فتح معبر رفح يهدد 'اقتصاد الأنفاق'

ستبقى الأنفاق طالما بقيت اسرائيل وحماس

رفح (مصر)ـ انتقل طارق أبو الخير، وهو عامل بناء في منتصف الثلاثينات من العمر، قبل عامين من محافظة البحيرة في دلتا النيل المصرية إلى الجانب المصري من رفح، للعمل في حفر الأنفاق غير الشرعية الذي يعد عملاً مربحاً في هذه البلدة التي تقع على جانبي الحدود بين مصر وقطاع غزة.

وعن ذلك قال "لم يكن لدي شيء أفعله في قريتي...سبقني بعض أصدقائي إلى هنا وظلوا يتحدثون عن الأموال الضخمة التي ربحوها من حفر الأنفاق، ولهذا السبب جئت إلى هنا".

وكان أبو الخير يجني ما يعادل 50 دولاراً في الساعة ويرسل الأموال إلى والديه في البحيرة ليتمكنوا من بناء منزل له.

وأضاف أن الأجر كان مرتفعاً لأن العمل كان ينطوي على مخاطرة كبيرة.

لكن بناء المنزل لم ينته بعد، في الوقت الذي يشعر فيه أبو الخير أن وظيفته قد تكون في خطر بعد فتح الحدود في 28 مايو/أيار والسماح لجميع النساء والقصر والرجال الفلسطينيين الذين تزيد أعمارهم عن 40 عاماً بالمرور بحرية من قطاع غزة إلى مصر عبر معبر رفح للمرة الأولى منذ أربع سنوات.

ولكن حتى الآن، لا يشمل تخفيف القيود رفع الحظر على التجارة.

وفي حين رحب الفلسطينيون بإعادة فتح المعبر، قال المصريون المستفيدون من "اقتصاد الأنفاق" إنهم يخشون من احتمالية انهيار أعمالهم وفقدان وظائفهم إذا تم فتح معبر رفح بشكل كامل في نهاية المطاف، الأمر الذي سيسمح بالتجارة المشروعة.

وقال يحيى أبو نصيرة، وهو زعيم قبلي من شبه جزيرة سيناء أن "فتح المعبر الحدودي شيء عظيم بالنسبة للفلسطينيين، ولكنه أسوأ شيء يمكن أن يحدث لمئات الأشخاص المنخرطين في تجارة الأنفاق،" مضيفاً أنه "بصرف النظر عن إشراف الحكومة الصارم على كل شيء هنا، فإن فتح المعبر عاجلاً أم آجلاً سوف يقضي على الأنفاق".

ولا يزال دخول البضائع إلى قطاع غزة مقصوراً على المعابر التي تسيطر عليها إسرائيل ويخضع لحظر على مواد البناء ومعظم الصادرات.

وتخشى إسرائيل من أن يؤدي فتح معبر رفح دون قيود أمام التجارة إلى نقل أسلحة إلى قطاع غزة، الذي يقع تحت سيطرة حركة المقاومة الإسلامية حماس.

وقال غازي حمد، مدير سلطة المعابر في قطاع غزة، إن حماس تتفاوض حالياً مع السلطات المصرية الجديدة لتوسيع سياستها الخاصة بحرية السفر لتشمل الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و40 عاماً.

وأضاف قائلاً "نأمل أن يعمل معبر رفح بشكل طبيعي دون قيود على التبادل التجاري بحيث لا تتمكن إسرائيل من ابتزازنا من خلال سيطرتها على حدودنا. إننا على اتصال مع مصر الآن لمحاولة حل هذه المشكلة".

وتشكل تجارة الأنفاق عملاً مربحاً ليس فقط لسكان رفح، بل للعديد من المصريين الذين سعوا إلى العمل هنا.

الحصار يخلق وظائف

وقال توفيق نصر الله، منسق حركة شباب العدل والمساواة في سيناء، وهي جمعية أهلية في شبه جزيرة سيناء تناضل من أجل خلق الوظائف وتحسين ظروف المعيشة في رفح "سمح حصار غزة بازدهار تجارة الأنفاق وجلب تدفقاً لا نهائياً من رؤوس الأموال إلى المدينة...صحيح أن شعب غزة قد عانى الكثير من هذا الحصار، ولكن نفس هذا الحصار جلب أموالاً ضخمة وخلق فرص عمل هنا".

وعدد الأنفاق بين مدينة رفح المصرية وقطاع غزة غير معروف بدقة، ولكنها تشكل شبكة واسعة تحت الأرض يتم من خلالها تهريب كل شيء ـ الناس والأسلحة والحصى والأسمنت والحيوانات والسيارات ـ إلى داخل غزة أو خارجها.

وكان الرئيس المصري السابق حسني مبارك يشير إلى الأنفاق، ويسخر من الإسرائيليين قائلاً "أغلقوها من جهتكم إذا كنتم تعرفون أماكنها" ـ على الرغم من أن العديد من المداخل واضحة ويسهل رؤيتها على جانب غزة من الحدود، حيث تغطيها قطعة من القماش المشمع على بعد حوالي 300 متر من السياج الحدودي.

حصة حماس

وفي الأرض الفلسطينية، تعمل الأنفاق تحت إشراف حركة حماس، التي تحصل رسوماً من أصحاب الأنفاق وفقاً لنوع البضائع التي تمر عبرها.

وقبل "تخفيف" إسرائيل للحصار في 2010، كان ما يقدر بنحو 80 بالمائة من السلع الموجودة في متاجر غزة يهرب عبر الحدود مع مصر.

أما الآن فتأتي معظم السلع الاستهلاكية في الأسواق والمحلات التجارية الصغيرة من إسرائيل.

وقد أصبحت تجارة الأنفاق مقصورة في معظم الأحيان على مواد البناء والسيارات والبنزين والأسلحة.

ويقول عمال الأنفاق إن المشترين يدفعون مبلغاً إضافياً قدره ألف دولار لحركة حماس عن كل سيارة تأتي من مصر، وستة آلاف دولار إلى صاحب النفق، مع ذلك لا تزال تجارة الأنفاق تجارة مربحة.

وقال محمد، الذي يبلغ من العمر 24 عاماً ويعمل في نقل الحصى من مصر عبر أحد الأنفاق "أكسب المال الوفير عن طريق جلب الحصى لأن الجميع يريد البناء في غزة".

ويحظر الإسرائيليون استيراد الحصى والأسمنت والصلب بحجة أنها قد تستخدم في مجالات عسكرية.

وأضاف "أجلب 100 طن من الحصى كل يوم من خلال الأنفاق. وتتسع الأنفاق الأكبر حجماً لنقل الحديد والحجارة والأسمنت". ويبيع محمد طن الأسمنت مقابل 40 شيكل (12 دولاراً) ويجني 120 شيكل (35 دولاراً) كل يوم."يبلغ عمق النفق 29 متراً، وهناك تسعة أشخاص بداخله الآن. إنهم يبقون هناك من السابعة صباحاً إلى السابعة مساءً. في هذه الأيام، لا يأتي في الغالب إلا الحجارة والحديد عن طريق الأنفاق من مصر".

عمل محفوف بالمخاطر

وعلى جانب رفح، قال أبو الخير، الذي كان يبدأ حفر النفق عند الفجر ويستمر حتى غروب الشمس، إن العمل محفوف بالمخاطر. فقبل بضعة أشهر، انهار نفق كان يعمل به ودُفن ثلاثة من زملائه.

وأضاف "انتشلنا جثثهم في وقت لاحق، ولكن لم تظهر عليهم أي من علامات الحياة. أنا ممتن جداً لأنني ما زلت على قيد الحياة".

كما أعرب أبو الخير عن قلقه من أن لا يتمكن من جمع ما يكفي من المال ليتزوج، قبل أن يستعيد تفائله قائلاً "أؤكد لكم أنه ستكون هناك دائماً حاجة إلى الأنفاق، طالما دام بقاء كل من إسرائيل وحماس".(ايرين)