فتح بين أسئلة الواقع وحواجز الزفة

بقلم: علي الصراف

نجح الرئيس الفلسطيني محمود عباس في اجتياز حاجزين خطيرين، ربما كانا أخطر حاجزين يمر عليهما في حياته.
الأول، هو حاجز الاتهام الذي أطلقه رئيس الدائرة السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية فاروق القدومي، بتورطه باغتيال "الرمز" الفلسطيني الراحل ياسر عرفات.
والثاني، هو مؤتمر فتح السادس، الذي عقد في أجواء ما كان يمكن لأي أجواء أن تكون محمومة أكثر منها.
وقد تثبت الأيام إن الرئيس الفلسطيني أظهر براعةَ واحدةٍ من أفضل شركات العلاقات العامة في تخطيهما، أولا، بما يقرب التجاهل التام للاتهام بالمشاركة في ارتكاب أكبر قتل سياسية في تاريخ القضية الفلسطينية. وثانيا، بجعل مؤتمر فتح ينشغل بطرح الأسئلة الخطأ، مما جنبه الكثير من المشاكل. فرئيس ليس لديه أجوبة عن المشكلات الحقيقية التي يواجهها شعبه، خير له أن يجيب على الأسئلة الخطأ من أن يتورط في مواجهات جادة مع سؤال من قبيل: بسبب مَنْ وماذا انتهينا الى ما نحن فيه، عاجزون، محاصرون، منقسمون، وليس لدينا رؤية وطنية موحدة؟
النجاح في تخطي حاجز جريمة القتل لم يرفع الشبهات عن الرئيس عباس، على أي حال. وما تزال قضية اغتيال الرئيس عرفات ملفا مفتوحا للتحقيقات. ولكن طالما ظل الرئيس عباس قادرا على اللف والدوران بالموضوعات الخطأ فانه سيظل ينجو من الملاحقة.
وهو يستطيع أن يسجل نجاحا منقطع النظير بجعل مؤتمر فتح يسأل: لماذا خسرنا غزة؟، ولا يسأل: كيف نستعيد القدس؟ ويسأل، بماذا أخطأت فتح، حيال حماس، ولا يسأل بماذا أخطأت حيال إسرائيل؟
والحيلة كانت بسيطة وساذجة، وانطلت على 2000 مندوب شاركوا في المؤتمر: إطرح السؤال الخطأ، لكي تحصل على الإستراتيجية الخطأ.
وهذا هو بالضبط ما كان يريده "الحرس القديم". وهذا ما حصل عليه. إنما ببعض ثمن، هو السماح لمجموعة من "الحرس الجديد" باكتساح معظم مقاعد اللجنة المركزية. وهذا ثمن كان أقرب الى رشوة منه الى أي تغيير، في موازين الأفكار والخيارات.
فالأعضاء الجدد في قيادة فتح، إنما سينخرطون في الاستراتيجية الفاشلة ذاتها التي صوت عليها المؤتمر بما يقرب الزفة. حيث فاز الرئيس عباس برئاسة فتح، أولا من دون منافسة (أي من دون تحد سياسي لخياراته العاطلة عن العمل)، وثانيا، من دون تصويت (أي بما يشبه القول: لا معارضين)، وثالثا، بالإجماع (أي بما يعني إن كل الكلام عن سياسات جديدة هو كلام فارغ سلفا).
ولكن، وكأي خيارات تتحاشى مواجهة الواقع، فان معضلة "فتح" ستظل موجودة، وهي أن الواقع سيظل يطاردها بحثا عن إجابات صحيحة للأسئلة الصحيحة.
فالقضية الفلسطينية تتداعى وتنهار، بسبب فشل الخيارات التفاوضية التي اعتمدت عليها قيادة الزفة. كما انها تنحدر في مستنقع التناحرات ليس بسبب "خسارة فتح لغزة" وإنما بسبب خسارة الفلسطينيين لفتح كحركة تحرر وطني، ولحماس كحركة مقاومة. أو بمعنى آخر، بسبب الخسارة العامة التي يجنيها الفلسطينيون من جراء فشل قياداتهم في التوصل الى استراتيجية وطنية موحدة، تجيب على أسئلة الواقع: المفاوضات، الخيارات الوطنية، الحصار، العلاقات بين الفصائل الفلسطينية، أسس بناء الدولة...الخ.
ومن الواضح إن شركة العلاقات العامة قد تنجح في الضحك على ذقون 2000 مندوب، كما إنها قد تنجح في شراء تيار "الحرس الجديد" لتضمه الى تيار "الحرس القديم"، ولكن ذلك لن يغير في الواقع شيئا.
وإذا افترضنا أن إسرائيل هي تلك "الشركة"، فالحقيقة التي لا بد وان تعترف بها في النهاية هي أن العبث التفاوضي الذي يمنحها المتعة الآن، لن يوصلها الى أي نتيجة. فالسلام يجب أن يتحقق على أسس عادلة. وهذا يعني رد الحد الأدنى، على الأقل، من الحقوق الفلسطينية.
ولعل إسرائيل تستطيع أن تلاحظ، إنها حتى بوجود عباس على رأس السلطة الفلسطينية، فإنها لن تستطيع أن تحصل من التنازلات على أكثر مما حصلت عليه.
ومع ذلك، فعباس، ليس فتح. وفتح، ليست الشعب الفلسطيني.
والحال، فمثلما يخسر الفلسطينيون يوميا من قضيتهم بسبب صراع فتح/حماس، فأن إسرائيل تخسر من الملل الذي أصاب العالم من أزمة المنطقة، خصوصا بعد أن أصبح الغرب موجودا بشكل مباشر في الشرق الأوسط، ويستطيع أن يدير أعماله بنفسه (وبقواته) من دون الحاجة الى وكيل أعمال منبوذ.
لقد كان البحث عن قيادة جديدة لفتح بمثابة إطار لإرساء إستراتيجية جديدة. وكان يمكن لشخصية كاريزمية مثل مريد البرغوثي أن تشكل مدخلا لتجديد الرؤية الفلسطينية ولاستعادة الوحدة الوطنية. ولكن إسرائيل لا تحتفظ به في السجن عن عبث. وفتح لا تنتخب الرؤية القديمة بزفة عن عبث. فكلاهما يستفيدان من الشلل. وكلاهما يسألان السؤال نفسه: كيف خسرنا غزة؟
ولكن الواقع سيظل كما هو. والقضية الفلسطينية هي ليست قضية غزة.
ولأنه واقع، فانه سيظل يسخر من خيارات التعطيل التي تتبناها إسرائيل وخيارات الشلل التي تتبناها فتح.
والواقعُ حاجزٌ ثالث، لن يمكن اجتيازه بطرح الأسئلة الخطأ! علي الصراف alialsarraf@hotmail.com