فتاة من ليبيريا: لأحمد فضل شبلول

اللوحة من أعمال الفنانة التشكيلية إنجي أفلاطون (1924 ـ 1989)

رنَّ في حقيبة يدها هاتفها المحمول، أخرجته وقامت بالرد على الطالب، ثم أغلقته وأمسكته بيدها، كان جهازا أحمر صغيرا للغاية، أعجبني شكله. سألتها عن ثمنه، فقالت: أربعون يورو. (ترجمتُ الرقم على الفور إلى عملة مصرية، فكان أقل من مائتي جنيه مصري). قلت لها: إنه رخيص جدا، ثم أردفتُ: ولكنه شيك، لم تعلق على العبارة الأولى، ولكنها ابتسمت عندما قلت الثانية، فقالت: مِرسي.
لم أدر ما الذي جذبني في تلك الفتاة السمراء النحيلة ذات التقاطيع الهادئة، التي كانت تجلس بجواري في الأتوبيس المتجه من سان ميشيل إلى جارد ليست، حيث أقيم في باريس.
قررتُ أن أمضى في الحديث معها، ووجدتُ لديها الرغبة في ذلك، خاصة أنها حدثتني بالإنجليزية، فمضينا نثرثر قليلا، ونتحدث عن باريس وأحيائها ومحلاتها، ثم سألتها عن بلادها فقالت لي: من ليبيريا. (لم تكن واضحة أمامي خريطة ليبيريا، وأين تقع على وجه التحديد، وإن كنت أعرف أنها بلد إفريقي). سألتها: ماذا تعني كلمة ليبيريا؟ أجابت: ليبيريا كلمة لا تينية معناها: مكان الحرية.
قدمتُ لها نفسي دون أن تسألني: وقلت لها: أما أنا فمن مصر. قالت بدهشة: مصر؟ قلت: نعم. وانتظرتُ أن تضيف شيئا بعد ذلك، ولكنها لم تضف. يبدو أنها تنتظر أن أضيف أنا. فأضفتُ: من الإسكندرية؟ فكررت الدهشة نفسها وعقبت: الإسكندرية؟ فقلت: نعم. وانتظرت أيضا أن تضيف كلاما جديدا. ولكنها أيضا لم تضف. ظننت أنني أتطفل عليها، فجربت السكوت. بعد هنيهة صمت سألتني: وأين تقيم في باريس؟ فقلت لها: في جاردليست. قالت: أنا أيضا أقيم هناك. (قلت في نفسي هذا تقدم جيد في المحادثات المصرية الليبيرية).
عقبتُ: إذن من الممكن أن نلتقي هناك لنكمل حديثنا.
ضحكتْ وقالت: وماذا نفعل الآن؟ نحن نتحدث معا.
فقلت لها: يعني .. بعد ذلك؟
اقترب الأتوبيس من جاردليست، لمحتُ الفندق، وقلت لها: هذا هو الفندق الذي أقيم فيه؟ لم تنظر إليه. كانت تستعد للهبوط. لوحت بيدها قائلة: باي .. باي. رددت عليها: فرصة سعيدة .. باي .. باي.
تجولتُ قليلا قبل الذهاب إلى الفندق، وأنا أفكر في تلك الفتاة الأفريقية هادئة الملامح، ذات السمرة الكاكاوية الجميلة الموحية. هل سأراها ثانية في باريس؟.
بعد حوالي عشر دقائق، وعلى الرصيف المقابل للفندق، رأيتها تسير معلقة يدها في يد شاب فرنسي أبيض. لمحتني، فأشارت لي، وفي طريقها نحوي، تحدثتْ إلى الشاب الذي بجوارها، فصوَّبَ نظره نحوي. قلتُ في نفسي: "دع الأمور تسير .. وسأرى ماذا يريدان مني؟ وعموما أنا الآن بجوار الفندق .. فإذا حدث أي مكروه لي .. فسأجري إلى زملاء الرحلة المصريين، وأنادي على صديقي حسن الأشقر، ليساندني، خاصة أنني لم أتجاوز حدود الأدب واللياقة في حديثي معها".
عندما اقتربتْ مني، عرفتني على الشاب الذي يقف بجوارها: وقالت مبتسمة أقدم لك زوجي. شددتُ على يديه، بعد أن تنفستُ الصعداء، وقلت له: مرحبا. ابتسم لي، وقال بالعربية المتكسرة: أهلا. ضحكتُ وقلت لهما: تفضلا اشربا شايا في الفندق. ابتسما وشكراني، ومضيا في طريقهما. ودخلت أنا الفندق، محدثا نفسي بأن الذوق الفرنسي والذوق المصري متقارب جدا، وخاصة عندما يكون الموضوع أفريقيا.
عندما عدتُ إلى الإسكندرية، قررت أن أعرف شيئا عن ليبيريا، فوجدتُ ـ في المراجع ـ ما يلي:
تقع جمهورية ليبيريا على الساحل الغربي المطل على المحيط الأطلنطي لقارة أفريقيا.
عاصمتها مونروفيا.
تحدها «غينيا» شمالاً، و«سيراليون» من الشمال الغربي، و«المحيط الأطلسي» جنوباً، و«ساحل العاج» شرقاً.
اكتشفها الملاحون النورمانديون في القرن الرابع عشر، وارتاد البرتغاليون شواطئها في القرن الخامس عشر للميلاد, ثم تبعهم التجار الفرنسيون والهولنديون والإنجليز.
أما تاريخها الحديث فيعود إلى عام 1821 عندما هبط سواحلها، من على متن إحدى السفن، نفر من الأرقاء الأمريكيين المحررين. وكان ذلك مستهل تجربة أريد بها إعادة توطين الأرقاء السابقين في أرض آبائهم وأجدادهم. وقد عرفت منذئذ باسم ليبيريا المشتق من لفظة liber اللاتينية التي معناها (حر). ثم تحولت إلى حكومة مدنية، ثم أعلنت استقلالها عام 1847. فكانت بذلك أول دولة إفريقية تنعم بالاستقلال. ومنذ ذلك الحين تعاقب على حكمها 17 رئيسا، وحتى عام 1944. ثم انضمت إلى الأمم المتحدة عام 1945.
من سنة 1944 وحتى 1981 تناوب على حكم البلاد رئيسان هما: وليام توبمان ووليام تولبيرت. تلا ذلك انقلابات عسكرية أطاحت بالحكم لصالح الجيش، إلى أن تولى أموس سوير، رئاسة البلاد عام 1990.
مساحتها.99.067 كلم2.
عدد سكانها:2.771.901 نسمة.
أهم مدنها: مونروفيا.
دياناتها: 70% معتقدات محلية، 20% مسلمون، 10% مسيحيون.
لغتها الرسمية: الإنجليزية
عملتها: دولار ليبيري.
متوسط دخل الفرد: 900 دولار.
ثروتها الحيوانية: الماشية.
محاصيلها الزراعية: المطاط، والأرز، والموز، والمنيهوت، والبن، والكاكاو، والحمضيات، والمنجا، وجوزة الكولا، والأناناس.
ثروتها المعدنية: الحديد الخام، والذهب، والماس.
صناعاتها: الصابون، والآجر، ومواد البناء، والأثاث، والأحذية.
صادراتها: المطاط، والحديد الخام، والماس، والبن.
لم تذكر المراجع أن الكاتب قابل في باريس امرأة ليبيرية ذات سمرة كاكاوية جميلة موحية، نسي أن يسألها عن اسمها، كما أنها لم تسأله عن اسمه، كانت تجلس بجواره في الأتوبيس، من محطة سان ميشيل وحتى جارد ليست، وأنه كان معجبا بهاتفها المحمول ذي اللون الأحمر، وأنها كانت متزوجة من فرنسي أبيض، يعرف قليلا من العربية.

أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية