فتزوّج روميو جولييت: عندما يتحول الحب إلى عزلة

حالة من السخرية المخفية والمعلنة

من جديد يعود فيلم "فتزوج روميو جولييت" للمخرجة التونسية الشابة هند بوجمعة، إلى ساحة الحدث بترشحه الآن لخوص منافسات الأوسكار لأفضل فيلم قصير لعام 2016. وذلك بعد أن حصل على جائزة أفضل فيلم قصير في مسابقة المهر القصير ضمن فعاليات مهرجان دبي السينمائي الدولي في نسخته الأخيرة 2014 التي انقضت قبل أيام.

العنوان يأخذنا مباشرة إلى حالة من السخرية المخفية والمعلنة. سخرية من أعظم قصص الحب التي صدّرها لنا الأدب العالمي عبر التاريخ. "وكأنه يقول: هذا ما حدث بعد أن تزوّج العاشقان. ما يعني أن تلك القصة الرومانسية العظيمة التي أبدعها شكسبير لم تكن لتكتب لو تزوّج روميو وجولييت وجمعهما منزل واحد.

الفيلم ومدته مع تترات البداية والنهاية دقيقة و17 ثانية، يختصر منطق الحياة الزوجية في كل زمان ومكان ومن الألف إلى الياء. فمهما كانت قصة الحب التي تجمع الرجل بالمرأة قبل الزواج، قوية ومثيرة ورومانسية، فإنها ستنطفئ قليلاً وربما كثيراً، وأحيانا تخبو نهائياً بعد الزواج. لينتصر الروتين بمشاكله اليومية المقيتة التي تنتج عن حالة العشرة الدائمة. وتصبح الشخصيات وقتها مشابهة تماماً للشخصيتين الموجودتين في هذا العمل.

وإن ترشّح الفيلم للأوسكار، يؤكّد مدى براعة القائمين عليه وفي مقدمتهم مخرجته الشابة، في توثيق وبأقل من دقيقتين، قصة تتكرر يومياً مع معظم الأزواج في العالم إن لم يكن كلهم. دون إشارة إلى أية علامة مميزة تشير إلى جنسية الزوجين أو دينهما. الشيء الذي يجعل من الحكاية المجسّدة أمامنا قابلة للحضور هنا وهناك، أمس واليوم وغداً. فهي ومن دون شك حكاية أبدية أو كما يقال "سنة الحياة".

اعتمدت المخرجة تقنية الكاميرا الثابتة في التصوير، فوضعتها أمام حائط يفصل بين مكانين (غرفة الجلوس والمطبخ)، كإشارة إلى السور الذي ينمو في العلاقة ليفصل بين الشخصين عاماً بعد عام، إلى أن يتحول إلى سور حقيقي قائم فعلاً داخل المنزل.

الرجل الكبير في السن يوجد في المطبخ يبحث عن الأشياء لوحده وبصمتٍ مطلق، وفي الوقت نفسه وبالصمت المطلق ذاته، تلاحق المرأة المسنة أدق تفاصيل الغرفة محاولةً ترتيبها نظراً للملل الشديد.

أيضاً توجد تفاصيل المنزل بكثرة داخل المكانين. أغراض كبيرة وأخرى صغيرة منسقة أو تتوضع بصورة عفوية. لربما هي تعكس داخل الأشخاص. أي أنها تعبّر عن حدوث تراكمات حولهم تفرغ ما بداخلهم، ليأتي يوم وتكون الأغراض مكدسة فوق بعضها البعض، في حين لا توجد حياة حقيقية.

وفي حين تغيب الموسيقى التصويرية، عن العمل كله. تنعش الأصوات الناتجة عن استخدام الاغراض والأثاث وحركة الزوجين، الصمت القائم والقاسي. وتجعل المشهد حيوياً بعض الشيء. وما إن يخرج الزوج حتى تخرج الزوجة، وبهذا ينكسر الصمت بالآلة الموسيقية المعلقة أعلى الباب.

ليس الفيلم إدانة لمؤسسة الزواج، لكنه يجسّد حالة حقيقية موجودة بين الناس. وهو لا يدينها بل يدين الزمن الذي يحوّل العاشقين إلى مجرد كائنين في منزل كبير تفصل بينه الجدران، تماماً كما تفصل الحواجز العديدة فيما بينهما. تاركاً في أنفسنا نحن الذين نشاهده استفسارات مختلفة تسأل: لماذا؟ كيف؟ وإلى أين؟.. وهل يعني مرور نصف قرن من الزمن على زواجهما نهاية الحب ورحيل الرومانسية إلى الأبد؟