'فتح' وصراعاتها الداخلية: هل تجاوزها الزمن؟

بقلم: ماجد كيالي

كان لافتا للانتباه البيان الذي أصدرته اللجنة المركزية لـ"فتح" (أواخر الشهر الماضي) والذي شرحت فيه مسوّغات إقصاء محمد دحلان من الحركة، علما أنه عضو منتخب في هذه اللجنة (منذ المؤتمر السادس 2009). ومما جاء في البيان أن ذلك حصل "بسبب تجاوزات تمسّ الأمن القومي والاجتماعي... والاستقواء بجهات خارجية، وارتكاب جرائم قتل على مدار سنوات طويلة... وممارسات لا أخلاقية... باستخدام البلطجية وفرقة الموت، وأهلنا في القطاع الحبيب شهود إثبات على عمليات المس بالكرامات والأموال والمقامات الاجتماعية وحتى الأعراض من دون وازع من ضمير". وأن من بين الأسباب "الثراء الفاحش نتيجة الكسب غير المشروع...". واتهم البيان دحلان بمحاولة "احتلال إرادة الحركة كمقدمة لكسر الإرادة السياسة الوطنية التي لم ينجُ منها حتى الشهيد القائد ياسر عرفات...".

على ذلك أرجّح بأن البيان اسدل الستار على شخصية أثارت الكثير من التكهنات والشبهات (الوطنية والمسلكية)، منذ صعوده في سلم القيادة والقرار في حركة "فتح"، والساحة الفلسطينية بعد إقامة السلطة الفلسطينية (1994)؛ في المجالات السياسية والأمنية والتنظيمية والمالية. أقصد أن إقالة دحلان لن تؤثر على مبنى حركة "فتح"، بغض النظر عما يمكن أن يقوم به، ولم يعد ثمة الكثير مما يمكن له أن يقوم به في المعادلات الدولية والعربية والفلسطينية الراهنة، وبغضّ النظر، أيضا، عن حيازته شعبية ما (في مناطق جغرافية بعينها).

ذلك أن التجربة أثبتت أن هذه الحركة، التي كانت شهدت محاولات عديدة للانشقاق أبرزها محاولتا "فتح"ـ المجلس الثوري (بزعامة أبو نضال)، و"فتح" ـ الانتفاضة (بزعامة أبو صالح وأبو موسى وأبو خالد العملة)، عصية على الانشقاق، وتفسير ذلك يكمن في الجوانب المهمة التالية:

-1 أن "فتح" ليست حزبا بالمعنى المتعارف عليه، أي أن هيكليتها لا تخضع لمصفوفة البنى الحزبية التقليدية. وينتج عن ذلك أن تنظيم "فتح" هو بمثابة ذراع، أو جهاز من أجهزة هذه الحركة، التي من ضمنها أجهزة عديدة، أو اذرع عديدة، مثل القوات العسكرية، والأجهزة الأمنية، والإعلام، والمالية، وأجهزة الخدمات... وتخضع الأطر التنظيمية في "فتح" لجهاز اسمه "التعبئة والتنظيم" ويقوده عضو من اللجنة المركزية. وبديهي أن هذا الوضع يهمّش من دور الأطر التنظيمية في صوغ أوضاع "فتح" وقراراتها، لاسيما أن هذه الحركة بنيت على أساس أن القوات أو الأجهزة العسكرية تشكل نصف أعضاء المؤتمر العام. هكذا فإن أي حركة أو أي انشقاق في التنظيم (مثلا في لبنان أو سوريا أو الأردن أو الضفة أو غزة أو في أي مكان) لا يؤثر على بنية هذه الحركة.

-2 إن فصائل العمل الفلسطيني، وبالأخص حركة "فتح" لا تعتمد في مواردها على شعبها، بقدر ما إن شعبها يعتمد عليها(حيثما أمكن ذلك)، وهذا الأمر يعزّز من دور الطبقة القيادية، إزاء قواعدها، مثلما يعزّز من علاقات الطواعية والاعتمادية والولاء والزبائنية عند القواعد إزاء طبقة القيادة المهيمنة، لاسيما ونحن نتحدث عن حركة ممتدة، فيها الألوف من المتفرغين، ولديها حجم كبير من الالتزامات، وتحتاج إلى نوع من الاستقرار في مواردها المالية.

-3 عدا عن البعد المالي، فإن حيزا كبيرا من شرعية الفصائل العاملة في الساحة الفلسطينية إنما يتأتى من نفوذها الإقليمي (أي علاقاتها مع الدول العربية والإقليمية الفاعلة)، أكثر مما يتغذى من الشرعية التمثيلية أو من ممّا يسمى الشرعية الثورية؛ وهذا ما يفسر بقاء فصائل ليس لها أي معنى أو مبنى. والقصد هنا انه بعد تماثل الحركة الوطنية الفلسطينية أو النظام الفلسطيني، منذ مرحلة السبعينات، مع النظام الرسمي العربي، باتت أطراف النظام العربي تتحكم بمدخلات النظام السياسي الفلسطيني.

-4 إن سيطرة حركة "حماس" على قطاع غزة تضعف من إمكان تحريك دحلان مناصريه في المناطق التي يحظى بنفوذ واضح فيها (وهي في غزة تحديدا)، ما يقلل من قدرته على مناكفة اللجنة المركزية في قرار فصله.

لهذه الأسباب كلها أرجح بأن قرار الفصل سيسير إلى نهاياته، من دون أن يعني ذلك إغلاق صفحة دحلان في الساحة الفلسطينية، فربما تأتي ظروف مغايرة تتيح لهذا الرجل أن يستعيد دوره، ولكن ذلك، في الغالب، لن يكون في "فتح" ذاتها. مع ذلك، ثمة أسئلة مشروعة في هذا المجال تطرح نفسها على قيادة حركة "فتح"، وهي على النحو الآتي:

-1 كيف ارتكب دحلان ما اتّهم به وما هي الأوضاع التي مكّنته من الاستمرار؟

-2 هل يكفي فصل دحلان أم ينبغي القطع مع السياقات السياسية والتنظيمية التي أنجبت هذه الظاهرة؟ وبمعنى آخر أليست ظاهرة دحلان هي نتيجة طبيعية لواقع "فتح"، حيث التسيب والشللية والفوضى، وغياب طابع الحركة الحزبية المؤسسية الديموقراطية، وغياب المراجعة والمساءلة والمحاسبة فيها؟

-3 هل دحلان نسيج وحده أم ثمة مراكز قوى أخرى وهل سيتم التعامل معها؟

-4 لماذا مضى على ما قام به دحلان (باعتراف اللجنة المركزية) سنوات دون محاسبة أو مساءلة؟!

-5 لماذا تُرك دحلان بعد كل هذه الاتهامات الخطيرة دون محاكمة مع حرية المغادرة؟ وهل الحصانة النيابية تغطي على ما ارتكبه؟

-6 كيف حصل أن دحلان نجح في انتخابات اللجنة المركزية لحركة" فتح" في المؤتمر السادس (2009)، على رغم كل هذه الاتهامات الموجهة إليه؟

-7 ألا يعني ذلك أن ثمة شكوكاً تحوط بشرعية المؤتمر السادس لحركة "فتح"، وطريقة ترتيب عضويته، والقيادة المنتخبة فيه؟

-8 إذا كان دحلان يستحق كل ما تقرره قيادة الحركة بحقه، فمن المسؤول، أيضا، عن ترهّل "فتح"، وتهميش منظمة التحرير، وضياع المنظمات الشعبية، وعن تفشي علاقات الفساد والمحسوبية والزبائنية في "فتح" والسلطة والمنظمة؟ ومن المسؤول عن ضعف الصلة بين الشعب وقيادته؟

-9 ألم يحن الوقت لاستعادة "فتح" طابعها كحركة تحرر وطني، واستعادة روحها كحركة وطنية تعددية، وإعادة بنائها على قواعد مؤسسة ديموقراطية ونضالية، باعتبار ذلك مقدمة ضرورية لإعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية؟

-10 ألا يتطلب ذلك إعادة تأسيس "فتح"، من خلال عقد مؤتمر جديد، على أسس جادة وصحيحة، مؤتمر يعيد صوغ هيكليتها، ويحدد ملامحها، السياسية والتنظيمية، على أسس جديدة؛ تمكّن هذه الحركة من استعادة مكانتها وشرعيتها.

هذه مجرد تساؤلات ولا ادري إن كان الزمن تجاوز هذه الحركة أم أن إرادات معظم كادراتها تسمح بانتشالها من حال الضياع والتخبط، لاسيما أن الساحة الفلسطينية أحوج ما تكون إلى استعادة حركة كـ"فتح"، باعتبارها أكثر حركة تشبه شعبها، وباعتبارها حركة وطنية تعددية ومتنوعة.

ماجد كيالي