فتحي عبدالسميع يطالب بـ 'دار الحياة' في صعيد مصر على غرار مكتبة الإسكندرية

يؤصل للمكتبات في التاريخ الفرعوني

ولد فجر التاريخ في جنوب مصر حيث بنى المصريون القدماء أعظم الحضارات في التاريخ الإنساني، والتي لا تزال آثارها شاهدا على ما وصلوا إليه من علوم ومعارف وفنون، كتبوا وقرأوا واكتشفوا وأثروا العلم والمعرفة والفن وأبهروا العالم القديم والحديث.

وانطلاقا من هذه الرؤية واستنادا إلى حقائق تاريخية، يقترح الشاعر والباحث الأنثربولوجي فتحي عبدالسميع إقامة مكتبة ضخمة في صعيد مصر على غرار مكتبة الإسكندرية، هذا الاقتراح الذي له ما يبرره في هذه المرحلة من تاريخ مصر، مكتبة تحتضن الإرث العظيم للمصريين القدماء والمحدثين ويشرق بها الصعيد المصري على العالم مؤكدا أن أصحاب أقدم حضارة في التاريخ لا يزالون قادرن على العطاء للإنسانية.

يقول عبدالسميع "المبنى الجديد لمكتبة الإسكندرية يقدم لنا رمزا حيا يبعث في الذاكرة صورة من أكبر صور الهوية المصرية إشراقا، حيث المكانة الثقافية الهائلة، والدور الحضاري العظيم، وهذا ما جعل إعادة بناء مكتبة الإسكندرية موضعا لتضافر جهود كثيرة. ونحن ندعو لمشروع جديد يضاهي مكتبة الإسكندرية، ولا يقل عنها في قيمته الإنسانية والحضارية، وهو مشروع "دار الحياة"، الذي يستدعي ذاكرة تلك المؤسسة الثقافية رفيعة المستوى التي قدمتها مصر القديمة للثقافة الإنسانية منذ فجر التاريخ".

ويضيف: كانت "دور الحياة" مكتبات توجد في الحواضر الهامة، وحيث وُجدت المعابد الكبيرة، وكان خريجو "دور الحياة" يشغلون مكانة مرموقة، فالواحد منهم "ما من أمر يُسأل عنه، إلا ويجد له جوابا مناسبا" كما يقول نص مصري قديم، وكان يعهد إليهم بكتابة أناشيد التعبد للملوك، وكتابة نسخ منها لمختلف المعابد.

وكانت مواكب أعياد الآلهة تقصد بهو الاحتفالات في دور الحياة، فتقوم هيئة الدار بافتتاح الحفل، وتفسير اسم المعبود.

وكان أبرز ألوان النشاط في دار الحياة هو إعداد الكتب الدينية اللازمة للعبادة، وذلك بإعادة كتابة المخطوطات القديمة وتصحيح ما فيها من أخطاء، وسد ما فيها من فراغ يتسبب عما لحق القراطيس من فعل الديدان الأرضية، كما كانت النصوص الدينية تعد هناك، وبخاصة ما اتصل من أمور العبادة المتعلقة بكل معيد، كما كانت تُنسخ من " كتاب الموتى" آلاف النسخ، ويمكن القول بصفة عامة أن كل ما كان ينقش على جدران المعابد، وكل ما كان يُنسخ من قراطيس البردي التي كانت تقتضيها شئون العبادة، وسائر عناصر الثقافة الكهنية، كان يخرج من دور الحياة".

ويوضح عبدالسميع: المتخرجون من دور الحياة لم يكونوا كهنة بالمعنى المعروف، فهم ألصق بالعلم منه بالدين، وألقابهم تشير إلى تمسكهم بالألقاب الخاصة بالكتاب، أكثر من التصاقهم بألقاب الكهنة، وإن كان هذا لم يحل بين جمع بعضهم بين وظائف "دور الحياة"، ووظائف الكهانة في آن واحد.

ويعتبر علم الفلك وعلم الطب من أهم العوم الخاصة بدار الحياة، ولم تكن دور الحياة دائما في المعابد، وإنما كانت مباني ملحقة بالمعابد، وقد تعرف "بندلبري" على أطلال دار حياة في العمارنة بعد أن وجد أختاما مرقومة باسمها على بعض قوالب اللبن التي بنيت بها، وقد تبين أنها كانت على مبعدة 400 متر، جنوبي معبد أتون الكبير في العمارنة.

إن "دور الحياة" لها من الشأن ما يتجاوز قيمة مكتبة الإسكندرية، فهي أسبق في الظهور بقرون طويلة جدا، ونحن نحتاج إلى مشروع وطني يعيد تجديد ذكرى دور الحياة في ذاكرتنا المعاصرة.

ويؤكد عبدالسميع أن مشروع إنشاء مؤسسة ثقافية كبيرة على غرار مكتبة الإسكندرية باسم "دار الحياة" مشروع له قيمته بالنسبة للذاكرة الحضارية المصرية، وله قيمته التي ترتبط بتاريخ المعرفة الإنسانية بشكل عام.

تلك القيمة التاريخية لا تنفصل عن قيمة آنية تتمثل في حاجتنا الشديدة لمواقع ثقافية متميزة، فالفعل الثقافي جوهري عند أي حديث عن تقدم أو رقي، وكل حديث عن نهوض مصر مع إغفال دور الثقافة وبناء الإنسان حديث عبثي.

وإن كان لا بد من مغازلة الاقتصاد بشكل مباشر، فإن ذلك المشروع يمكن أن يلعب دورا في دعم السياحة، خاصة مع اختيار المكان المناسب لبناء تلك المؤسسة. لكن أين نبني مثل ذلك الصرح الثقافي وكيف؟ من خلال سيرة دور الحياة نفسها، وعمقها التاريخي الذي يذهب إلى الدولة القديمة لا إلى نهايتها، ومقارنة بموقع مكتبة الإسكندرية الكائن في أقصى الشمال، علينا أن نذهب إلى الجنوب وبالتحديد إلى المنطقة التي ترتبط بالظهور المبكر لـ "دور الحياة".

ويكشف عبدالسميع "إن أول دار من دور الحياة تبرز في مصر القديمة، تلك التي ظهرت في دائرة معبد الإله "مين" في مدينة فقط، والتي تواتر ذكرها من الدولة القديمة، كما تواتر ذكها في العصور المتأخرة.

إن الرجوع إلى تلك المنطقة تحديدا يعد نموذجيا، لأنه يحقق التناغم التاريخي بين المشروع الجديد وأصله القديم، كما أنه يخدم تلك المنطقة الفقيرة من حيث المؤسسات الثقافية، كما أنه يسمح بتنشيط السياحة في ذلك المكان, ولفت انتباه الخريطة السياحية لتلك المنطقة خاصة منطقة معبد دندرة التي تحتاج إلى المزيد من وسائل الجذب السياحي، فضلا عن كونها نقطة التقاء الخط السياحي البري الذي يربط شواطئ البحر الأحمر بالوادي، وكل ذلك يجعل من تلك المنطقة موضعا نموذجيا لإنشاء دار الحياة الجديد".

وحول كيفية ظهور مثل ذلك المشروع إلى النور، يقول عبدالسميع: هناك من يفهم ذلك أكثر مني، فالقيمة الثقافية ينبغي أن تجذب دعم الدولة وتحمسها، والقيمة الوطنية ينبغي أن تجذب دعم رجال الأعمال للمساهمة، في مصر والعالم العربي، والقيمة الإنسانية للمشروع من شأنها أن تجذب اهتمام منظمة مثل اليونسكو، وغيرها من المنظمات التي تهتم بتمويل تلك المؤسسات الإنسانية.

وهناك بالطبع من يفهم أكثر مني في جذب الموارد المالية للمشروع، وتظل الفكرة أول وأهم خطوة في بناء تلك المؤسسة، ونحن نطرحها للنقاش، آملين أن نجد من يؤمن بها، أو يتحمس لها، أو يطالب بها. أما القدرة على تجسيدها في الواقع فهو أمر ميسور رغم كل الصعوبات الاقتصادية التي نواجهها.