فاشية المسلمين ام فاشية راس المال

بقلم: كاظم محمد

وصف الرئيس الاميركي جورج بوش المسلمين بانهم ينتمون الى عقيدةٍ استبدادية، وقال عن اولئك الذين يشنون عمليات ارهابية بانهم "فاشيست". ولئن كانت الهجمات التي تطول المدنيين لخدمة اغراض سياسية، هي اعمال تستحق الادانة والتنديد، فان الجرائم التي ترتكبها الولايات المتحدة واسرائيل ضد المدنيين لخدمة اغراض سياسية، هي بدورها ارهاب ليس اقل بشاعة، وهي بنفس الوقت تعبر عن نزعة فاشية، اصبحت سمةً مميزة لمجمل السياسة الاميركية واسرائيل ضد المسلمين، الذين صار ينظر اليهم بصفة جماعية على انهم ارهابيون، وان ابادتهم هي عمل من اعمال "الخير ضد الشر".
في الواقع ان فاشية سياسات الطغمة الاميركية الحاكمة، لاتستمد عنفها من ايديولوجية توراتية متطرفة فحسب، بل من طبيعة مصالح طغمة راس المال واهدافها وطموحها العولمي.
من المعروف ان الراسمالية كمرحلة متقدمة من مراحل التطور الاقتصادي للبشرية قد حققت سبقا وتقدما في عدد من المجتمعات الاوربية خلال القرنيين الماضيين، وبسبب من طبيعة الراسمالية وقوانينهاالاقتصادية وتفاعلاتها، دخلت في ازمات اقتصادية عميقة وعنيفة، لم تجد مخرجا لها الا بتصديرها خارج حدودها الجغرافية وباشكال مختلفة، كانت ابرزها واشدها عنفا هي الحربين العالميتين الاولى والثانية.
لقد اندلعت هذه الحروب تحت عناوين وشعارات وادعاءات في حقيقتها بعيدة كل البعد عن الاسباب الحقيقية لاندلاعها، ومن خلال ارتباط هذه الاسباب بالازمة البنيوية للراسمالية وطبيعة علاقات الانتاج السائدة في مسيرتها التاريخية، والتي تشير الى مرحلة جديدة من مراحل الارتقاء البنيوي، ليس في هيكلية محددة وانما في جوهر العلاقة الاستغلالية التي تحكم هذه الازمة البنيوية، ومع ترافق ذلك في انقسامات عميقة في المجتمع الدولي كنتيجة طبيعية لصراع طويل بين من يستغل ومن يُستغل، وبرزت على خارطة الحياة السياسية دول وشعوب تنتهج نهجا مستقلا وجديدا، عبر محاولاتها بناء نمط اقتصادي سمي بالنمط الاشتراكي، لم تكن ملامحهُ وتطبيقاته معروفة سوى بجانبها النظري، وبرزت كذلك شعوب اصبحت تناضل وتصارع من اجل التخلص من الهيمنة الاستعمارية المباشرة والهيمنة الاقتصادية.
وارتباطا بطبيعة هذه الازمة البنيوية للراسمالية، فان قدرة الراسمالية كنظام اقتصادي مع مناورة قمة هرمه السياسي بتجاوز بعض الهوامش في هذه الازمة او القفز عليها او تدويرها، وارد في ظروف ومناخات دولية معينة والتي لاتلغي جوهر هذه الازمة ولا طبيعة الصراع بين التوجه الاستغلالي للراسمالية وتوجه الشعوب نحو التحرر الاقتصادي والتخلص من الاستعمار المباشر والغير مباشر والهيمنة السياسية وسعيها لبناء انظمتها ذات التوجه المستقل.
اتخذ ويتخذ الصراع بين الدول الراسمالية وكارتلاتها الكبرى من جهة وبين شعوب البلدان المكافحة من اجل التحرر والبناء والديمقراطية من جهة اخرى، اشكالا وانماطا مختلفة، مرتبطا بطبيعة المرحلة السياسية وتوازن القوى وجغرافية المناطق العالمية والموارد الطبيعية، وهذا ما يحدثنا عنه التاريخ القريب لبلدان وشعوب كرتنا الارضية.
فبعد الحرب العالمية الثانية دخلت الامبريالية الاميركية بقوة الى الساحة الدولية، بعد ان ازيحت بريطانيا التي كانت لها اليد الطولى في هذا النظام العالمي، وخاصة بعد ان خرجت منهكة من الحرب، ليسود استخدام النفط بدلاعن الفحم ولتحل الاسلحة الفتاكة محل المدفع والبارجة، واخذت القواعد الاميركية تنتشر لتحل محل المستعمرات البريطانية وبنفس الوقت صعد نجم الدولار ليحل محل الجنيه وليصبح رمزا لقوة جديدة عسكريا واقتصاديا.
لقد افرزت الحرب نتائجها باصطفافاتها المعروفة وتفصيل سياساتها الدولية والعسكرية في ظل نفس النظام الراسمالي لكن بترتيب عالمي جديد ازاح مؤقتا الهيمنة الامبريالية وخلق قطبا منافسا ومتحديا، صدّ وحدّ من المارد الامبريالي وشهيته في السيطرة والاستغلال.
لقد ولدت الامبريالية من رحم الراسمالية وقوانينها الطبيعية، لتحد من المنافسة الحرة كقانون اقتصادي راسمالي، بدا يتلاشى، ولتدخل الراسمالية مرحلة جديدة هي الاحتكار والتكتل وخلق الكارتلات التي تتحكم في السوق وعلى نطاق واسع ولتخلق وتولد بنفس الوقت قيمها الاجتماعية الجديدة وقوانينها الوضعية الحديثة ولتؤسس لسياسات دولية تعكس شراهة وشهية راس المال للربح والسيطرة.
وخلال هذه المرحلة التي لازلنا نشهدها تداخلت وتشابكت الدولة كمؤسسة مع الكارتلات الكبرى واصبح اصحاب المصالح هم المسيرين لشؤون وسياسة الدولة الامبريالية، وبذلك اصبحت الدولة تمثل وتعكس المصالح الحيوية لهذه الطغمة الاحتكارية واداتها وعصاها الغليضة في تاديب "الدول المارقة" لوضعها على "سكة الديمقراطية"، وتماشيا مع هذا النهج الامبريالي، صاغت مؤسساته الاقتصادية والثقافية والفكرية والاعلامية الهائلة المسوغات الايديولوجية والقيم الاجتماعية ومفاهيمها لتضخها في الخطوط العامة والجزئية لسياسة الدولة الامبريالية المعبرة عن مصالح طغمة راس المال والتي ارتضت مجبرة بما افرزته نتائج نضال شعوب الكثير من البلدان في الاستقلال ونهج طريقها الخاص بعيدا عن الهيمنة والتسلط، ومترافقا مع التوازنات الدولية الجديدة اثر الحرب العالمية الثانية وبروز القطب العالمي الجديد.
فرضت سياسة تعدد الاقطاب وضعا دوليا جديدا وسياسةً دولية مختلفة مهدت الطريق لتفاهمات بين الاقطاب ضمن اطار الصراع المستمر، وقد برزت هذه التفاهمات والترتيبات باقامة منظمات الشرعية الدولية، وُاقرت القوانين الدولية والانسانية لتعبر عن عصر التعددية الدولية في ظل صراع طبيعي بتضارب المصالح الحيوية، فوجهت الضربات لحركات التحرر وعزلت الصين عن الاتحاد السوفيتي وانهارت قلعة "الاشتراكية" لتبدا ملامح عصر جديد لهذا النظام العالمي، الهيمنة فيه لدولة الامبريالية الاميركية، وبذلك برزت المحاولات لترسيخ خصائص هذا العصر الاميركي في مجال السياسة الدولية باسر واستيعاب منظمات الشرعية الدولية واستغلالها لاضفاء الشرعية المطلوبة بحدودها الدنيا لعبث وسيطرة واستغلال الشركات الكبرى عبر دولتها الاميركية وادارتها الممثلة لها.
وحتى تنجز هذه الامبريالية وادارتها السياسية مهمتها في السيطرة واستغلال موارد وثروات البلدان الاخرى، وتحقق اهدافها السياسية، لابد من شرعنة اخلاقية وسياسية وفكرية وحضارية وبيافطات عريضة لعناوين "حقوق الانسان، الديمقراطية، محاربة الارهاب، القضاء على اسلحة الدمار الشامل"، حيث سخرت لها ماكنتها الاعلامية الهائلة والاموال الطائلة والامكانيات التقنية والبشرية الكبيرة، لتهيئ العقول وتخلق الراي العام المتقبل للتحرك القادم لجيوشها وعسكرها، ان الامبريالية في مسعاها الدولي والمحلي هذا، استخدمت وتستخدم التزييف والخداع والكذب وفبركة المعلومات والاحداث، وبنفس الوقت لم تتورع ابدا في الاستخدام الوحشي لاسلحتها المتطورة وممارسة اساليب فاشية في التنكيل والقتل والتعذيب.
لقد كان للارتزاق وخلق جيوش من المرتزقة المنظمة والمدربة للقتل والتنكيل والقيام بالمهمات القذرة صفة لازمت ولحد الان الادرات العسكرية لوزارت الحرب الاميركية، لما لها من اهمية خاصة في العمليات العسكرية والامنية لجيش الامبريالية في تحقيق اهدافها السياسية والاقتصادية التكتيكية والاستراتيجية، وهذا ما برز في حروب الامبريالية الاميركية في فيتنام وبعض دول اميركا الاتينية كالهندوراس وبنما وكوبا ونيكاراغوا وغيرها حيث مارست قطعان المرتزقة عمليلت ابادة وقتل وفاقت في ممارساتها الفاشية كل ممارسات النازية الالمانية، وضربت عرض الحائط كل القوانين الانسانية والتشريعات الدولية فيما يخص حالة الحرب.
ان سعي الامبريالية الاميركية بانشاء جيوش المرتزقة العسكرية ترافق مع ايجاد الاصوات السياسية والاعلامية من ابناء هذا الهدف الجغرافي او ذاك ليكونوا "المُمهد الوطني" لما هو قادم، انهم الطوابير الخامسة السياسية والفكرية والاعلامية، التي رباها وسمنها وثقفها هذا الوحش الامبريالي لتكون "اداته الوطنية" في تنفيذ سياسته وخدمة مصالحه، وهذا ما نراه ونشهده في افغانستان والعراق.
ان الفاشية هي بحد ذاتها ممارسةً ينميها ويدعمها مسلك ونهج فكري يستند على المصالح الطبقية والاجتماعية للقائمين عليها، ويشهد تاريخنا القريب بان الامبريالية واداراتها السياسية لم تتورع ولن تتورع اليوم بارتكاب الجرائم الكبرى لؤد ضدها الطبقي والسياسي لو وقف في طريق جشعها الراسمالي، وعليه فان الامبريالية مستعدة لسحق القيم والمبادئ الانسانية وممارسة الدجل السياسي وخلق الاوهام واستخدام اقرف واحط الوسائل القذرة والكذب على شعوبها وشعوب العالم مستخدمةً امكانياتها الهائلة ومستفيدةً من كونها القطب الاقوى بعصاه الغليظة ومستعدةً لتدك باسلحتها المتطورة ، المدن وتقتل الالاف وتغزوا البلدان ولتمارس هناك ابشع الممارسات الفاشية بعزل السكان ومحاصرة المدن وامتهان كرامة الانسان وحريته، عبر زج الالاف وراء الاسلاك الشائكة واستخدام اقذر وسائل التعذيب النفسي والجسدي وهذا ما شهده ويشهده العالم في العراق والشواهد والادلة تحتفظ بها مدن وشوارع العراق وسجونه القديمة والجديدة ومقابره التي توسعت بمئات الالوف من اجساد العراقيين.
لقد ارتكبت ادارة بوش وتابعه بلير جرائم حرب كبرى جسدت فاشية الادارات السياسية للامبريالية، وهي جرائم اقترفتها هذه الامبريالية في اليابان وفيتنام وافغانستان وفلسطين،
لقد كان لبنان وما يزال احدى العقبات الكبرى بوجه التوسع الاسرائيلي وتمرير مشاريعه الصهيونية السياسية والامنية، واصبح فيما بعد المانع الجغرافي والسياسي لامتداد المشروع الصهيواميركي للشرق الاوسط الكبير، الذي تصورت طغمة الحرب الاميركية، انه باحتلالها للعراق قد ثبتت احد مفاصله الاساسية.
ان تعثر هذا المشروع بفعل المقاومة العراقية الباسلة وغوص الاحتلال الاميركي في الوحل العراقي، اجبر ادارة الحرب الاميركية على الاسراع في انهاء الموانع والعوائق الاقليمية الاخرى في فلسطين ولبنان وتكليف حليفتها اسرائيل بالمهمة المطلوبة وبغطاء سياسي كامل ودعم مادي ومعنوي متميز ووقح وتحت شعار جديد قديم بان ما يجري هو حرب وصراع بين الحرية والارهاب، وبذلك نعيش هذه الايام حرب تدميرٍ وقتل متعمد وانتهاك لابسط قواعد الحروب، ان حروب التدمير الشامل التي شنتها وتشنها الادارة الاميركية وحليفتها اسرائيل ضد الشعب اللبناني ولكسر ارادة مقاومته واجبار لبنان على الخنوع والقبول بشروط رايس لوقف اطلاق النار، هي نفس الحروب التي شنت وتشن على الشعب الفلسطيني والعراقي، وتحت جوهرنفس هذه الشروط يريدون ايقافها لتمرير مشروعهم الامبريالي الصهيوني.
اصبحت فاشية راس المال المالي ودوائره السياسية وربيبتها الصهيونية العنصرية تشكل خطرا عالميا بسلوكها ونهجها، واصبحت ومنذ زمن نازية النزعة، تدوس بالاقدام وتسحق كل القوانين البشرية، ان جرائم العصر الامبريالي الفاشي في هيروشيما وفلسطين وفيتنام والعراق ولبنان، تؤكد ان لاسبيل امام شعوب العالم الا بايقاف هذا الوحش النازي ومحاصرته وفضحه اعلاميا وسياسيا، وتفنيد نفاقه ووقاحته ودجله السياسي، ولا خيار امام الشعوب المغلوبة الا المقاومة والكفاح الوطني. كاظم محمد