'فتحي الإبياري' .. شيخ حارة كتَّاب الإسكندرية

بقلم: مصطفى نصر
فطرة سليمة ورائقة

قرأتُ عن فتحي الأبياري قبل أن أراه أو أقابله، كُنت أقرأ عن نشاط "نادي القصة" الذي أنشأه بالإسكندرية عام 1960 بمقر نقابة الصحفيين 6 شارع طلعت حرب، كان يدعو إلى ندواته كبار أدباء مصر: محمود تيمور وأنيس منصور ويوسف السباعي وثروت أباظة وغيرهم.

وكُنت أسمع مسلسلات إذاعة الإسكندرية التي تذاع في السابعة بعد أنباء المدينة كل مساء، فأعجبت بمسلسل "الأرض الطيبة"، المأخوذ عن رواية بير بك والتي تدور في الصين. وهي الرواية التي كانت مقررة على طلبة الثانوية العامة وقتذاك، فقد أعدها فتحي الأبياري للإذاعة مساهمة منه في تقديم الأدب العالمي وتسهيله، ومساعدة منه للطلبة لكي يفهموا الرواية المقررة عليهم. واكتشفت أنه أعد للإذاعة عددا كبيرا من هذه الروايات العالمية.

اشتركتُ في عام 1969 في مسابقة نادي القصة؛ بقصة اسمها "الليل .. وبقايا إنسان"، وكنتُ قد قرأتها في ندوة بجمعية الشبان المسلمين، وعلق عليها ضابط شرطة اسمه الجوهري، كان قد أصدر مجموعة قصصية بعنوان "عمدة بلدنا", أشادوا بالقصة، وتوقعوا أن أفوز بجائزة متقدمة في المسابقة، لكن ظهرت النتيجة، وفاز صديقي سعيد بدر بالجائزة الثالثة، عن قصة تحكي عن صاحب شقة ضاق بالفئران التى ترتع في شقته، ففعل المستحيل، وأخيرا اهتدى إلى حل أنهى مشكلته، فقد جاء للفئران بقطة تطاردهم وتبعدهم عن شقته.

وفاز كل زملائي بجوائز نقدية أو مجموعة من الكتب، لكنني لم أفز بشيء، إخفاقي في المسابقة أبعدني عن الحركة الأدبية لفترة قصيرة، وقد كتبتُ عن هذه الحادثة في كتابي "سينما الدورادو" في فصل اسمه راعي بقر منتصف الليل، فقد دعانا سعيد بدر إلى حفل في "لورانتس"، ثم دعاني إلى سينما ريالتو لمشاهدة الفيلم الأميركي "راعي بقر منتصف الليل".

تخرج فتحي الأبياري في كلية الآداب قسم اللغة العربية عام 1958، والتحق بالعمل في مكتب أخبار اليوم بالإسكندرية فور تخرجه. وكان أول لقاء لي معه في جمعية الشبان المسلمين؛ وقت أن كان يستعد للسفر إلى القاهرة (نُقل إلى القاهرة في 6 يوليو 1969 محرراً وناقداً أدبياً)، لم تكن ندوة، إنما لقاء بالصدفة، فقد أعتذر الكاتب حسني نصار عن حضور ندوة الأحد التي كانت تقام في المكتبة، وعدم حضوره يعني عدم دخولنا المكتبة، فجلس معنا فتحي الأبياري في بهو الجمعية، وبكرمه المعهود أصر أن يدعونا جميعاً إلى شرب الكاكاو باللبن. وتحدث معنا عن القصة في الإسكندرية، عن نيقولا يوسف وحسني نصار، ثم تحدث عن كُتاب جيله، محمد حافظ رجب ومحمد الصاوي وحسني بدوي.

سافر فتحي الأبياري إلي القاهرة، لكنه ظل مرتبطاً بالإسكندرية، يأتي إليها كثيراً، خاصة للإعداد لمسابقته، التي يعلن عنها في الندوات التي تقام في جمعية الشبان المسلمين، وفي قصور الثقافة المتعددة. ويساعده في نادي القصة مجموعة من كبار الأدباء: نبيل عاطف الذي تولى إدارة إذاعة الإسكندرية بعد ذلك، وحسني نصار، والدكتور محمد مصطفى هدارة والدكتور حلمي مرزوق، والدكتور يحيي بسيوني، والدكتور السعيد الورقي وغيرهم. ويتولى الأستاذ محمود إبراهيم سكرتير نقابة الصحفيين استلام القصص.

أصدرتْ جريدة الأخبار ملحقاً أدبياً كل يوم أحد، كان رئيس تحريره أنيس منصور، ومدير تحريره فتحي الأبياري، كنا نتابعه باهتمام شديد، وقد تحدث فتحي الأبياري عن هذا الملحق في لقائه معنا بقصر ثقافة الحرية، شكا من ثروت أباظة، لأنه يلح في نشر قصة قصيرة بالملحق، سبق أن نشرها في مجموعة قصصية له.

أصدرتُ عام 1977 أول كتاب لي ، روايتي "الصعود فوق جدار أملس" عن أقلام الصحوة، وقرأها سلطان محمود مدير مكتب مجلة "أكتوبر" في الإسكندرية، اشترى الرواية من محطة الرمل، وبحث عني، فأخبرني سعيد سالم بذلك، وذهبنا لمقابلته. كانت أكتوبر تشغل حجرة من مكتب دار المعارف بشارع سعد زغلول؛ إلى أن ينتهى بناء شقة خاصة في عمارة برج السلسلة.

كنت أجلس مع سعيد سالم، وفتحي الأبياري يتحرك في الحجرة بخفة، ويخرج منها ثم يعود ثانية، فسألني سعيد:

- من هذا؟

- إنه فتحي الأبياري.

- من هو فتحي الأبياري؟

حكيت له عنه، وبعد أقل من شهر حضرتُ ندوة لفتحي الأبياري في قصر ثقافة الحرية، أعلن فيها عن مسابقته السنوية، وفوجئت به يقول:

- إللي عايز شروط المسابقة، ياخدها من سعيد سالم.

وأشار إلى سعيد سالم الجالس في الصف الثاني من الندوة. ودهشت فسعيد لم يكن يعرفه، ولم يسمع عنه من قبل، فما الذي حدث؟!، بعد انتهاء الندوة قلت لسعيد:

- ما الذي حدث، إنك لم تكن تعرف عنه شيئا؟!

ضحك قائلا:

- أول ما عرفتني بأهميته بحثت عن رقم تليفونه وحدثته في صباح اليوم التالي من عملي، فدعاني إلى لقائه في بيته.

كان فتحي الأبياري في هذا الوقت شيخ حارة كتاب الإسكندرية، والمندوب السامي عنهم في القاهرة، فإذا أرادوا الاستعلام عن كاتب سكندري يسألونه، وقد تحدث معه فاروق شوشة طالباً منه أن يختار بعض أدباء الإسكنرية للاشتراك معه في برنامجه التليفزيوني "أمسية ثقافية" فاختار سعيد سالم، ثم محمد الجمل، اللذين كانا أشهر أديبين – من الشباب - في الإسكندرية في ذلك الوقت.

وفي عام 1973 نُقل فتحي الأبياري إلى مجلة آخر ساعة التابعة لمؤسسة أخبار اليوم صحفياً متجولاً في عواصم العالم إلى أن أستقر في مجلة "أكتوبر" منذ عام 1976. وأصدر مجلة "عالم القصة" في أغسطس 1979.

وفي سنة من السنين حدثنا في قصر ثقافة الحرية عن كاتب قصة جديد، اشترك في مسابقة نادي القصة، بقصة عنوانها "حلم يقظة بعد رحلة القمر" أعجبته جداً، فنالت الجائزة الأولى ونشرها له في ملحق جريدة الأخبار، وأذاعها له في الإذاعة، وأعلن في حماس شديد: إنه يتنبأ لهذا الكاتب بمستقبل باهر في القصة.

كان هذا الأديب هو إبراهيم عبدالقوي عبدالمجيد، (هكذا كان اسمه على القصة). واختار له فنحي الأبياري اسم إبراهيم عبدالمجيد، بينما كان إبراهيم ينوي أن ينشر باسم إبراهيم عبد القوي.

كانت القصة تحكي عن عامل بسيط مُثقل بالديون، فحلم وهو مستيقظ بأن يقوم برحلة إلى القمر بعيداً عن حياته الصعبة. وانضم إبراهيم إلى مجموعة الكتاب في قصر ثقافة الحرية، إلى أن وصل إلى ما هو فيه الآن.

أصدر مجلس الثقافة بالإسكندرية مجلة "أمواج"، وكان رئيس مجلس إدارتها ورئيس تحريرها الدكتور محمد زكي العشماوي، لكن حدثت مشكلة عندما أعلنت نقابة الصحفيين عن حتمية أن يكون رئيس تحرير الجرائد والمجلات عضوا بالنقابة، فاستعانوا بفتحي الأبياري في يناير 1983 ليكون رئيساً لتحرير المجلة.

ورأس أخوه محمد علي الأبياري شركة تصنيع الورق (راكتا) المجاورة لشركتنا (الورق الأهلية)، وانتدبوه للاشراف على شركتنا لبعض الوقت، لكنه في هذه المدة القصيرة غيَّر أشياء كثيرة فيها، فوضع أساس نظام الحوافز المالية التي تصرف شهرياً للعاملين، وكانت له أوامر غريبة علينا، لكنه ينفذها بصرامة، ففي العطلات الرسمية يُصر على أن نأتي إلى العمل (وبالطبع سيحتسب لنا أجورا إضافية)، لكن من لا يأتي يخصم منه نصف الحوافز الشهرية.

وكنا نشغل أول حجرة من حجرات القصر الذي كان يعيش فيه صاحب الشركة ومؤسسها حسن نشأت باشا، الذي كان الصديق المقرب لأحمد فؤاد ملك مصر، وكانت الحجرة التي نشغلها، يتخذها الباشا كقاعة لإقامة الحفلات، (وقد صوروا في هذا القصر فيلم "أرحم دموعي" ليحيي شاهين وفاتن حمامة).

كان محمد على الأبياري يمر من أمام الحجرة الكبيرة جداً، في طريقه لمكتبه بالدور العلوي، فكان ينظر إلى الموظفين، ودخل الحجرة فجأة، بينما موظفة – زميلة – منشغلة بالبلوفر الذي تشغله، فصاح فيها:

- أنا شايفك وأنا رايح وأنا جاي وأنت عمالة تشتغلي تريكو، مش كده.

ثم خرج من الحجرة دون شيء.

إنني أتحدث عن شقيق فتحي الأبياري لكي أؤكد على أن أخوته كلهم حققوا نجاحات كبيرة في مجالاتهم، وهذا ليس غريباً فقد كان والدهم الأستاذ حسين أحمد الأبياري أستاذا للكيمياء والطبيعة في كلية الهندسة بجامعة الإسكندرية.

ومؤلفات فتحي الأبياري متعددة الجوانب فقد أصدر ست مجموعات قصصية وعددا من الروايات منها: "رحلة خارج اللعبة" و"أرنب كالآخرين" و"رحلات حب سرية". ودراسات صحفية وسياسية، خاصة أنه حصل على درجة الامتياز في الماجستير وكان موضوعها "الرأي العام والصحافة الإقليمية وأثرها في التنظيم السياسي" عام 1968. وله الكثير من الكتب في الدراسات الأدبية والنقدية وكتب في الفكر الإسلامي وكتب في الرحلات. وهو متعدد المواهب والاهتمامات، درس اللغة الإنجليزية والفرنسية واللاتينية والتركية والعبرية، كما درس الآثار الإسلامية.

نقطة أخيرة لا بد أن أذكرها، وهي ما كتبه الناقد الراحل محمد محمود عبدالرازق في كتابه " فتحي الإبياري .. الفطرة والإصرار" إذ يقول: "ويشكو الإبياري – أحيانا – من تنكر الأدباء له في كهولته". وهذه حقيقة واضحة، فالعديد من الكُتاب الذين وقف الإبياري معهم في أول حياتهم، وآزرهم حتى حققوا نجاحات كثيرة في فن القصة والرواية، تخلوا عنه، لكن فطرة فتحي الإبياري السليمة والرائقة والطيبة، تجعله سرعان ما ينسى كل هذه الهموم، ولو عادوا إليه ثانية لحاول أن يساعدهم ثانية.