فتح ملف حمايات المسؤولين في العراق: حقائق صادمة جديدة

لم يعد منظر سيارات الدفع الرباعي المصفحة باهظة الكلفة التي تجول في شوارع بغداد والمحافظات مستغربا لدى السواد الاعظم من العراقيين، فطوابير تلك السيارات السوداء المحاطة بالمسلحين صارت جزءا من المشهد اليومي، طوابير ومواكب ليس لها نهاية ففي كل حين هنالك موكب وطابور من تلك السيارات السود، لا يستطيع احد ان يحزر او يخمن من الذي في داخل هذه السيارة او تلك اوزير ام برلماني ام رئيس حزب ام غير ذلك فالكل يشتركون في هذه المواكب.

بقي الحال على ما هو عليه طيلة 13 عاما انفقت فيها الدولة مليارات الدولارات من خزانة الشعب على ادامة زخم تلك المواكب واكثارها وانعاشها بالمزيد، حتى صار رئيس قسم في مؤسسة ما، له حراس وله سيارة حماية تتبعه في تقمص للسلطة وصرت وانت تدخل بعض مؤسسات الدولة تشاهد مدراءً صغارا واذا بهم يتقمصون صفة مسؤول رفيع: يحدثك وهو يدور يمنة ويسرة على الكرسي الدوار، علم العراق وعلى رأسه نسر ذهبي في الاعلى الى يمينه والمكتب الفخم والمبرد جزء من البرستيج.

لم يعلم العراقيون ما كانت تقتطعه تلك المواكب من قوتهم، اموال طائلة وفوق الخيال كان يمكن ان تذهب لبناء المدارس والمستشفيات وهدم مدارس الطين واستبدالها بمدارس عصرية، تعبيد الطرق، رفع الازبال والنفايات وغيرها من ابسط الخدمات التي تليق بآدمية البشر.

ببساطة شديدة تذكر احصائيات حكومية وبرلمانية متفق عليها وتستند الى تقرير ديوان الرقابة المالية للعام 2015 ان ما يقارب 600 مليار دينار تنفق سنويا على حمايات المسؤولين ما بين رواتب ومخصصات واليات ووقود وما الى ذلك فأذا جمعت الاموال هذه على مدار 13 عاما فستظهر احصائية تفوق المنطق والخيال.

لم يكن احد يعلم اعداد ما كان يسمى "افواج الحماية" الخاصة وهي افواج تحمي المسؤولين جميعا ابتداء من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والوزراء والبرلمان والبرلمانيين وصولا الى رئيس اقليم كردستان وابن اخيه ورئيس وزرائه ورئيس البرلمان وغيرهم يبلغ مجموعها 28 فوجا، وتقول المعلومات المتداولة ان قرابة 100 عنصر هو المعدل المعتمد لكل فوج لكن تحريات حكومية تحدث عنها رئيس الوزراء مؤخرا اثبتت ان اعداد كل فوج تتضاعف اكثر من ذلك اضعافا كثيرة لتصل الى 600 عنصر لا يخلو اغلبهم من صفة كونهم فضائيون بمعنى انهم مجرد اسماء وهمية او اناس لا يؤدون الخدمة وتذهب رواتبهم منذ 13 عاما الى جيوب مسؤولين متنفذين لتصل شهريا الى ملايين الدولارات تهدر وتسرق بهذه الطريقة.

وتتحدث احدى البرلمانيات العراقيات في مؤتمر صحافي بالتفصيل عن "بدعة الحمايات" هذه وتورد احصائيات صادمة عن الاموال التي ترصد سنويا للوقود ورواتب وبدلات طعام واسكان ومخصصات خطورة وغيرها وان هنالك افواجا يتم نقل افرادها مع سياراتهم بطائرات خاصة في حِلّ المسؤول وترحاله.

بل ان تسريبات تشير الى ان زوجة مسؤول حكومي سابق ما زالت تقبض مرتبات احد افواج الحماية منذ سنوات في مقابل ادارجهم في صفة الفضائيين او تقاسم الراتب معهم في وقت هم يتسلمون رواتب من مؤسسات اخرى وهكذا تمضي هذه القصة الغرائبية وفصولها المعلنة هي هذه الا ان الخوض في حيثياتها يكتسب صفة فضائحية صادمة.

ولعل خطوة الحكومة في اطار الاصلاحات بهيكلة هذه الافواج الـ28 واعادة ربطها بوزارتي الدفاع والداخلية كانت صدمة هائلة لكثير من المنتفعين ولو مضت تلك الخطوات الاصلاحية في فتح سجلات رواتب تلك الفواج منذ العام 2003 وحتى اليوم لظهرت وقائع وحقائق هي اغرب الى الخيال لفداحة الهدر والسرقة في المال العام.

الصدمة والانزعاج والامتعاض من لدن كثير من المسؤولين وخاصة نواب رئيس الجمهورية والحكومة المقالين اتت بسبب خسارة هؤلاء لاقاربهم واتباعهم الذين ظلوا يعششون تحت جناحهم زمنا طويلا واثروا من هذا "البيزنز" باعتبارهم طبقة فوق الشعب متوارية خلف ظلمة تلك السيارات المعتمة التي مجرد ظهورها في الشارع يقطع الصلة بالشعب ويدرك الشعب مباشرة انها طبقة اباطرة واصحاب جاه وسلطان في مقابل شعب اعزل جريح ومعذّب يفتك فيه الفقر ونقص الخدمات وانعدام الامن والخوف من المستقبل المجهول.

حمايات المسؤولين هي صورة اخرى من صور الطبقة السياسية التي استمرأت العزلة عن الشعب والخوف منه ايضا، والا كيف يفسر وجود تلك الجيوش الجرارة من حمايات المسؤولين وهم المختبؤون اصلا في المنطقة الخضراء المحصنة، فلا خطر يمسهم ولا يدهمهم وان هي الا وجاهات فارغة ومظاهر مباهاة يمارسها مسؤولون جوعى للمال والجاه والسلطان والاستقواء حتى تحول هذا السلوك الى سلوك جمعي يطبع عشرات المسؤولين المعزولين عزلة شبه كاملة عن الشعب وهو ما يُفسر على انه نوع بشع من التعالي والغطرسة مع تناسي من اوصل كل اولئك الى ما وصلوا اليه من سلطة وجاه ومال.