فتحية النمر: القراءة وقود الكتابة وزادها الضروري

الكاتبة الإماراتية تؤكد أن الكتابة هي الدواء، والحصن الحصين من الأدواء والأزمات ومفاجآت الحياة.


البعض يشقى للعثور على تجلِّيات مفردات حياتية مهمة، وغالبًا ما ينتهون في مواجهة الضياع، حيث يتعثَّرون بنتائج لا تمتُّ للحقيقة بصلة


للمكتوب كلمة مغايرة، كلمة رعدية في بعض الأحيان، زلزالية تخسف كلمة تخرس العالم كله

تساءلت الكاتبة الإماراتية فتحية النمر: ما جدوى أن نفوز بالدنيا، ونخسر أنفسنا؟ السؤال الذي خامر خاطر "منى" بطلتي الأولى في مشوار الشغف، وطرحته على نفسها في لحظة فارقة من عمرها وعمر الزمن، وعلى ضوئه أصبحت واحدةً أخرى لا تشبهها؟
وقالت: مثل "منى" الملايين، كل منها يصلح نموذجًا للإنسان السائر في عماه وغيِّه، والموغل في سلبيته، "منى" المستكينة والمنحنية لرؤى الجميع، وأحلامهم وتطلُّعاتهم، دون أن تعبأ مرة بأحلامها وتطلعاتها المشروعة والمتاحة لملايين البشر.
من حق الجميع أن يفعلها، ولكنها ستكون أم الجرائم، وعلى رأس التمرد، وفوق قمة الجنوح، عندما تفكِّر هي في امتطاء الأحلام سبيلًا إلى الجدوى والانسجام مع الذات. 
من الذي نصَّب نفسه حكمًا عليها، وعلى أمثالها من السائرين في دروب الجحود في حق النفس مقابل إسباغ النعم على العالم، والتضحية براحة النفس؟
من الذي وسم تلك الأحلام والتطلُّعات الحلوة والصافية ببعبع لا يمكن الاقتراب منه، ولا الالتفات إليه؟ 
حتى بالتنصُّت الخفي والخجول على صدى همسه أو أنينه، ولو من بعيد؟
هي أصداء ترن في أعماق قلقة، ضُرِبَت حولها أسوار من كتمان.
مفارقة:  

Cairo forum for creative fiction
أشتغل بمبدأ العمل اليومي أو الكتابة اليومية

كلما نجحت في قهرها وخنقها وذبحها، وأبصرت الدماء تنزف من جسدها المسجَّى انتفخت أوداجها فخرًا، وتهلَّل وجهها زهوًا وانتصارًا.
أزفت الساعة، ودقت رنتها الزلزالية، هزتها وأرعشتها، صلبتها أمام نفسها تحديدًا هذه المرة، ولوَّحت بسؤالها المغلَّف ببقايا ذعر مزمن:
ما جدوى أن نربح الدنيا، ونخسر أنفسنا؟
منذ ذلك الحين راحت تفتش عن مكانتها وعن موقعها في خريطة الجمال الأنثوي، تلك الخريطة التي بلغت بتطوُّراتها آفاق المجهول.
تبعه سؤال آخر: أين هي من خريطة السعادة، هل لها موقع قدم؟ الخلاصة أن "منى" ليست سوى قرينة للشقاء.
ولكن الشقاء لن يكون شقاء طالما كان بعيدًا عن منطقة حمراء مشتعلة مغطاة بهالة من التخويف، منطقة تتخذ لها من الأعماق مقرًّا، تختزل حروفها في كلمة واحدة هي الوعي. هي الشرارة الأولى، ولأن لبعض الشرارات خاصية إيقاظ جمار متكوِّمة تحت الرماد، منتظرة اليد أو الفم يمسح عنها الرماد، فقد أعقبت الشرارة شرارات.
وتتساءل النمر مرة أخرى خلال شهادتها الأدبية بالجلسة التي شاركت بها ضمن جلسات ملتقى القاهرة الدولي السابع للإبداع الروائي: لماذا يعتاد البعض الكذب والمداراة ولو على حساب سلامة الأرواح؟ الكذب الذي يجعلهم وجهًا مشرقًا في عيون الآخرين وفي مراياهم، وكأنهم الأقمار المعلقة في عنان السماء، غير أنهم ليسوا أقمارًا بعين الحقيقة، ليسوا سوى أحجار وصخور مسنَّنة مريبة، تخدش الذوق السليم والفطرة الندية.
عندما يكون المرء عالمًا بحاله، فالأمر حينها في قمة البشاعة، وعندما لا يكون عالمًا فإن البشاعة تعظم.
لماذا نكذب؟ لماذا نجامل؟ لماذا نتقاتل لنبرز وجهًا مشرقًا لنا، وما هو بمشرق؟
فلو كشط بأقل القليل من الجهد والحك لبرز من تحته جلد أكثر قبحًا وغلظة وسماكة من جلود القردة والتماسيح.
وعن روايتها الثانية "للقمر جانب آخر" قالت النمر: يشقى البعض للعثور على تجلِّيات مفردات حياتية مهمة، وغالبًا ما ينتهون في مواجهة الضياع، حيث يتعثَّرون بنتائج لا تمتُّ للحقيقة بصلة.
خلف بطل (طائر الجمال) ضحية الوعي الزائف بالجمال الذي اختصره كملايين البشر من الرجال والنساء في شرطين لا ثالث لهما: امتلاء الجسد ووضاءة اللون والبشرة، أما غيرهما من الصفات والخصال فإلى الجحيم. 
عدد كبير لا يحصى من الذكور تحديدًا في عالمنا، وفي كل عالم ليس من شأنه أن تكون الملهمة الموعودة حكيمة ومدبرة و، و، المهم أن تكون ربة للحسن المصور في قاع الجمجمة الفارغة.
ولأن تعريفه غارق في الأوهام والنقصان، كان عليه أن يذوق التيه والاضطراب، ويضحي باستقراره، وباعتراف أفراد أسرته به أبًا وزوجًا، لم يدخر أي منهم وقتًا ولا جهدًا للإيفاء بحقه.
تخبطًا طويلًا كان مصير خلف، لم يضع له حدًا إلا ردود أفعال من يعيل، وكلها يستحيل إلى سؤال من ميسم كوى به وعيه:
هل تتوفر أنت على ما تفتش عنه؟
ألم يخطر ببال ذكائك أن لغيرك شروطًا قد تكون أكثر صرامة من شروطك؟
وفي رأيها: أن دور الكتاب يبرز بإهداء بني الإنسان خلاصات التجارب والمعارف والثقافات، ومعها عصارات الحيوات وزهورها التي خاضوها في الحقيقة وفي الافتراض، انطلاقًا من أن في إسعادنا لغيرنا إسعادًا لنا.
 (ثلاثية) اختلفت الشخوص والأحداث فيها، وعزفت لحنًا واحدًا: في الوعي الحقيقي تكمن السعادة، وبالوعي الزائف نعانق الشقاء، والتغيير متاح مهما طال الضياع والغباء.
وتمتد تجربة فتحية النمر إلى فضاء مغاير أو تنويعة من تنويعات الحب اللامشروط، هذه المرة في صورة ضربة قاصمة لرمز الحب التاريخي الخالص والصافي الذي لا يسكن إلا قلوب الأمهات. لكن ليس كل الأمهات.
فقد تكون الأم ضحية الجهل، يتأجج صدرها بمشاعر عميقة في السلبية، قوامها الكراهية والقسوة، وبدل أن تسكبها في أراضٍ تستحقها تضل الطريق، وتحقن كل تلك السموم في قلب ابنتها البريئة.
لا لذنب اقترفته، بل لأنها صورة شكلية مصغرة للأعداء.
الابنة التي ربَّتها على ضرورة استحقاقها الشعور بالدمامة والقباحة والجزاء العادل، وما هو بعادل.
من دون سبب، وكيف يكون السبب، وماذا عساه يكون، وهي ذاتها تجهله؟
لولا أن للمكتوب كلمةً مغايرةً، كلمة رعدية في بعض الأحيان، زلزالية تخسف كلمة تخرس العالم كله، واضعًا بصمته في شكل مأساة نادرًا ما تستوعبها العقول والأفهام. 

الإنسان هو الإنسان فيما منحه الله من طبيعة وغرائز، ولكن في بعض الأحيان يتميز البعض بالمواهب والملكات.
وتقول فتحية النمر: من نافلة القول: إن لكل منا عينين، هما النافذتان على العالم لسبر أسراره وشفراته وألغازه بشكل محدود، لا على غرار زرقاء اليمامة. لولا أن هناك من حبته الطبيعة ثلاث عيون، العين الثالثة هي مكمن الفرادة والتميز.
هي التي يوكل إليها أمر إبصار اللامرئي، وكشف أوراق اللامسموع.
خاصية تكتب للبعض جزاءً وفاقًا، وعطاءً لم يأتِ من فراغ أو من دون مقابل.
استبطان ما يحاك ضدنا في أماكن مجهولة، وكأننا في قلب المشهد نرتدي طواقي الإخفاء، فنرى ونسمع من حيث لا نرى ولا ندرك.
نضع أبصار القلوب على المكائد والمصائب التي تباغتنا من لدن الشيطان، مغرقة أرواحنا المسالمة في وحول الاضطراب والضجيج لوقت يقصر أو يطول.
مزنة في "النافذة والحجاب" تتصدى لمن يقف بالمرصاد في طريق سعادتها المتأخرة، وتعيد الاعتبار لها ولحبها الصادق، وتستعيده من براثن الأشرار، عندما تدرك بوساطة (الأحلام والرؤى) عطايا الرب الوهاب. 
ما يحدث وراء ظهرها، وتقبض بيد من يقين، وقلب من حديد على أسرار دهشتها وحيرتها.
عين مزنة الثالثة هي التي وقفت في وجه الحجاب والسحر مبطلة مفاعليهما.
للأدب دور فاعل في جعل الحياة أكثر إشراقًا، وتلوينها بالفرح والسعادة، وإلا فلا قيمة له. إنه محض كلام عابر في فضاءات عابرة! على قول محمود درويش. 
سلسلة من الروايات، لكل واحدة منها بذور وأسباب مختلفة ولحظات، فجرتها في شكل أفكار ومواقف وحالات ومشاعر بارقة في الرأس، وبخلطها ومزجها بالخيال أخرجت في شكل سرد طويل.
سيف وكولاج وفتنة الداعية.
روايات أنجزتها هي الأخرى، في فترة زمنية قصيرة نسبيًّا لا تزيد على العقد الواحد.
ذلك لأنني أشتغل بمبدأ العمل اليومي أو الكتابة اليومية. 

Cairo forum for creative fiction
في كل عام أنجز نصًّا جديدًا

وتعترف فتحية النمر بقولها: لكل واحدة من رواياتي فكرة ومغزى وهدف. لا أقتنع بفكرة الفن للفن، أنا من معتنقي الفن للحياة.
وتقول: في كل رواية أجرب طريقة جديدة وأسلوبًا مغايرًا، وطوال عملية الكتابة أكون في تحدٍّ مع اللغة بالدرجة الأولى، كي أجعلها مطواعة.
أحب اللغة البسيطة البعيدة عن الإغراق في الشعرية على الرغم من عشقي للشعر، وقراءاتي المستمرة له، لكنني أومن بأن لكل جنس أدبي ثوبًا يخصه، وإن كنت لا أمانع الاستعارة الخفيفة بأن أطعم جملي ومفرداتي بالجمالية الشعرية.
في "كولاج" وفي "فتنة الداعية" جرَّبت تقنية تعدد الأصوات.
شخصيات لكل منها مكانة ومنزلة عندي، عملت على استنطاق كل منها على حدة، بلسانها وطريقتها.
وتقول عن روايتها الجديدة: عملي الجديد هو عن (لا محدودية عالم الحب)، وعن انتفاء الحدود والحواجز في لغة الحب وفق قاموس المحبين. عاشقان، أحدهما من الوطن الإماراتي المحافظ والحالم في حدود، وشخصية بعيدة من خارج التراب والحدود، شخصية من الصين التي اعتبرها النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) في زمانه مثالًا للبعد المكاني.
لماذا تغرم الصينية بالإماراتي؟
لأسباب كثيرة معروفة، ولكن ما سر انجذاب الإماراتي للصينية؟
لأنها ملأى بالحكايات والأسرار والألغاز، لأنها شهرزاد العصر، مالكة زمامي الحكي والسرد، ومن منا لا يقف عاجزًا أمام سطوة الحكي وشهوة القص؟
وعن لجوئها لكتابة القصة القصيرة أوضحت الكاتبة الإماراتية: الفن الصعب لاشتراطاته التي قد تكون عسيرة على من اعتاد البوح والانطلاق والتسكع في فضاءات الرواية الواسعة الرحبة. في البدايات لا أفكر في القصة أبدًا. ولا أعرف السبب، لكنني بمرور الزمن وباستغراقي في كتابة سلسلة من الروايات كان لا بد من التجريب، وبالفعل كتبت، وأنجزت عددًا من المجموعات القصصية المتدرجة في الحجم.
المجموعة الأولى عنوانها "هي ولا أحد" عددها عشر قصص، ثم "القبو" وتتضمن 22 قصة. المجموعة الثالثة هي "أسرار الجدة" 18 قصةً طويلةً بعض الشيء، وكأنها تقترب من الرواية القصيرة.
وعن علاقتها بأبيها أوضحت فتحية النمر ما قاله لها: منذ طفولتك كنت مختلفة واليوم، هو ذا، مشيرًا إلى القلم، كنزك، احرصي عليه، ولا تخبئي ما يمنحك إياه، شاركي فيه العالم.
قالها لي أبي ذات حضور لم يغب رغم الغياب.
أبي قال لي كل شيء، وعلمني كل شيء، ولم يضن عليَّ بشيء.
إن مفردة الأب عظيمة وواسعة تجلياتها وألوانها وفيوضها ومشاربها، مفردة أعظم من الكون كله، وأبي واحد من باقة الآباء، ومن أولياء الرحمة والحب الصافي، ولكن من المؤكد أن هناك آباء لم يقولوا كل شيء.
هو من أهداني الفكرة الجديدة لكتاب جديد، جاء ميلاده متزامنًا بتوقف نبض أبي وأنفاسه.
كان الكتاب محل الاحتفاء في معرض الشارقة للكتاب في دورته الماضية.
نبيل الشاب المندفع والطموح المنقاد للشيطان المتلاعب به كورقة هشة في قبضة سلطانة الغواية. واقع في فخاخ فاتنة من طراز آخر. فاتنة أطلَّت من وراء الحدود، نسفت كل ما علمه، وقاله له الأب الجليل الذي في غمرة النسيان والانشغال بالحياة، لم يلقِّنه أبجدية التعامل الناجح مع الفلس برنينه الساحر للجميع من ذوي النفوس الرهيفة والغليظة على السواء، فوقع أسير كارثة كادت تقلب عليه الطاولة، وتجر معه كل من تركهم الأب الراحل في حمايته متوسمًا فيه صورة ثانية منه. 
وتشير فتحية النمر – في شهادتها - إلى أن الحب طائر خرافي عظيم، الحب عنقاء باسطة جناحيها على الريح في انتظار همسة أو نبضة أو رعشة للانطلاق والتحليق نحو الأمداء والأطراف القصية. الحب رهن الإشارة لمن خطر له أن يرضع قطرات من الدهشة، ويعلك حفنة من الملح.

أما عن القراءة فهي بالنسبة لها: وقود الكتابة وزادها الضروري. لذا أرى القراءة المستمرة والمتواصلة للروايات والقصص والشعر والنقد زاد الوصول إلى الأهداف المرسومة، بمعدل روايتين وكتاب شعري وآخر نقدي في الشهر. تليها في الترتيب الصحف اليومية، الأعمدة اليومية لكتاب وشعراء وباحثين مرموقين عندنا في الإمارات ودول الخليج والوطن العربي، ففيها مخزون ثقافي ومعرفي فضلاً عن المتعة.
وعن ألوان الباقة الروائية التي تختارها النمر: الروايات العالمية تحديدًا أدب أميركا اللاتينية التي أخذت بأسلوب عمالقته الذين يعرفون متى يكونون روائيين، ومتى يكونون شعراء، ومتى يكونون قصاصين، ومنها عرجت على عمالقة الأدب العربي: نجيب محفوظ، وعبدالرحمن منيف، وحنا مينه، وإبراهيم عبدالمجيد، ومن المغرب العربي: محمد شكري، وواسيني الأعرج، والطاهر وطار، والطاهر بن جلون، والقائمة طويلة.
أما بالنسبة إلى الأدب المحلي ففي غاية الأهمية متابعة التجارب الإماراتية قديمة أو حديثة، أعني مؤسسي الرواية والقصة، وللكتاب الشباب، لأقوِّم تجربتي، وأعرف موطئ قدمي ومكاني في خارطة الإبداع المحلي، فأنا من ضمن الخمسة الأوائل في الأصوات الروائية البارزة. وإن كنت أتميَّز عن الجميع في أمرين:
بدأت بالرواية. وأنا غزيرة الإنتاج، في كل عام أنجز نصًّا جديدًا. وصاحبة مشروع ثقافي واضح المعالم. والكتابة هي الدواء، والحصن الحصين من الأدواء والأزمات ومفاجآت الحياة.