فجر التحرير آت.. إن الفجر لمن صّلاه

أولاً، حيا الله المجاهدين الذين أعلنوا ثالث جبهاتهم الكبرى: "الجهاد والتحرير" والتي ضمت بين جوانحها 22 فصيلا، بقيادة المجاهد الكبير عزت إبراهيم الدوري. فهذا منعطف سيثبت انه حاسمٌ في مسيرة التحرير، ليس لأنه يعيد ترتيب قوى المقاومة من حيث التكوين الميداني فحسب، بل لأنه قدم لعملها المستقبلي رؤية عقلانية، شديدة التمسك بالقيم الوطنية الجامعة، تتسم بالحرص على وحدة النضال بين المجاهدين، مهما اختلفت مشاربهم، وسجلت، بوضوح قاطع، نبذها للحكم الشمولي والفردي والإستئثار بالسلطة.
ثانيا، هذا التغيير يتطلب إختبارا. ويحسن بالمجاهدين ان يختبروه، بالتنسيق والتعاون المباشر وتبادل الأفكار، لا بالتردد والافتراضات والشكوك.
الذين يقتحمون خطوط الموت في مواجهة العدو، لابد وان يملكوا الشجاعة على اقتحام خطوط الإختلاف من أجل الوقوف في صف الأخ والرفيق.
ثالثا، القضية الجوهرية التي تطرحها قيادة "الجهاد والتحرير" هي تحرير العراق من الاحتلالين، الأميركي والإيراني. هذا هو العاجل. أما الآجل فانه متروك لمداولات المجاهدين فيما بينهم. فاذا كان هذا هو الترتيب الذي يهيمن على مسعى المجاهدين الآخرين، فلا خوف عليهم. لأنهم، والحال هذه، على الصراط المستقيم.
رابعا، بعد "الجهاد والإصلاح" و"الجهاد والتغيير"، فان غالبية فصائل المقاومة، تكون قد انضوت تحت إطار توحيدي. ويستطيع المرء ان يفترض، انها، إذ صارت تضم أكثر من 30 فصيلا، بينها معظم الفصائل الكبرى، فان هذه الجبهات، سواء تقاربت فيما بينها او انصهرت في كيان واحد، ستكون قادرة حتماً على تحديد كل جدول أعمال المقاومة وتطلعاتها ومستقبل جهادها المشترك، بما في ذلك شكل وهوية وبرامج حكومة ما بعد التحرير.
خامسا، إذا تخلصت هذه الجبهات من عقدة "الصغير" و"الكبير" فيما بينها، لتتبنى ثقافة بديلة تقوم على القول: "هذا ما أستطيع فعله، واذا ارتضيتم، سأذهب لأفعله"، فاننا سنكون امام هيئة أركان حرب أصلب من الصخر. لأنها ستخطط للأفعال، بدلا من التنافس بالأقوال.
سادسا، هذه الثقافة سترسي الأساس لعلاقة نضالية اكبر بكثير من أي تنازع مستقبلي على السلطة، لأن الكل فيها "كبير"، والكل فيها يستحق التنازل من أجله، والكل فيها حميم.
ولا يجب ان ننسى ان هناك مجاهدين أفرادا سطّروا بطولات، وما يزالون يسطرون، تكفي لتجعل كل واحد منهم أسطورة. رموز كهؤلاء، صانعو أبطال، وهم مثل زرد الدرع، أقوى ما فيه. وهكذا، فحتى لو كان هناك فصيل مقاومة من عشرة مجاهدين كهؤلاء، فجبهتهم جبهة "كبار" أيضا.
سابعا، ذلك يعني ان تحالف المجاهدين هو تحالف أعمال، لا تحالف مراتب. وهذا هو في الواقع، ما كان يجري داخل الفصائل. بهذه الثقافة العملية، ظلت المقاومة عصية على الإنهاك.
ثامنا، إذا اقتربت هذه الجبهات الثلاثة من بعضها، لتقيم هيئة أركان مشتركة، تتبادل العون والأفكار والتخطيط، فان فجر التحرير آت لا ريب فيه.

***

ومازال هناك فصيل كبير يحسن الوصول معه، أو فيه، الى كلمة سواء. انه "دولة العراق الإسلامية"، أو فرع تنظيم "القاعدة" في العراق.
والحال، فإذا كان التمايز بين فصائل الجبهات الثلاث "الإصلاح"، "التغيير" و"التحرير" هو تمايز "اختلاف"، فتمايزها مجتمعة مع "دولة العراق الإسلامية" هو تمايز "خلاف" منهجي واستراتيجي عميق. بعضه يدفع حتى لإثارة الشكوك، إن لم يكن من الأعمال نفسها، فمن عواقبها ومؤدياتها.
ولكن.
أولاً، المقاومة في منعطف. وليل الاحتلال في الهزيع الأخير. تقارب الجبهات الثلاث، سوف يجيز لها ان تفتح صفحة للحوار لإرساء مبادئ، من موقع الرائد والمقرر، وذلك بما انها تقود ثلاثة أرباع الجهد المقاوم.
ثانياً، احد أول هذه المبادئ يمكن ان يكون "عفا الله عما سلف" لفتح صفحة جديدة تسمح بتنظيم الفوضى السالفة وتعيد ترتيب أولويات المقاومة. وأحدها يمكن ان يكون "لا ضرر ولا ضرار". وأحدها يمكن ان يكون "لا قتال بين المجاهدين".
الذين يجرؤون على طي الصفحة في اتجاه، لا بد ان يملكوا الشجاعة على طي الصفحة في الاتجاه الآخر،.. إلا في ما يُتفق عليه من مبادئ.
ثالثا، حقوق المجاهدين يتعين ان تُحفظ، وأولها حقهم في عرض وجهات النظر، وحقهم في الاختلاف في التفاصيل. فالاعتراف بالحق في الاختلاف هو أول الخطوات للتفاهم.
رابعا، بعض أفضل الحوار.. لغة، أو "اسلوب". بمعنى آخر: الذين يريدون أكل العنب، لا يقتلون الناطور. أي يتحاورون، لا يتخاصمون. بمعنى ثالث: إذا كان مفيدا جر هذا الفصيل الى جادة الجهاد المشترك، فمن الأفضل جره، لا دفعه. وبعض الجر.. لغةُ نخوة؛ رجاء من أجل الخير؛ استعانة بالمنطق؛ كشف النقاب عن الصحيح، لا كشفاً عن عورة الخطأ. وبمعنى رابع: "جادلهم بالتي هي أحسن".
والسبب، هو ان العدو مفتوح العينين. ينتهز الخلاف ويستفيد منه. وهو ما فتئ يعمل على توسيعه.
خامسا، يقولون في أوروبا: "عندما تكون في روما، تصرف مثل الرومان". وهكذا، فبين العراقيين، يجب أن تفهم طباع العراقيين، وإلا فانك ستضيع. والعراقيون هبّة حارة، وهبّة باردة. والحاسم بين الهبّتين.. لغة؛ إسلوب! فاذا شيّمته... تستطيع ان تأخذ عباءته. والحمد لله، ولعطل ثقافي عميق، فلا الأميركيين، ولا عملاءهم فهموا هذا. حاربونا، فحوّلناها على رؤوسهم، كما على رؤوسنا، الى... جحيم. (ومؤخرا قالوا: "تقسيم"، فانبرى حتى عملائهم، الى التنديد بالتقسيم، ولا كأنهم كانوا يفعلون كل ما يذهب في اتجاه التقسيم! وذلك لأن الهبّة الحارة هي التي إشتغلت هذه المرة، فلم يفهم جوزيف بيدن- صاحب المشروع، ما الذي حصل).
فكم يجدر بالمجاهدين أن يعوا فيما بينهم تلك اللغة.
والحوار في النهاية.. إسلوب للبحث عن مبادئ، وأرضية عمل مشترك، وتوفير تطمينات وتحديد ضوابط واخلاقيات وقواعد...
فلا خلاف في العلن. ولا حتى بتبادل الرسائل والمقالات. فالكتابة تجرح. وهي تستحث ردودا. وهذه تزيد من تباعد شقة الخلاف. حتى النصيحة غير لازمة إذا رُفعت على رؤوس الأشهاد. تقول العرب: "النصيحة، على الملأ، تقريع". فلا تتناصحوا في العلن، و"اقضوا حوائجكم بالكتمان". و.."داروا الشمعة" لأنها، بالنفخ في مواقد الخلاف، تنطفئ.
سادسا، القبول بالآخرين يعني الإعتراف بوطنيتهم وبشرعيتهم. وهذا الاعتراف يقتضي تواضعا حيال رؤية الآخر، واستعدادا، مسبقا وغير مشروط، للإصغاء لمشاغله، والبحث عما هو مشترك معه، والمضي فيه.
سابعا، المشترك هو كل القضية، فاكبروه. وهذا إذا ما حصل بين جبهات الجهاد، فان فجر التحرير آت لا ريب فيه.

***

وهو آت، على نحو أسرع، بدلائل ومؤشرات من الضفة الأخرى أيضا.
أولا، العدو يلملم أغراضه.
لو كان لديك شريكٌ يربح، فهل تنسحب؟
حسنا. البريطانيون ينسحبون، ليس لأنهم أغبياء، بل لأن شريكهم يخسر. فقرروا ان "يوقفوا خسارتهم عند حد" وبدأوا يلملمون أغراضهم للرحيل، وقبلهم فعل كل تحالف "الراغبين"، ولم يبق سوى "راغب" واحد، وهو نفسه يرغب بالرحيل (ولكنه مازال ينازع من أجل ماء الوجه).
ثانيا، الدلائل في البنتاغون تقول ان تعيين الجنرال مايكل مولن على رأس هيئة أركان الجيوش الأميركية، خلفا للجنرال بيتر بايس، يمثل علامة على قبول فكرة الهزيمة في العراق. فهذا الضابط، على عكس سابقيه لم يكن متورطا في صنع قرارات الغزو، وهو ورث جيشا منهكا وقدراته مشدودة الى حد انها تشارف على الإنهيار. والوعد الوحيد الذي قطعه لم يكن "الانتصار" في العراق، وانما إعادة هيكلة القوات الأميركية "لما بعد العراق"، قائلا بوضوح: "ان القتال في العراق وأفغانستان سينتهي يوما. وعلينا ان نكون مستعدين لما بعد ذلك. وهذا هو الوعد الذي نقطعه".
وقبول الهزيمة في الجيش يترك للسياسيين خيارا واحدا: إعداد جنازة لائقة للاحتلال.
ثالثا، ان جيشا يخسر، حسب المعلن، 30 ألفا من جنوده، بين قتيل وجريح، من أصل 160 ألف لا بد ان يشرف على الإنهيار إذا تواصل النزيف بهذا المعدل.
رابعا، الاقتصاد الأميركي مقبل على فترة ركود. المؤشرات الرئيسية للاستهلاك وأزمة القروض العقارية والتضخم وتراجع معدلات النمو في أعمال الشركات الكبرى، والعجز التجاري المتفاقم، دع عنك الإرتفاع الثابت في أسعار النفط، والهبوط الثابت في قيمة الدولار (والذي يُستخدم كوسيلة لخفض العجز وتخفيف أعباء الديون) كل هذه مؤشرات تقول ان الولايات المتحدة لن تكون قادرة على تمويل حرب إستنزفت حتى الآن نحو 600 مليار دولار.
خامسا، حكومة عملاء الإحتلال تعاني الفشل تلو الآخر. وهي تعرف ذلك. وتتصرف على أساسه. بعض أبرز أركانها يقرون بانها ليست سوى "مسخرة"، وبعضهم الآخر يقول: "دعونا نخلص"، وبعضهم الثالث يقول انها تعاني سكرات الموت وانها بحاجة الى دخول غرفة الإنعاش لاجراء إصلاحات. والإصلاح لن يأتي. ببساطة لانها حكومة نوازع مختلفة، وتحالفاتها تحالفات نصب ومصالح انتهازية مؤقتة. والحرامية، تحت الضغط، يتناحرون. وهذا ما هم يفعلون. واحدهم يجر بالطول، والآخر يجر بالعرض، وسيظلون على هذه الحال الى يوم يبعثون.
سادسا، فوق الفراغ الأمني، هناك فراغ إداري حقيقي في كل أرجاء العراق. الكوليرا تتفشى بسبب هذا الفراغ بالذات. ولانه "ماكو حكومة". والمليشيات التي تبدو وكأنها تسد النقص، وقعت في الفخ الذي نصبته بنفسها. لانها بدلا من ان تحمي الدولة وجدت نفسها تفعل الشيء الوحيد الممكن بالنسبة لأي مليشيات: نهب الدولة، وتحويل دوائرها الى ثقب أسود لكل أعمال الفساد. سوى ان مليشيات الحرامية تمارس أعمالها بوحشية تفوق المألوف، وتستمرئ القيام بكل شيء من اجل الكسب السريع.
سابعا، حال كهذا يجعل جبهات المقاومة على عتبة تشكيل حكومة مؤقتة. وكم من الأحرى بها ان تخطو الخطوة الأخيرة في هذا الإتجاه. فعندما لا تكون هناك حكومة، وعندما تقتصر سلطتها على ما تصل اليه مليشيات القتل والنهب، وعندما يكون الفراغ الأمني والإداري شاملا الى هذا الحد، وعندما تكون أصداء الإنهيار السياسي تتعالى في ركن، فان توصّل أركان المقاومة الى تشكيل حكومة مؤقتة لإدارة الفصل الأخير من معركة التحرير، لم يعد مجرد خيار، بل انه أصبح ضرورة لا مفر منها.
ومن خلال ملاقاة هذه الضرورة سيكون اختبار المجاهدين للمجاهدين حقيقيا. ويحسن بهم ان يذهبوا اليه بالتنسيق والتعاون المباشر وتبادل الأفكار.
وسيكون فجر التحرير فجرهم. وصلاته صلاتهم.
شيء واحد سيكون هو مفتاح النصر: فمتى ما تنازل المجاهدون لبعضهم من أجل العراق، أثبتوا انهم كبار وان جهادهم أعلى من أعمدة المراتب.
أما القيادة، فكم من الأحرى بهم ان يرموا بها رميا على كتف شيخ المجاهدين عزت ابراهيم الدوري، إذا صدق منهم القول: باطل كل ما أقيم على باطل. فهذا هو نائب الرئيس الشرعي للعراق قبل مجيء الباطل.
ولهم، في ما بعد التحرير، أن يقيموا من الحق ما يرغبون، وان يبنوا عليه ما يشاءون.
الجهاد فجرهم، والتحرير هو صلاتهم. هذا هو العاجل. علي الصراف alialsarraf@hotmail.com