليهم وجمعيهم ايدوا سن مثل هذا التشريع ليكون ملزما لكل شخص مقبل على الزواج.
واوضح ان التشريع يوجب توفير مراكز صحية محددة لها خصوصية الاحتفاظ بسرية النتائج التي يبحثها اطباء متخصصون لمعرفة الامراض الوراثية ذلك ان للفحص انعكاسات ايجابية اخرى غير تلك المتعلقة بالتلاسيميا ومنها اكتشاف الامراض غير الجينية مثل الايدز والسل.
واضاف ان اللجنة ناقشت مع وزير التربية والتعليم استحداث مساق لتعريف الطلبة باهمية اجراء فحص ما قبل الزواج يعده متخصصون بالامراض الوراثية.
ولاحظ مدير السلامة الصحية في وزارة الصحة الدكتور عبدالمنعم الصلاج ان الاقبال على اجراء الفحص مجانا في مراكز تابعة للوزارة غير مرض ولا يرقي الى مستوى المشكلة. واوضح ان حملة توعية وتثقيف بدأتها الوزارة لتشجيع اجراء الفحص الطبي قبل الزواج مؤكدا ان الفحص يحاط بسرية تامة.
رئيس الجمعية الاردنية لتنظيم الاسرة انور الحديد قال ان اختيار شريك الحياة من اهم قرارت الانسان ويجب ان يستند الى اسس ومعاير سليمة في الاختيار بحيث يكون المعيار الصحي احد اهم هذه الاسس.
واضاف ان اجراء الفحص الطبي قبل الزواج يسهم في بناء علاقة زوجية سليمة تجنب الزوجين الكثير من المعاناة الصحية والنفسية التي قد تحدث بعد الزواج في حال ظهور امراض وراثية او امراض منقولة جنسيا.
وتابع ان جراء الفحوصات الطبية لا يشكل دليلا قاطعا على عدم وجود امراض وراثية وانما يسهم في الحد من بعض الامراض التي يمكن اكتشافها والتحكم فيها مثل التلاسيميا.