فتح وحماس، مصالحة أم مراوحة؟

بقلم: محمد السهلي

لا يزال اتفاق المصالحة «رهين الحركتين». هذا ما يؤكده تواصل مسلسل الاجتماعات الثنائية بين حركتي فتح وحماس وقد خرج الاجتماع بينهما في القاهرة مؤخراً بالإعلان عن توافقهما حول عددٍ من الإجراءات في سياق معالجة بعض تجليات الانقسام ونتائجه. وقال البيان بأن هدف هذه الإجراءات «بناء الثقة» بين الحركتين!

فالمعروف أن إجراءات بناء الثقة أو زرعها تتم بين الخصوم قبيل اقترابهما من التوقيع على اتفاق ينهي هذه الخصومة، وهو مالا يستقيم مع أهداف اجتماع ينعقد بعد أكثر من ثلاثة أشهر على توقيع اتفاق وطني بعنوان المصالحة على أن تنطلق مكونات الحالة الفلسطينية فور انتهاء المؤتمر الذي وقع فيه الاتفاق من أجل البحث السريع والفوري في آليات تنفيذه حرصاً على إنهاء الانقسام ونتائجه وتتويج كل هذه العمليات باستعادة فعلية للوحدة الوطنية. بينما لا يزال البحث بين الحركتين يدور في حلقة مفرغة ضمن معادلات الحسابات الثنائية التي تعود في جوهرها إلى مرحلة الانقسام البغيض.

فالمشكلة الأساسية في رأينا بدأت بعد توقيع اتفاق المصالحة مباشرة عندما أبقت الحركتان على مفهوم التوافق الثنائي الذي تم تكريسه في اتفاق بينهما وقعتاه قبل توقيع الاتفاق الوطني بفترة بسيطة. ولم تجر إحالة تعبير «التوافق» إلى عنوان الحوار الوطني الشامل كما يفترضه التوقيع الجماعي على الاتفاق. وبذلك بقيت مسألة البحث في آليات تنفيذ الاتفاق حكراً على الحركتين.

على ذلك، تم البحث بينهما في تنفيذ الاتفاق عبر آلية التوالي في طرح نقاطه مما جعل من أي عقدة تنشأ في البحث بينهما (الحكومة مثلاً) لغماً معطلاً للاتفاق برمته، في الوقت الذي كان من المفترض ولا يزال بحث آليات تنفيذ الاتفاق عبر طرح جميع نقاط الاتفاق بشكل متواز وعبر حوار وطني شامل من أجل تحويل لغم «التوافق» إلى حلول متفق حولها ومفتوحة على التنفيذ المباشر.

وإذا كانت مسألة الحكومة بأعضائها ورئيسها قد أخذت من الوقت نحو شهرين دون التوصل إلى اتفاق، فإن هذا يؤشر بأن الانتقال من التوافق إلى الاتفاق حول جميع البنود يحتاج زمناً مفتوحاً وهذا ما يتناقض مع هدف المصالحة الذي هو استعادة الوحدة البرنامجية والسياسية. في الوقت الذي أصبح فيه استحقاق أيلول/ سبتمبر على الأبواب ويحتاج النجاح فيه إلى وحدة الموقف والجهود.

لذلك، ما تم الحديث عنه من إجراءات بناء الثقة ينبغي أن ينفذ من دون مفاوضات بين الحركتين وخاصة إطلاق سراح المعتقلين لأن إنجاز ذلك يعبر فعلاً عن توافر إرادة سياسية حقيقية لديهما من أجل الوصول بالاتفاق إلى حيز التنفيذ وغير ذلك أيضاً من القضايا الإجرائية الإدارية من نمط تسوية ملف وثائق السفر وخلافة.

فلا يمكن لمجرد توقيع الاتفاق أن يكون جواز عبور باتجاه استحقاق أيلول وإنجاحه لأن توقيع الاتفاق لا يصلح عملياً كورقة مساعدة لتحقيق هذا الهدف باعتباره هدفاً وطنياً يتطلب بذل الكثير من الجهود الوطنية الموحدة لما يمثله من معركة سياسية يتطلب الفوز فيها توظيف جميع الأسلحة الوطنية المتاحة والمستحدثة. مقابل ذلك لا ينبغي التشويش على استحقاق أيلول من زاوية أن البعض يتعامل مع توقيعه كورقة كافية لمواجهة الاستحقاق. فليس منطقياً أن يتم التعامل مع هدف تحصيل الاعتراف بالدولة الفلسطينية بأنه معزول عن إنجاز مجمل الحقوق الوطنية الفلسطينية. فالاعتراف فيها مدخل سياسي ودبلوماسي مهم يمكن أن يوصد الباب على سوق المناقصات المطروحة بشأن الحقوق الوطنية من زاوية مقايضة بعضها ببعضها الآخر.

ويتطلب الحرص على جميع الحقوق الوطنية الفلسطينية وعدم القفز على أي منها وضع تنفيذ اتفاق المصالحة في إطاره الصحيح ونقصد طاولة الحوار الوطني الشامل ونستغرب هنا عدم دعوة اللجنة الوطنية العليا المعنية بإعادة بناء منظمة التحرير إلى الاجتماع ليس فقط لتحقيق هذه الوظيفة بل والتعامل معها كمرجعية صالحة للإشراف على آليات تنفيذ الاتفاق وإنقاذه من دوامة المفاوضات الثنائية بين حركتي حماس وفتح باعتبارها تضم قادة العمل الوطني الفلسطيني بكافة أطيافه حتى يتم تجاوز القصور والتلكؤ الذي تعانيهما بقية الهيئات واللجان والمؤسسات التي للأسف لم تستطع تجاوز التناقضات التي يعج بها الوضع الفلسطيني.

من هذه الزاوية، وربطاً بالدعوة المتوقعة من قبل القاهرة للقوى والفصائل الموقعة على الاتفاق، نجد الفرصة مواتية أمام الحالة الفلسطينية لإنقاذ الاتفاق من حالة المراوحة والإسراع في تطبيقه ضمن سقف زمني يأخذ بنظر الاعتبار تعويض الوقت الذي جرى تبديده في المفاوضات الثنائية.

ومع ذلك، من الواضح أننا أمام مؤشرات تدل على أن القديم مستمر على قدمه بشأن موضوعة المصالحة وأن هناك تعقيدات مفتعلة توضع أمام تنفيذ الاتفاق. وإلا كيف نفسر توصل الحالة الفلسطينية بكافة أطرافها إلى اتفاق حول وثيقة الوفاق الوطني وتوقيعها خلال يومين فقط من الحوار الشامل (25 ـ 26/6/2006) وهي الوثيقة التي بلورت برنامجاً وطنياً متقدماً يكفل في حال تطبيقه تقدم العمل الوطني الفلسطيني على سكة إنجاز الحقوق الوطنية. كما تمكنت اللجان الخمس المشكلة في إطار مؤتمر الحوار الوطني في القاهرة العام 2009 من إنجاز خطوات متقدمة على طريق الاتفاق على كافة القضايا المطروحة قبل أن يتم الالتفاف على عملها وعلى مسار الحوار الوطني الشامل أواخر شهر آذار/ مارس بعد أن تم الانقلاب على هذه النتائج ودخول فتح وحماس في بازار النسب حول قانون الانتخابات المفترض أن ينظم الانتخابات التشريعية.

وإذا كان هناك على الصعيد السياسي من لديه الاستعداد للقيام بمقايضة بين المسعى الفلسطيني نحو الأمم المتحدة وبين مفاوضات بشروط تجميلية، فإن الخوف أيضاً أن يكون هناك من لديه الاستعداد للإستغناء عن اتفاق المصالحة أو إبقائه في حالة المراوحة بعد ظهور نتائج استحقاق أيلول بغض النظر عن النتيجة التي ستتمخض عنه.

نؤكد هنا بأن المهام الوطنية الكبرى الملقاة على عاتق الحالة الفلسطينية في هذه المرحلة تمتلك في كل منها أهمية قصوى باعتبارها محوراً نضالياً بحد ذاته مع الإشارة إلى تكاملها مع باقي القضايا. وهي لا تحتمل أية محاولة لإدخالها في معادلات براغماتية قصيرة النظر ومن هذه المهمات وعلى رأسها استعادة الوحدة الوطنية.

توافق حركتي فتح وحماس في اجتماع القاهرة على أي من القضايا أو فروعها مفيد للحالة الفلسطينية لكن ذلك يمكن أن يشكل خطوة على طريق إنهاء الانقسام في حال كانت هذه التوافقات مدخلاً للحل السليم عبر بوابة الاتفاق الوطني الشامل ومشاركة وقرار جميع مكونات الحالة الفلسطينية.. من دون استثناء.

محمد السهلي