فتوى جيِّدة لزمن رديء!

بقلم: جواد البشيتي

أفتى المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران على خامنئي بـ "تحريم" الإساءة إلى السيدة عائشة زوجة النبي، أو النيل من الرموز (الأشخاص الرموز) الإسلامية لأهل السنة والجماعة، أي سبهم وشتمهم.

وهذه الفتوى ينبغي لها أن تشبه صاحبها لجهة أهميتها الدينية والسياسية، فـ "المفتي" هو رأس السلطتين الدينية والسياسية في إيران؛ ووزن فتواه هذه من وزنه؛ أمَّا "التحريم" الذي تضمَّنته فينبغي له أن يكون بمعنييه الديني والسياسي.

وأحسبُ أنَّ لهذه الفتوى (الشيعية العليا) من الأهمية والجودة ما ينبغي له ألاَّ يسمح لِزَعْم (قد يكون صحيحياً) من قبيل أنَّ إيران "الآن" لها مصلحة سياسية (إستراتيجية) في إصدار مثل هذه الفتوى بأن يكتسب وزناً كبيراً؛ لأنَّ "الآخر" لو وعى مصالحه الحقيقية الواقعية (لا الوهمية) جيِّداً لقابَل فتوى خامنئي بما يَعْدِلها أهميةً وجودةً، إنْ لم يكن بما يفوقها.

وينبغي لنا ألاَّ نضرب صفحاً، إذا ما ابتغينا فَهْماً سليماً، واقعياً وتاريخياً، لكثيرٍ من فتاوى التحليل والتحريم، عن حقيقة أنَّ "السياسة"، وبما تعكسه من مصالح، فئوية أو عامة، كانت النابض الخفي لهذه الفتاوى، التي ظهرت (وما كان لها إلاَّ أن تظهر) بقلب ديني، وبرأس سياسية.

قُلْنا إنَّ فتوى خامنئي جيِّدة، ونقول بجودتها؛ لأنَّ الحال الشعبية الإسلامية العامة التي قضت بإصدارها، وشدَّدت الحاجة إليه، الآن على وجه الخصوص، في سوء هو الدرك الأسفل من السوء؛ فهل من حال أسوأ من حال أن يسمح الأحياء للأموات (الذين شبعوا موتاً) بحكمهم والتحكم فيهم، مُحْيين، بمعونة الأعداء الحقيقيين لا الوهميين، عظام نزاع، أو صراع، وهي رميم، وكان أقرب إلى السياسة منه إلى الدين، بل كان سياسياً (في المقام الأوَّل) يلبس لبوس الدين؟!

وتذكيراً بالأمر وسوئه، إنْ نفعت الذكرى، نقول غداة سيطرة "حزب الله"، عسكرياً، على بيروت الغربية، طاب لأحد قادة الرابع عشر من آذار أن يُصَوِّر ذلك الحدث على أنَّه صراع بين "معسكر علي"، الذي يقوده "حزب الله"، والذي يضم لبنانياً، حركة "أمل"، وجماعة عون المسيحية المارونية، وقوى وجماعات وشخصيات سنية، وإقليمياً، إيران وسورية، وبين "حزب عُمَر"، الذي ضمَّ "تيار المستقبل"، وجنبلاط، وجعجع، وقوى وشخصيات لبنانية أخرى، كما اتَّسع لقوى دولية وإقليمية وعربية!

ولقد قال مُلخِّصاً ما حدث: "أهل بيروت (الغربية من السنة) ناموا على عُمَر، فاستفاقوا على عليٍّ.."!

ألَمْ يكن استغباء للعامة من الناس من اللبنانيين والعرب، أنْ يُصوَّر ما حدث في بيروت على أنَّه صراع بين "معكسر علي" و"معسكر عمر"؟!

لقد رأيْنا ما حان له أنْ يَحْملنا على "الكفر".. الكفر بكل سياسة تتلفَّع، مع ممثِّليها، بالدين، فالزجُّ بالدين في السياسة إنَّما يزج بكل قوى العداء للأمة العربية في الحرب على وجودها القومي، وعلى حقِّها في التطور الديمقراطي، ويجعل العرب جميعاً، إذ زاغت أبصارهم وبصائرهم عن حاضرهم، وعن الحاضر من مصالحهم وحاجاتهم وقضاياهم، وقوداً لحروب تميت الأحياء من الأمَّة، مع ما بقي فينا من معاني وقوى الحياة، وتحيي، في الوقت نفسه، كل الموتى؛ وكأنَّ معاوية ويزيد والحسن والحسين.. قد انتقلوا من الماضي إلى الحاضر، ليكونوا السيوف المواضي في حروب الأعداء الحقيقيين الواقعيين على الوجود القومي العربي، الذي يُظْهِر عجزاً متزايداً عن إنتاج ممثِّلين ديمقراطيين له، يملكون من الحيوية السياسية، ومن الثقل الشعبي، ما يمكِّنهم من التغلُّب على كل عصبية منافية ومعادية للانتماء القومي ذي الوجه الديمقراطي والإنساني؛ فإنَّ الصراع الذي نحتاج إليه الآن لا مكان فيه لمعاوية ويزيد والحسن والحسين.. رحمهم الله جميعاً.

شاهدوا تلك الفضائيات العربية، أي الناطقة بالعربية ليس إلاَّ، لتقفوا على ما أصبحنا فيه من سوء وبؤس الحال، فأنتم يكفي أن تشاهدوها حتى تشعروا أنَّ الزمن، عربياً، يشبه الزمن في جوف "ثقب أسود"، أي متوقِّف تماماً؛ ولقد توقَّف مُذْ اشتعل فتيل صراعٍ قبلي جديد هو الصراع بين السنة والشيعة.

ودرءاً لأيِّ سوء فهم أقول إنني لستُ شيعياً، ولن أكون أبداً؛ وإنَّني لستُ من خصوم الشيعة؛ لأنَّهم شيعة فحسب؛ ولن أكون أبداً.

وإنَّني أنتمي إلى ما لم يظهر بعد إلى حيِّز الوجود، وهو العرب، بصفة كونهم جماعة قومية، متَّحِدة، تَنْبُذ الشوفينية، تحيا حياة ديمقراطية حقيقية، وتقف ضد الحكم الثيوقراطي مهما كانت تسميته، وتبتني "مواطَنَة" لا أثر فيها للتعصُّب الديني.

شاهدوا تلك الفضائيات، التي يتوفَّر شيوخ على صُنْع وإدارة برامجها، واقرأوا ما تحمله شرائطها الدائرة من آراء وأفكار ودعوات..، لتروا الزمن الذي يراد لنا أن نعيش فيه.

اثنان لا وجود لهما في برامج تلك الفضائيات، أو أصبحا أثراً بعد عين، ألا وهما "العرب"، أو الانتماء القومي العربي، و"العدو القومي" الأوَّل للعرب، وهو إسرائيل.

الصراع العربي القومي ضدَّ إسرائيل أصبح نسياً منسياً، فإذا كانت معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل قد أخرجت مصر من هذا الصراع (أو من شكله العسكري على وجه الخصوص) فإنَّ تلك الفضائيات، مع سائر السائرين على نهجها، لا تعرف من التعبئة والشحن والتحريض لمشاهديها إلاَّ ما من شأنه أن يساهم مساهمة كبيرة في نجاح الجهود والمساعي المبذولة لإخراج الأُمَّة بأسرها، أي العرب جميعاً، من الصراع القومي ضد إسرائيل.

إنَّها فضائيات تقدِّم نفسها على أنَّها وشيوخها خير ممثِّل لِمَا يسمَّى "أهل السنة والجماعة" في الصراع الذي لا يعلوه صراع ضدَّ الشيعة، ولو كانوا من أبناء جلدتنا؛ وخطابها هذا ما كان له أن يكون أكثر من رعد في سماء صافية لو وقع على أسماع شعبية لا تشبه سمع أصحابه، وسمع من يمثِّلون، فإنَّ كثيراً من العامة من العرب يتأثَّر بهذا الخطاب وكأنه الهشيم لجهة تأثُّره بالنار!

أمَّتُنا، وإذا ما أرادت التأسيس لوجودها القومي الديمقراطي، والتأسيس لوجود سياسي في مقدوره أن يدرأ عنها مخاطر كل عدو قومي، إنَّما تحتاج، الآن، أي قبل فوات الأوان، إلى منع الجوامع والحسينيات والكنائس من إنتاج الأحزاب والقيادات السياسية، فهل نبقي على هذا التداخل الضار بين الدين والسياسة حتى (أي إلى أن) لا يبقى لدينا من الوجود القومي إلا ظلاله، وحتى تذهب الملايين من العرب ضحية الحروب الدينية؟!

هل ينبغي لنا أن نجرِّب هذا الذي جرَّبته أوروبا من قبلنا حتى نعي ضرورة حظر "تسييس الدين" و"تديين السياسة"، وجعل حياتنا السياسية والحزبية بمنأى عن كل عصبية دينية؟!

إننا أمة نجحت حيث فشلت كل الأمم التي من وزنها وأهميتها. لقد نجحت في إضعاف ذاتها بذاتها، وفي نقل كل ما تملك من سلاح إلى أيدي أعدائها، وفي خوض كل الحروب والمعارك التي فيها هزيمتها، وفي ابتناء مزيد ومزيد من أحصنة من نمط حصان طروادة الشهير، فينفذ منها الأعداء إلى قلبها، وفي التلهي عن كل صراع جديد مفيد بكل صراع عرفه ماضيها، فمقتل الحسن والحسين، على سبيل المثال، ليس فعلا ماضيا، وإنما فعل مضارع يدل على الحال أو الاستقبال!

"التكفير"، في حدِّ ذاته، ليس بالجريمة التي يرتكبها المُكَفِّر في حق المُكَفَّر، فأنتَ لو كنتَ في مجتمع تسرى في أفراده وجماعاته قيم ومبادئ الحياة الديمقراطية سريان الدم في العروق، أي في مجتمع غير مجتمعنا، وأظْهَرتَ من اختلاف الفكر والرأي والمعتقَد (والسلوك) ما يَحْمِل غيرك على تكفيرك، أي على اتِّهامكَ بالمروق من الدين، الذي لا يرى دينا حقيقيا سواه، أو بالإلحاد، لنزلَ عليكَ هذا الاتهام بردا وسلاما، فكُفركَ، إذا ما كان أكيدا، وإذا ما كنتَ غير مُنْكِر له، وتكفيره لكَ، لا ينتهيان إلا إلى ما ينتهي إليه كل اختلاف وخلاف (ديمقراطيين) في الرأي، فلا أنتَ ولا هو تغدوان في هيئة العدو الذي تُسْتباح (أي تصبح مباحة) الوحشية والجريمة في محاربته.

عندنا فحسب يغدو، ويجب أن يغدو، "التكفير" جريمة، يُعاقَب مرتكبها أشدَّ عقاب، ولو ارتكبها في حق شخص لا يُنْكِر كفره؛ ذلك لأنَّ "التكفير"، الذي طالما لوَّن تاريخنا السياسي والفكري، يؤسِّس شريعةً للقتل، والاقتتال، ولإهدار الدم، ونشر الظلم، فلا أسوأ من إنسان يعتقِد أنَّه بتكفيره لمخالِفه في الدين والعقيدة والفكر، وبعقابه له، أو بالدعوة إلى عقابه، أشدَّ عقاب، يُرضي الله، فيرضى عنه، ويُكفِّر عنه سيئاته!

هذا النمط من "التكفير"، الذي فيه يتحوَّل، أو يُحوَّل، "المُكَفَّر" إلى عدو من النمط الذي تُسْتباح فيه كل الوسائل لمحاربته، حان له أن يُنْزَع من عقل المؤمِن وقلبه، وأن يُعامَل في كل ثقافة دينية (شعبية) على أنَّه كُفْرٌ، ومروق من الدين، وخروج عن الإيمان الديني القويم الذي لا يُحِلُّ أبدا جعل الاختلاف والخلاف في الدين والعقيدة والفكر سببا للعداء.. وللعداء المفضي إلى القتل والاقتتال، وإلى التخلي عن كل صراع مفيد ونافع بالمعيار القومي والديمقراطي والاجتماعي والإنساني والحضاري، فالمجتمع الذي يَقَع، أو يُوْقِع نفسه، في هوة الصراع الديني، الذي تتلفع به، على وجه العموم، مصالح فئوية ضيقة، إنَّما هو المجتمع الذي نجح في أن يكون العدو الأول لنفسه، لمصالحه العامة والحقيقية، ولحقوقه الديمقراطية والقومية والحضارية.

وليس من عصبية مُعْمية للأبصار والبصائر، ومُنْتِجة للوحشية في الصراع، أكثر من العصبية الدينية، التي من عواقب تسعيرها، أيضا، أن يغدو العدو (الحقيقي والأعظم) وليِّا حميما، والشقيق (والصديق) شيطانا رجيما.

"المسرح" احترق.. واحترق غير مرَّة، وألف مرَّة؛ ومع ذلك لم يَمُتْ "الممثِّلون"، فما زالوا أحياء يرزقون، وبدماء العامَّة من المسلمين يتَّجرون.

بعد كل صراعٍ بالحديد والنار، يُسْفَح فيه من دماء الأبرياء ما يكفي للقضاء إلى الأبد على ظاهرة "مَشْيَخَة السياسة" عندنا، نراهم يجتمعون، ليقرِّروا القرار ذاته.. قرار "حرمة دم المسلم على المسلم"؛ ويظلُّ هذا التحريم معمولاً به حتى تأذن لهم السياسة بتحليل هذا الذي حرَّموه، فيُشهِرون "سيف التكفير" في وجوه بعضهم بعضاً. إنَّ "الحبَّة" من الاختلاف العقائدي تُضخَّم بقوَّة نزاع المصالح السياسية والدنيوية فتغدو في حجم "القُبَّة"، فينالون هُم "اللَّحْمَة"، زاجِّين بـ "العامَّة"، بعد شحنهم بما يكفي من روح التعصُّب الديني، في حرب ضروس، يسفحون فيها دم بعضهم بعضاً، من أجل "عَظْمَة"!

إنَّ عبارات مِنْ قبيل "أحلَّ الله هذا"، أو "حضَّ عليه"، أو "دعا إليه"، أو "أمرَ به"، ليست بالعبارات "المعدومة الأثر" في النفس والسلوك؛ فإنَّ "ذبح البشر" باسم الدين، وإلباس هذه الجريمة، التي لا ريب فيها، لبوساً دينياً، يُنْسَجُ مِنْ تلك العبارات وأمثالها.

لقد شرح لنا أحد "الأمراء"، من الجماعات التكفيرية، تلك "المعايير الدينية"، التي بما يتَّفِق معها ينبغي لنا تمييز "العدو" مِنْ "غير العدو"، أي مِنَ "المسلم"، المستوفي لشروط انتمائه إلى الإسلام كما يُقرِّها، أو يفهمها، هذا "الأمير". وهذه المعايير لا مكان فيها، بحسب فَهْمه واجتهاده الديني، لـ "معايير وَضْعيَّة"، نُمَيِّز، بموجبها، "المدني" مِنَ "العسكري"، في أثناء "الجهاد"، فـ "المدني الكافر" دَمُهُ (وماله) مباح، في كل زمان ومكان، ما لم يكن "مسالِماً للإسلام، مهادِناً لأهله، لِذِمَّة أو هدنة أو أمان"، وما لم يكن مِمَّنْ نهى الله عن قتله كـ "الصبيان والنساء". و"المسلم" المعصوم الدم أيَّاً كان عمله ومحله إنَّما هو "المُنْتَسِب إلى الإسلام" انتساباً يُقِرِّهُ "الشرع"، الذي يُقِرُّهُ هذا "الأمير" وطائفته. وعملاً بهذا التصوُّر الديني، يستطيع هذا "الأمير" وجماعته "تكفير" كثيرٍ مِنَ "المنتسبين إلى الإسلام"، أو القائلين بانتسابهم إليه، ويستطيع، بالتالي، إباحة دمهم ومالهم.

هذا "العدو الديني"، كما حدَّدَهُ هذا "الأمير"، شكلاً ومحتوى، إنَّما يشمل "غالبية المسلمين"، و"الغالبية العظمى مِنَ الجنس البشري". حتى أولئكَ المسلمين "المعصومة دماؤهم وأموالهم"، لم يسْلموا مِنْ أعمال القتل التي يقوم بها هو وأمثاله؛ وقد بَرَّرَ قتلهم في أرض الرافدين (مع وصفه لهم بـ "الشهداء") إذ أفتى قائلاً: "إنَّهم يقيمون حيث يقيم العدو، وليس ممكناً، بالتالي، قتل العدو مِنْ دون قتلهم وإيذائهم". وبحسب هذا التبرير وأمثاله يمكن أنْ يشمل القتل أولئكَ الذين نهى الله عن قتلهم كـ "الصبيان والنساء" مِنَ "الكافرين"!

هذا "العدو"، في فكرنا وممارَستنا، إنَّما هو السكين التي يمكننا بها أنْ نذبح أنفسنا بأنفسنا، فَمَنْ يَنْظُر إلى كل أولئك البشر على أنَّهم عدوٌّ له، ويجعلهم كذلك، لا يستحق الحياة، ولا يستطيع أنْ يدرأ المخاطر الواقعية عن وجوده الواقعي.

وظاهرة الجماعات التكفيرية، التي تتكاثر الآن بين ظهرانينا، تصلح دليلاً على أنَّ العرب لم يُنْتِجوا، حتى الآن، مِنَ قوى الدفاع عن وجودهم القومي، الذي تُحْدِقُ به مخاطر واقعية، إلا تلك التي يتسلَّح بها الأعداء ضدهم. كما أنَّهم لم يُنْتِجوا، حتى الآن، مِنَ القوى المضادة لهذه الظاهرة إلا تلك التي يتسلَّح بها الأعداء ضدهم أيضاً، فهؤلاء الأعداء يَتَحَدُّوننا أنْ نعرف كيف نبادلهم عداءً بعداء؛ ولكن مِنْ غير أنْ نكون مِنْ نمط "أمراء التكفير"؛ فما الذي فعلناه مِنْ أجل أنْ نكتشف عدونا الواقعي، وتمييزه مِنْ عدونا الوهمي.. ومِنْ أجل أنْ نواجهه في طريقة لا تَجْعَلنا كَمَنْ يحارِب ضدَّ ذاته، وضدَّ مصالحه.. ومِنْ أجل أنْ نحمي وحدتنا القومية مِنْ كل انقسام ديني أو طائفي؟!

لم نفعل سوى التحوُّل إلى غالبية لا رأي لها ولا أَقْدام، تَضَع مصيرها بين أيدي مُنْتجي ظاهرة "الجماعات التكفيرية"؛ وتلك "الأيدي" هي، في المقام الأوَّل، أيدي الأعداء الحقيقيين.

مَنْ ذا الذي في مجتمعاتنا العربية (الإسلامية) يحقُّ له "تكفير" شخص أو جماعة؟

لو أنَّ "المُكفِّرين"، مِنْ أفراد وجماعات، سمحوا لعقلهم الديني بأنْ يتغلغل في معنى "التكفير" لأدركوا أنَّ التكفير مِنَ الكُفر، وأنَّه جريمة لا تعدلها جريمة، فالله هو وحده الذي في مقدوره أنْ يحكم على شخص أو جماعة بالمروق من الدين أو الإلحاد، وأنْ يعاقب الكافر، بالتالي، على كفره العقاب الذي يستحق. حتى أولئك المؤمنون الذين من فرط إيمانهم نظن أنَّ الجنَّة مثواهم ربما لن يذهبوا إلى الجنَّة إلا بسبب رحمته، فالله، وليس أي إنسان أو جماعة، هو الذي يميِّز الكافر من المؤمن، وهو الذي يأتينا ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة.

قد تَنْظر إلى قول أو عمل أو سلوك لشخص (أو لجماعة) على أنَّه كفر.

هذا حقٌّ لك، ولا يمكن تجريمك بسبب ذلك، فالجريمة، أي جريمة التكفير، إنَّما ترتكبها عندما تحكم عليه، علانية، بالمروق من الدين والإلحاد، فتعرِّضه، أو تدعو إلى تعريضه، للعقاب الذي يستحق حسبما تعتقد.

وأحسب أنَّ "الإيمان القويم"، وليس "الحقوق والحرِّيات الديمقراطية" فحسب، يحضنا، ويجب أنْ يحضنا، على تغيير "قانون العقوبات" في مجتمعاتنا العربية بما يلبِّي الحاجة إلى جعل "التكفير" جريمة يُعاقِب عليها القانون، فقانون العقوبات لدينا يُعاقِب على جرائم ليست بالجرائم، بحسب مقاييس ومعايير الديمقراطية، ولا يُعاقِب على أعمال هي حقََّا جرائم!

إنَّ في "التكفير" ميل قوي إلى إلغاء "الآخر"، ولو كان مختلفا ليس في اللون، وإنَّما في الدرجة من اللون ذاته، فكم من مسلم مؤمن تعرَّض للعقاب بدعوى أنَّه أتى بقول أو عمل أو سلوك يجعله يمرق من الدين!

و"التكفير"، في معناه الديني، سرعان ما يُنتِج تكفيرا آخر، أي جريمة أخرى، هو "التكفير السياسي"، فتتسع وتشتد وتعنف "الحرب المقدَّسة" على "الآخر"، أي على كل مَنْ يختلف، ولو قليلا، عن الحكومة أو نظام الحكم، فيجيء تشديد الخناق على "الآخر" بما يقيم الدليل على أنَّ "الجبروت الأمني" هو الوجه الآخر للوهن السياسي والفكري والأخلاقي للذين يحكمون، ويستمرون في الحكم، بقوة "التكفير السياسي"!

وإذا كان لا بد، في الحياة السياسية للمجتمع، من تمييز "الكافر" من "المؤمن"، ومن تقرير "العقاب" و"الثواب"، فإنَّ الشعب هو وحده مَنْ يحق له ذلك، فهو مصدر السلطات والشرعية السياسية، وأي "تكفير سياسي" يأتي من طريق أخرى، إنَّما هو جريمة يجب أنْ يُعاقِب عليها القانون.

لقد حان لنا أنْ نخطو الخطوة الكبرى الأولى على طريق الديمقراطية وهي أنْ نلتزم، قولا وفعلا، النأي بالحقوق والحرِّيات الديمقراطية والسياسية للفرد والجماعة، وبحقوق المواطنة والحقوق المدنية، عن كل اختلاف في الدين أو العقيدة أو العرق أو الجنس أو اللون أو اللغة، فهذه الأنماط من الاختلاف يجب ألا تُترجَم باختلاف في أي من تلك الحقوق، فالدول لا تُقاس درجة تطورها الحضاري والديمقراطي إلا بهذا المقياس، ولا فضل لمواطن على آخر إلا بمدى التزامه "الدستور الديمقراطي"، في قوله وعمله.

إنَّ الشعوب لا تحتاج إلى الحياة الديمقراطية من أجل منع كل خلاف واختلاف. إنَّها تحتاج إليها من أجل منع الخلاف أو الاختلاف من أنْ يأتي بتغيير منافٍ، في طرائقه ووسائله، للديمقراطية والدستور، فالجريمة التي يمكن ويجب أنْ يُعاقِب عليها القانون إنَّما هي اتخاذ القوة طريقا إلى سيادة الرأي وأصحابه، أو طريقا إلى منع تلك السيادة.

وحتى لا نختلف في "جنس الملائكة"، ينبغي لنا أوَّلاً أنْ نتَّفِق على معنى "الفكر التكفيري"، ثمَّ على كيفية مواجهته ومحاربته وتخليص أنفسنا والبشر كافَّة مِنْ شروره.

"الفكر التكفيري"، المعمول به ضِمْن "المجتمع الإسلامي"، إنَّما هو الفكر الذي يسمح لصاحبه المسلم بـ "تكفير" مسلم، استناداً إلى نصوص، أو اجتهادات، أو تفسيرات وتأويلات، دينية (إسلامية). على أنَّ مكمن الخطر الأعظم ليس هُنا، وإنَّما في ما يترتَّب على "التكفير" مِنْ عواقب وتبعات، فـ "التكفير" يستلزم "العقاب الأرضي البشري" قَبْلَ "العقاب السماوي الإلهي". إنَّه، بحسب منطق "المُكَفِّرين"، يقود، ويجب أنْ يقود، إلى عقاب "المُكَفًَّر". و"القَتْل" هو، عادة، "العقاب".

وحُجَج "التكفير" وحيثياته يمكن أنْ تُفضي، بفضل اتِّساعها وغزارتها وتنوعها، إلى حرب قَتْل وتدمير، وحشية إجرامية، تخوضها قِلَّة قليلة مِنَ "المسلمين المُكَفِّرين" ضد الغالبية العظمى مِنَ "المسلمين المُكَفَّرين".

وشرور "الفكر التكفيري" تتعدى "المجتمع المسلم" إلى غيره مِنَ "المجتمعات الدينية"، وإلى "المجتمعات (أو الجماعات) اللا دينية"، فـ "المُكَفِّرون" مِنَ المسلمين يُكَفِّرون، أيضاً، كل المتدينين مِنْ غير المسلمين.

و"المُكَفِّرون" أنفسهم يتَّسِعون ويتنوعون، فليس مِنْ "مجتمع ديني" إلا ويُنْتِج مُكَفِّرين خاصِّين به.

"التكفير" في حدِّ ذاته، أو ما يشبه التكفير، ليس بالأمر الذي يستدعي المحاربة، فما يستدعيها إنَّما هو ما يترتَّب عليه مِنْ ارتكاب جرائم قَتْل، أو غير قَتْل، في حقِّ "المُكَفَّر"، أكان مسلماً أم غير مسلم، متديناً أم غير متدينٍ (أو لا ديني).

"التجريم" يجب أنْ يكون أوسع وأشمل، فالاختلاف الديني، أو العقائدي والفكري، يجب ألا يكون سبباً للقَتْل والاضطهاد والإيذاء (الجسدي وغير الجسدي) ولغير ذلك مِنْ جرائم الاعتداء على حقِّ الإنسان في الاختلاف، عقيدةً وفكراً، وفي إظهار هذا الاختلاف والتعبير عنه، وفي الدعوة إليه، مع نَبْذ كل أساليب العنف والإكراه. وهنا يجب أنْ نتذكَّر أنَّ "الحوار بين الرسول والمشركين (على اختلافهم)" كان مِنْ أهم مصادِر نشوء وتطوُّر الفكر الإسلامي.

الحاجة تشتد إلى محاربة "الفكر التكفيري"، أو "أهل التكفير". وقد أدلى كثيرون بآراء، في هذا الصدد، ليست كلها مفيدة؛ فهناك مَنْ قال بـ "عدم جواز تكفير مَنْ ينطق بالشهادتين، وقتله". هذا قول يبذر بذور "فكر تكفيري" مِنْ نمط آخر، فصاحبه كأنّما يُجيز تكفير، وقَتْل، مَنْ لا ينطق بالشهادتين. إنَّ المشكلة الكبرى لا تكمن في "التكفير"، وإنَّما في تسويغه لارتكاب جريمة القَتْل، وغيرها مِنَ الجرائم، في حقِّ الذي قُمْنا بـ "تكفيره". مِنْ حقِّ كل مؤمِن، أكان مسلماً أم غير مسلم، أنْ "يُكَفِّر" غيره، أي أنْ يَنْظُرَ إليه على أنَّه "كافر"، ولكن ليس له الحق، ويجب ألا يكون له الحق، في أنْ يُعَرِّضه للأذى، أو يقتله، أو يدعو إلى قتله، بدعوى أنَّه "كافر"، بحسب موازينه ومعاييره. "التكفير"، في هذه الحال، أي في حال منعه مِنَ التحوُّل إلى "جريمة"، هو جزء مِنْ حرِّية التعبير عن الآراء والمعتقدات ووجهات النظر، والتي يجب أنْ تكون كاملة، غير مشروطة إلا بشرط واحد فحسب نَبْذ العنف وأساليب الفَرْض والإكراه.

وهناك مَنْ دعا إلى محاربة "الفكر التكفيري" عَبْرَ مَنْع وإلغاء كل شيء في حياتنا اليومية، وفي واقعنا، يمكن أنْ يتَّخِذه "أهل التكفير" ذريعة لأفعالهم.

إنَّها دعوة في منتهى السخف، فأصحابها يدعوننا إلى أنْ نعيد خَلْق أنفسنا ومجتمعنا وواقعنا على مثال "أهل التكفير" حتى نصبح في مأمن مِنْ شرور أفعالهم. إنَّهم يقولون لنا: "كونوا ذئاباً حتى لا تأكلكم الذئاب"!

وهناك مَنْ يحارِب "التكفير" بـ "تكفير معاكِس"، فهو يقول: "إنَّهم (أي "أهل التكفير") حتماً غير مسلمين، ولن يقبلهم الإسلام، وإنَّ الله أوجب قتلهم وتقطيع أياديهم وأرجلهم". كلا، ليس في هذه الطريقة يُحارَب "الفكر التكفيري"، و"أهله"، فـ "الطبيب" لا يُعالِج "مريضه" بأنْ يقول له: "إنَّكَ ما عُدتَ مِنَ البشر؛ لأنَّكَ مريض". وأنتَ كذلك لا تُعالِج الذي يُكَفِّرَكَ بـ "تكفيره"، والدعوة إلى قتله، وتقطيع يديه ورجليه. لا تستطيع أنْ تحاربه في هذه الطريقة ما دام "تكفيره" لغيره لَمْ يتحوَّل مِنْ وجهة نظر إلى فِعْل جُرمي.

أمَّا الموقف مِنَ "المسلم الذي يقتل نفسه في سبيل قَتْل العدو" فلا يتحدَّد في قول مِنْ قبيل "قاتِل نفسه يُعَدُّ منتحِراً، والمُنْتَحِر مِنْ أهل النار". وأحسبُ أنَّ الذي يَقْتُل، أو يُفَجِّرَ، نفسه في سبيل قَتْل عدو مُسلَّح.. عدو لا شكَّ فيه، يجب ألا "يُكَفَّر"، ويُقال فيه إنَّه "مِنْ أهل النار".

وعلى الذين يريدون مَنْع "الإرهابيين" و"التكفيريين" مِنَ التأثير في عقول شباننا، ومِنَ التحدُّث باسم الأمَّة في صراعها مع أعدائها الحقيقيين أنْ يبدأوا هذه المعركة، التي نؤيِّدها تماماً، بـ "القدوة الحسنة"، فشباننا ليسوا في حاجة إلى حكومات تُصوِّر لهم العدو على أنَّه صديق، والصديق على أنَّه عدو، فهُمْ في حاجة إلى مَنْ يُعَلِّمَهُم الطريق القويم إلى مبادلة عدوِّنا عداءً بعداء، فَمِنْ "غيابهم" يَحْضُر الإرهاب والإرهابيون، التكفير والمُكَفِّرون. حاربوهم بأنْ تنزعوا مِنْ يدهم "الراية"، فعدا ذلك إنَّما يفضي إلى مدِّهم بمزيدٍ مِنْ أسباب الحياة والبقاء. حاربوهم، ولكن ليس في الطريقة التي تؤدِّي إلى زيادتهم قوَّة وبأساً.

وهناك مَنْ رأى أنَّ "أهل التكفير" يستشهدون بآيات قرآنية، وأحاديث نبوية، في تبرير مواقفهم وجرائمهم. نَعْلَم ذلك، ولكن أين هو الجهد الفكري الديني الذي بُذِلَ لجعل هذه الآيات والأحاديث في تفسير يَمْنَع كل "تفسير تكفيري" مِنْ أنْ يؤثِّر في عقول جمهور مِنَ المسلمين.

لقد حان للمنافحين عن المعاني الحقيقية لتلك الآيات والأحاديث أنْ يبذلوا مِنَ الجهد الفكري الديني ما يسمح بحماية عقول شباننا مِنْ تأثير "التفسير التكفيري" لها.

وهناك مَنْ دعا إلى إيجاد مرجعية إسلامية لـ "تحديد مَنْ هو الكافر، وإصدار الفتاوى والأحكام الشرعية والدينية". إنَّنا لسنا في حاجة إلى مرجعية تتوفَّر على "تحديد مَنْ هو الكافر"؛ لأنَّنا لسنا في حاجة إلى أنْ نقف موقفاً مِنَ "الآخر"، أكان مؤمناً أم كافراً، متديناً أم غير متدين، مسلماً أم غير مسلم، يَمْنَعُ عن مجتمعنا قيم ومبادئ الحياة الديمقراطية، فـ "حرِّية المعتقَد"، و"حرِّية التعبير"، إنَّما هما مشكلتان تُحلان بما يتَّفِق مع المبادئ الديمقراطية في "التحليل" و"التحريم". المبدأ المُنَظِّم والمُقَيِّد لهما إنَّما هو المبدأ المُسْتَمَد، في جزء كبير منه، مِنْ "لا إكراه في الدين"، ومِنْ "جادلهم بالتي هي أحسن".

بقي أنْ نقول ما هو أهم مِنْ كل ذلك، وهو أنَّ الفكر الضار، كـ "الفكر التكفيري" لا يُحارَب بـ "الفكر" فحسب، على أهمية وضرورة محاربته فكرياً. إنَّه يحارَب بأنْ يُقام برزخ بينه وبين مصالح وحاجات الناس، فنحن في حاجة إلى أنْ يكون لدينا مِنَ المصالح والحاجات الواقعية والحقيقية ما يَجْعَل "الفكر التكفيري" ينزل علينا برداً وسلاماً، أو ما يَجْعَلَهُ يلقى صدَّاً له في تلك المصالح والحاجات. أُنْظُروا إلى مَنْ مِنْ مجتمعنا يتأثَّر بـ "الفكر التكفيري"، تعرفون، عندئذٍ، كيف يمكننا محاربته، والنجاح في محاربته.

لِتَعِشْ كل جماعة إسلامية، دينياً، بما يجعلها مرتاحة الضمير الديني؛ على أنْ تُحْظَر (بقوَّة القانون والدولة وثقافة المجتمع المدني) كل سياسة تتَّخِذ كل اختلاف ديني أو طائفي أو مذهبي وقوداً لقاطرتها، أو غذاءً (شعبياً) لذوي المصالح السياسية المتصارعة، فنحن لا نحتاج إلى تلك "اللقاءات"، ولا إلى تلك "الوثائق"، فـ "السياسة العلمائية" يجب أن تصبح فعلاً ماضياً؛ أمَّا "السياسة العلمانية"، أي التي تقيم برزخاً بين السياسة والدين، فهي التي يجب أن تصبح في حياتنا فعل حاضرٍ ومستقبلٍ.

وفي مصر، نرى المأساة نفسها؛ لكن بوجه آخر..

هل يَحِقُّ (أو يجوز) للمسلم أن يَتْرُكَ دينه، أي أن يختار دينا آخر؟ الجواب هو: نَعَم؛ لأنَّ القرآن يقول "لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ"؛ ويقول "فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ "، ويقول "لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ".

هذا الجواب، والسؤال مِنْ قَبْله، إنَّما هما لمفتي مصر الشيخ (الدكتور) علي جمعة؛ وقد وردا ضِمْن أقوال (أو مقالة) نُسِبَت إليه، ونُشِرَت في صحيفة "واشنطن بوست".

تلك الآيات، بحسب ما نُسِب إلى المفتي من أقوال، إنَّما "تناقِش إحدى الحرِّيات التي منحها الله للناس كافة". ولكن، ما هو حُكم الدين (الإسلامي) في أمْر "هَجْر المسلم لدينه"؟ المفتي، وبحسب ما نُسِب إليه من أقوال، يجيب قائلاً: "إنَّه إثم يعاقِب الله عليه يوم القيامة.. إذا المسلم رَفَضَ الإيمان فحسب فإنَّه ليس هناك من عقاب دنيوي، ويُتْرَك الأمر حتى يوم القيامة.

إنَّها مسألة ضمير، وهي بين المرء وربِّه. العقيدة والالتزام إنَّما هما أمر شخصي. ولكن، إذا كان اعتناق ديانة أخرى يمكن أن يقوِّض أُسُس المجتمع فإنَّ الأمر يجب أن يُحال إلى القضاء".

ثمَّ جاء "النفي" و"التوضيح"، فـ "دار الإفتاء المصرية" أصدرت بيانا نفت فيه أن يكون المفتي قد أفتى بـ "حرِّية المسلم في تَرْك دينه إلى دين آخر"، وأوضحت أنَّ المفتي أكَّد أنَّ "الإسلام يُحرِّم على المسلمين أن يرتدوا عن دينهم، أو يكفروا، ولو أنَّ مسلما تَرَكَ الإسلام، وذهب إلى دين آخر، يكون بذلك قد ارتكب إثما عظيما في نظر الإسلام". وجاء في البيان أيضا أنَّ المفتي ذَكَر أنَّ "الارتداد عن الدين (الإسلامي) يُعَدُّ نوعا من الخروج عن النظام العام، ولونا من الجرائم التي تستوجب العقاب".

ثمَّ تحدَّث المفتي بنفسه، فأصدر بيانا أكَّد فيه "حق كل إنسان في اختيار دينه"، قائلاً: "إنَّ الله قد كفل للبشر جميعا حقَّ اختيارهم دينهم من غير إكراه، أو ضغط خارجي؛ والاختيار يعني الحرِّية؛ والحرِّية تشمل الحق في ارتكاب الأخطاء والذنوب ما دام ضررها لا يمتد إلى الآخرين".

وأضاف موضحا: "لهذا قلت إنَّ العقوبة الدنيوية للردة لم تُطبَّق على مدار التاريخ الإسلامي إلا على هؤلاء المرتدين الذين لم يكتفوا بردَّتهم وإنَّما سعوا إلى تخريب أُسُس المجتمع وتدميرها". ومع ذلك أكَّد أنَّ "الخروج عن الإسلام ليس بالأمر الهيِّن، وإنَّه من الخطورة بمكان، وأنَّ الردَّة ذنب كبير يَسْتوجِب العقاب إذا صاحبها فتنة في صفوف المجتمع".

في أي سياق يُدْرَج كل هذا الذي قيل؟ إنَّه يُدْرَج في سياق رغبة، أو مصلحة، بعض المسيحيين المصريين (الأقباط) الذين أشهروا إسلامهم لأسباب اجتماعية (الرغبة في الزواج من مسلمة، أو الرغبة في الطلاق الذي تُحرِّمه الكنيسة القبطية) في العودة إلى دينهم الأصلي، ورَفْض السلطات تغيير دينهم (أي عودتهم إلى المسيحية) في بطاقات الهوية، وفي أوراق رسمية أخرى. بقي أن نُذَكِّر بأنَّ القانون المصري يخلو من أي نصٍّ يتحدَّث عن "الرِدَّة"، أو يُجَرِّمها".

قبل أن يُصْدِر المفتي بيانه الأخير، ويَضَع فيه النقاط على الحروف، كنتُ أميل إلى الاعتقاد بأنَّه قد قال فعلا إنَّ المسلم يجوز له أن يَتْرُكَ دينه، أو أن يختار دينا آخر، فالآيات التي ذُكِرَت هي خير دليل على أنَّه قد أفتى بجواز تَرْك المسلم لدينه؛ وليس من موجِبٍ لِذِكْرها (الآيات) إلا إذا كان هذا هو سياق القول والإفتاء. أمَّا بيان "النفي" و"التوضيح" الذي أصدرته "دار الإفتاء المصرية" فقد فَهِمْته على أنَّه دليل على وجود "مصلحة" تُوْجِب على المفتي أن يتحدَّث بلسانين: لسان يتحدَّث به بما يقع موقعا حسنا من نفوس الليبراليين والعلمانيين والديمقراطيين في الغرب، ولسان يتحدَّث به بما يُمَكِّنه من تهدئة النفوس والمشاعر لدى المسلمين، أو لدى بعضهم.

المشكلة في الأصل ليست بـ "دينية ـ فكرية"؛ إنَّها "اجتماعية ـ إنسانية ـ شخصية" في المقام الأوَّل، فـ "الحقوق والحرِّيات المدنية" في مجتمعنا العربي (الإسلامي ـ المسيحي) تحتاج إلى مزيدٍ من التطوير بما يَجْعَلها أكثر ديمقراطية وإنسانية وتَحَضُّرا. إنَّ "الطلاق" حقٌّ إنساني للمتزوِّج، رَجْلا كان أم امرأة. ولا بدَّ لـ "الانتهازية الدينية (اعتناق المسيحي للإسلام)"، التي يلجأ إليها الزوج المسيحي (القبطي) عن اضطِّرار من أجل أن يُطلِّق زوجته التي من دينه، من أن تنتهي، فالحرام بعينه أن يُحَرَّم "الطلاق"؛ لأنَّ "الطلاق" حقٌّ إنساني للزوج والزوجة، يُحْظَر، أي يمكن ويجب أن يُحْظَر، التطاول عليه؛ ولا شكَّ في أنَّ للدين، أي دين، مصلحة في أن يتصالح مع الحاجات الإنسانية. ونحن لو أمعنا النظر في تاريخ العقائد الدينية وغير الدينية لرأيْنا أنَّ العقيدة الجديدة تكون كامنة في حاجات الناس الأساسية قبل أن تَظْهِر وتنتشر وتسود. ويكفي أن تَدْخُل العقيدة في نزاع مستمر ومتزايد مع تلك الحاجات حتى تَفْقِد تأثيرها وحيويتها وقوَّتها، وتتحوَّل من كاسِر للقيود القديمة إلى قَيْد جديد.

وإنَّ "الزواج".. زواج مسلمٍ من غير مسلمة، أو زواج مسلمة من غير مسلم، هو، أيضا، حقٌّ إنساني يجب احترامه ومنع التطاول عليه، فالدين، أي دين، ينبغي له أن يجيب عن "سؤال الزواج" بما يحافِظ على هذا الحق الإنساني، وبما يَمْنَع "الزواج" من أن يكون سببا لـ "الإكراه الديني"، فـ "الزواج" ليس بـ "السبب المقبول" لتغيير أحد الزوجين لدينه، فما يأتي بالزواج يمكن أن يذهب بالطلاق.

ما يمكن مهادنته الآن إنَّما هو "الانتساب الديني للأبناء"، فالابن يَنْتَسِب، دينيا، في "الأوراق الرسمية"، في مجتمعنا العربي الإسلامي ـ المسيحي، إلى أبيه، وليس إلى أُمِّه.

"الانتماء الديني" ليس بالانتماء الذي يمكن تغييره في يُسْر وسهولة إذا كان تغييره يعني، على وجه التعيين والحصر، الانتقال من دين إلى دين (ضِمْن الأديان السماوية الثلاثة).

و"التغيير الديني"، أي تحوُّل المرء من دين إلى دين، ضِمْن تلك الأديان، يَصْعُب نزولاً (من الإسلام إلى المسيحية مثلا) ويَسْهُل صعودا (من المسيحية إلى الإسلام مثلا). ولستُ هنا في صدد شرح الأسباب والحيثيات.

باستثناء ذلك، نرى تغييرا يعتري "الانتماء الديني" كأنْ يصبح المسلم، أو المسيحي، أو اليهودي، شيوعيا أو وجوديا..، في فكره، أي أن يصبح مسلما، أو مسيحيا، أو يهوديا، في "الهوية (أي الأوراق الرسمية)" فحسب.

المسلم قد يتزمَّت أو يَعْتَدِل في دينه وتدينه؛ قد يتشكك بما يَجْعَله أقرب إلى الإلحاد منه الإيمان؛ قد يلحد، أو يتبنى فكرا أو عقيدة "لا دينية"، أو تقوم على "فلسفة مادِّية"، أو على الإلحاد. هذا بعضٌ من أوجه التغيير الذي يعتري، أو قد يعتري، المسلم على صعيد الفكر. وهذا التغيير نراه تارةً على شكل مَدٍّ، وطورا على شكل جَزْر؛ ولكن نادرا، ونادرا جدا، أن نرى التغيير في الانتماء الديني للمسلم على شكل انتقال مُعْلَن من الديانة الإسلامية إلى الديانة المسيحية؛ أمَّا الديانة اليهودية فهي مُغْلَقة (عِرْقيا) في وجه أتباع غيرها من الديانات السماوية.

أقول ذلك حتى تُفْهَم "الرِدَّة" في الإسلام بما لا يتعارض مع حق الإنسان المسلم في حرِّية الفكر والمُعْتَقَد، فتَحوُّل المسلم (علانيةً) من اعتناق الدين الإسلامي إلى اعتناق دين سماوي آخر (المسيحية مثلا) هو "الرِدَّة (المُحرَّمة)" في مفهمومها الديني الإسلامي؛ أمَّا أن يَعْتَنِق المسلم عقيدة بشرية أرضية غير دينية، أو منافية للدين على وجه العموم، كالشيوعية، فليس من تلك "الرِدَّة" في شيء.

لكن، هل حُلَّت كل المشكلة؟ كلا، لم تُحل كلها، أو لم تُحَل بما يُوازِن بين "الالتزام الديني" و"الالتزام الديمقراطي"، فالمسلم يرى حقَّاً له، وواجباً عليه، أن يسعى في جَعْل المسيحي، أو اليهودي، مسلما؛ ولكنَّه يرى، مُسلَّحا بحُجَج وأفكار دينية إسلامية، "رِدَّة (محرَّمة)" في تحوُّل مسلم إلى ديانة سماوية أخرى، على استعصاء ذلك. أقول "على استعصاء ذلك"؛ لأنَّ "التحوُّل الديني نزولا" هو من الصعوبة بمكان، فالمسيحي الذي يتحوَّل إلى الإسلام إنَّما يشبه لجهة سهولة واستسهال تحوُّلِه أن يَعْتَنِق المسلم عقيدة بشرية أرضية "لا دينية"، أو منافية للدين، فهذا المسيحي المتحوِّل لم يَفْهَم الإسلام حتى تحوُّله إليه إلا على أنَّه عقيدة بشرية أرضية، أي أنَّ "ضميره الديني" لن يُوْجِعه كثيرا. أمَّا المسلم فيَخْتَلِف في كون "ضميره الديني" يُعَدُّ عقبة كبرى في وجه تحوُّله الديني نزولا؛ لأنَّه يؤمِن أن المسيحية واليهودية ديانتان سماويتان، وليستا بعقيدتين بشريتين أرضيتين، وأنَّ الديانة الإسلامية تتضمَّن الديانتين السابقتين في "نقائهما السماوي".

مفتي مصر، وعلى ما نُسِب إليه من أقوال، اسْتَشْهَد بتلك الآيات القرآنية، التي قد تكون موضع خلاف بين المسلمين في تفسيرها وتأويلها، فالآية "لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ" لا يمكن تفسيرها على أنَّها تُجيز للمسلم أن يَتْرُك الدين الإسلامي، ليَعْتَنِق بدلا منه دينا سماويا آخر. إنَّها تؤكِّد أنَّ للرسول، أو للمسلم بالتالي، حقَّاً في أن يدين بديانة مختلفة عن ديانة غيره. والآية "فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ" لا يمكن تفسيرها هي أيضا على أنَّها تجيز للمسلم اعتناق ديانة سماوية أخرى، فهي إنَّما تؤكِّد أنَّ لغير المسلم الحرِّية في أن يؤمِن، أي أن يصبح مسلما، أو في أن يظلَّ على كفره، أي أن يظلَّ غير مسلم. هذه الآية إنَّما تُخاطِب غير المسلم وليس المسلم ذاته.

بقيت الآية " لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ"، والتي أرى أنَّها لا يمكن أن تُفسَّر إلا بما يقيم توازنا بين "الالتزام الديني" و"الالتزام الديمقراطي"، فـ "الإكراه الديني"، بكل صوره وأشكاله إنَّما هو شيء ضد "الدين (الإسلامي)"، الذي هو ضد كل "إكراه ديني".

لقد قال كلاوزفيتس إنَّ "الدبلوماسية" هي "فن الإقناع"، وإنَّ "الحرب" هي "فن الإكراه"، فإذا أخْفَقَت "الدبلوماسية" في "إقناع" خصمكَ بأنْ يلبِّي شروطكَ ومطالبكَ (كلها أو بعضها) توصُّلا إلى حلِّ المشكلة فلا بدَّ عندئذٍ من أن تلجأ إلى "الحرب" لِتُكْرِهه إكراها على تلبيتها، فالحرب إنَّما هي امتداد واستمرار للسياسة؛ ولكن بوسيلة أخرى هي العنف.

أمَّا في الإسلام، وبحسب هذه الآية، نصَّا وروحا، فلا مكان لـ "الإكراه"، فأنتَ المسلم يحقُّ لكَ فحسب أن تجادِل غير المسلم بالتي هي أحسن، أي أن تسعى في إقناعه باعتناق الإسلام، فإذا لم تُوَفَّق في سعيكَ هذا فلا حقَّ (دينيا إسلاميا) لكَ في أن تُكْرِهَه إكراها على ذلك. وغنيٌ عن البيان أنَّ آية "لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ" تشمل مزيدا من المعاني، فالمرء، وبلا إكراه، يمكنه أن يَعْتَنِق، وأن يستمر على اعتناقه، ديانة ما.

لقد نَزَلَت الآية "لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ" فِيمَنْ كان له من الأنصار أولاد أراد أن يُكْرِههم على الإسلام. لماذا "لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ"؟ لأنَّ الأمور غدت واضحة لعقول الناس بفضل ما جاء به القرآن؛ ولم يَبْقَ لهم بعد كل هذا الوضوح إلا أن يختاروا من خلال شيء يُدْعى "العقل"، فأنتَ لا تُكْرِه غيركَ على أن يؤمِن بما تؤمِن به إلا إذا أعْجَزَكَ ضعف حُججكَ عن مخاطبة عقله وإقناعه، فهل من حاجة إلى أن أُكْرِهكَ على الإيمان بأنَّ الجسم إذا غُمِر في سائل يَفْقِد من وزنه قدر وزن السائل المُزاح ما دُمتُ قادرا على إقناعِكَ بذلك بتجربة عملية؟!

لكنَّ هذا لا يعني أنَّ الآية لا تشتمل على "العام" من المعنى. وعليه، فالآية في "الجوهري" من معناها إنَّما تقول الآتي: ليس بـ "الإكراه" يُسْلِم غير المسلم، وليس بـ "الإكراه" يستمر المسلم مُسْلِما. وقد يفيد أنْ نوضِّح هنا أنَّ "الديانة بالوراثة" قد تتحوَّل إلى "إكراه ديني"، فأين هي الآية القرآنية التي تقول بما ينفي القول الآتي: "لا وراثة في الدين".

وهذا الذي وُلِدَ من أبوين مسلمين ليس بمرتدٍ عن الإسلام إذا ما أراد أن يناقِش ويجادل ويحاوِر ويسأل.. بما يجعله في انتمائه الفكري متوافِقا مع مبدأ "لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ".

لقد توصَّل مفتي مصر، عَبْر إمعانه النظر في كثير من الآيات القرآنية، إلى "حقِّ كل إنسان في اختيار دينه (من غير إكراه أو ضغط خارجي)".

وهذا إنَّما يعني، أيضا، نَفْياً لـ "الدين بالوراثة"، فالإنسان الذي والده مسلم، أو والداه مسلمان، يُمْكِنه، إذا ما أراد، أن يمارِس "حقَّه في الاختيار الديني" عندما يغدو قادرا، بحسب القانون، على ممارَسة حقه في الاختيار في وجه عام. إذا اختار تغيير دينه، أي تَرْكَ الإسلام إلى ديانة أُخرى، فهذا إنَّما يُعَدُّ، على ما بيَّن المفتي وأوضح، ممارَسةً لَمَا أسماه "الحق في ارتكاب الأخطاء والذنوب (ما دام ضررها لا يمتد إلى الآخرين)".

"عقوبة الرِّدة (عن الإسلام)"، على ما أوضح المفتي وأكَّد، هي في الأصل ليست بـ "عقوبة دنيوية"، فالمرتدُّون، وعلى مدى التاريخ الإسلامي، لم يعاقبوا دنيويا على ارتدادهم إلا إذا.. إذا لم يكتفوا بردَّتهم، فسعوا إلى "تخريب أُسُس المجتمع وتدميرها". المفتي وصف "الردَّة (عن الإسلام)" بأنَّها "ذنب كبير"، وبأنَّها "أمْرٌ من الخطورة بمكان"، مؤكِّدا أنَّ العقاب (الدنيوي) للمرتد يصبح مُسْتَوْجَباً "إذا صاحبت ارتداده فتنة في صفوف المجتمع".

وأحسبُ، أخيرا، أنَّ مبدأ "لا إكراه في الدين" ينطوي على مبدأ آخر لا يقلُّ أهمية هو "لا إكراه في تغيير الدين"، فالمسلم الذي يقف ضد أسْلَمة غيره بالإكراه ينبغي له، وفي الوقت نفسه، أن يقف ضد الإكراه وسيلةً لِحَمْل المسلم على تغيير دينه.

لكن، لماذا.. لماذا تاريخنا، نحن العرب، في جوهره وأساسه ومعظمه، يَظْهَر على أنَّه "تاريخ أديان".. تاريخٌ لنشوئها، وانتشارها ونَشْرِها، ولصراعها بـ "القلم"، قليلاً، وبـ "الحديد والنار"، كثيراً؟!

لماذا نميل، دائماً، إلى النظر إلى صراعنا الواقعي الأرضي بـ "عيون دينية"، وإلى ترجمة هذا الصراع (بوقائعه وأسبابه ونتائجه) بـ "لغة الدين"؟! جواد البشيتي