فاروق عبد القادر يدخل عالم المغامرة النقدية

مراجعة: أحمد فضل شبلول

أهم ما يحسب لهذا الكتاب، ولهذا الناقد، مواكبته لحركة التأليف الروائي الجديدة، ففارق عبد القادر يتابع أحدث ما أخرجته المطابع من روايات، وخاصة للأجيال الروائية الجديدة في مصر، فيكتب عنها، ويعرِّف القارئ بها، في وقت انصرف فيه معظم نقادنا إلى الكتابة عن الأسماء الراسخة والمتحققة في عالم الفن الروائي.
وكأن فاروق عبد القادر في كتابه الجديد "في الرواية العربية المعاصرة" (290 صفحة) الصادر عن سلسلة كتاب الهلال بالقاهرة (العدد 633) يدخل عالم المغامرة النقدية، فيجوس في بستانها الملئ بالورود حينا، وبالأشواك حينا آخر، مثلما دخل روائيونا الشباب عالم المغامرة الإبداعية، وهو بذلك يعلق الجرس لمن جاء بعده، وينبهه إلى العالم الإبداعي الروائي لتلك الأسماء. * البدءُ دائما بعطر نجيب محفوظ ولكن هل يصح الكتابة عن الرواية العربية، دون البدء بأستاذها وأميرها نجيب محفوظ؟ أو هل يكون حديثٌ في الرواية العربية دون البدء بنجيب محفوظ؟
وعلى هذا يكون الفصل الأول في الكتاب "نفحات من عطر نجيب محفوظ"، وفيه يقسم الناقد عالم نجيب محفوظ الروائي إلى منظومات بدلا من مراحل. ويرى أن "الثلاثية" قمة المنظومة التي تحدثت عن الطبقة الوسطى التي يخوض أبناؤها صراعات متعددة سعيا للصعود وتجنبا للانحدار، فهم يخوضون الصراع بين ما هو مادي وما هو روحي، بين ما هو موروث وما هو مكتسب، بين ما هو قديم وما هو حادث، بين ما هو مرفوض وما هو مقبول. ويلاحظ أن أكثرهم تطلعا إلى ما هو مادي هم الذين يلقون الدمار. * "اللص والكلاب" أربكت النقاد ويرى الناقد أن رواية "اللص والكلاب" 1961 فاجأت القراء، لكنها أربكت النقاد، فيكتب عنها د. عبد القادر القط مقالا بعنوان "اللص والكلاب رواية فاشلة"، ويعلن د. لويس عوض ـ بعد قراءته الأولى لها ـ أنه لن يقربها ثانية إلا حين يتاح له أن يعتكف أسبوعين في مرسى مطروح. بينما يضع يحيى حقي الرواية في مكانها الصحيح.
ويلاحظ الناقد فاروق عبد القادر أن الرواية الوحيدة التي أرَّخ لها نجيب محفوظ هي رواية "الكرنك" التي أرخها بنهاية 1971 وهو يعلن صراحة: "لا أذكر أن نجيب قد أرَّخ عملا آخر". ثم يضيف عن كاتبها قائلا: كان غاضبا وممرورا، وكان صادقا كذلك، وجاءت "الكرنك" شهادته، دون احتفال كبير بالفن الروائي.
وعن "رحلات ابن فطومة" يرى الناقد أن نجيب محفوظ قد اختزل مسيرة التاريخ الإنساني كله في هذه الرحلات.
ويصف "حديث الصباح والمساء" 1987 بأنها "جدارية" هائلة من الشخصيات والأحداث في عدد قليل من الصفحات لا يتجاوز المائتين. وفيها قدم الأستاذ لونا من "التأريخ الفني" لأهم نقاط التحول في مصر المعاصرة، من مجئ الحملة الفرنسية إلى مصرع السادات. * نماذج جديدة ومن نجيب محفوظ إلى نماذج مختارة من الرواية المصرية الجديدة، يبدؤها الناقد ب "عمارة يعقوبيان" لعلاء الأسواني، التي تعكس وجها من وجوه تغير "النخب" المصرية ـ لو صح الوصف ـ من ثلاثينيات القرن الماضي إلى نهايته على وجه التقريب.
ثم يتحدث عن خالد إسماعيل وروايته "كحل حجر" حيث يقدم الروائي واقع الصعيد في أعماله الإبداعية.
ومن أسوان يختار الناقد، أسماء هاشم وروايتها "المؤشر عند نقطة الصفر".
ثم يتوقف عند ميرال الطحاوي التي تأخذنا إلى صحارى الوادي الشرقية والغربية خاصة في "نقرات الظباء" و"الخباء". * نوةٌ ذات طابع مصري خالص كما يتوقف عند نجوى شعبان و"نوة الكرم" ذات الطابع المصري الخالص، مقارنة بمشروع أمين معلوف ذي الطابع العربي الشامل.
أما منتصر القفاش، فمن خلال روايتيه "أن ترى الآن"، و"تصريح بالغياب" يخشى عليه الناقد أن يتحول إلى شئ يشبه الحلوى الهشة التي كنا نسميها "غزل البنات" تنفث في الفم حلاوة ما أسرع ما تتلاشى فلا يبقى منها شئ، وتلك خسارة يظنها فادحة.
أما بطلة رواية "أوراق النرجس" لسمية رمضان، بوعيها المعطوب والدائرة المغلقة من حولها، وهي تتخبط في إسارها، فلا سبيل إلى نجاتها، ما بقيت منخلعة، متخلية عن جذورها، منسلخة عن هويتها التي هي حقيقتها بالذات. * من قنطرة الذي كفر إلى حلاوة الروح ويتوقف الناقد عن رواية "من حلاوة الروح" التي كتبتها بالعامية المصرية صفاء عبد المنعم، مشيرا إلى أن أول محاولة في هذا الصدد، كانت "قنطرة الذي كفر" للدكتور محمد مصطفى مشرفة (شقيق العالم الكبير). ومعرِّجًا على "مذكرات طالب بعثة" التي كتبها بالعامية د. لويس عوض، والتي وصفها الناقد بأنها عمل ركيك ثرثار، لا ينتمي إلى الإبداع الأدبي على أي نحو من الأنحاء. بينما يقول عن "السيد ومراته في باريس" لبيرم التونسي بأنها ليست رواية على الإطلاق. ويرى الناقد أن ظلال "قنطرة الذي كفر" ترتمي على "من حلاوة الروح".
أما رواية "قانون الوراثة" لياسر عبد اللطيف، فيرى فيها الناقد أن الاختلاف القائم بين الجد والحفيد، إنما يكون أكثر عمقا ووضوحا مما يكون عليه بين أي منهما والأب.
وعن رواية "تفاحة الصحراء" لمحمد العشري، يقول الناقد إن لها أكثر من وجه من وجوه التميز، يجعلها تشغل مكانا بين روايات الصحراء في أدبنا العربي المعاصر، خاصة عند أستاذيها الكبيرين: عبد الرحمن منيف وإبراهيم الكوني.
وعن رواية "لصوص متقاعدون" لحمدي أبو جليل، يرى الناقد أن وعي الراوي يختلط بوعي شخصياته، وهما معا يختلطان بوعي المؤلف، فكيف يمكن الحديث عن بناء روائي؟
وعن رواية "سانت تريزا" لبهاء عبد المجيد، يرى الناقد أنها تفيض بالنوايا أكثر ما تحقق من الإنجاز.
وأخيرا يقول عن رواية "لا ظل ولا صدى" لمنال القاضي إنها عمل يعتمد على الإيجاز والحذف، ويتكئ على خبرة القارئ ومهارته في التقاط الخيوط والتمييز بينها، وبقدر نجاحه يتحدد مدى تفهمه وتذوقه للعمل كله. * رأى أشياء وفاتته أشياء يعترف الناقد بأنه رأى أشياء وفاتته أشياء من قراءة هذه "النماذج المختارة". ويخرج ببعض النتائج من خلال ما رآه منها ما يتعلق بحجم هذه الأعمال، أو عدد صفحات كل منها، ومنها ما يتعلق بأصحاب هذه النماذج الذين في أغلبهم مهمومون بالواقع المعيش، ومنها أن نصف هذه النماذج تقريبا لكاتبات لو كان هناك ما يميز كتابتهن عن كتابة مجايليهم من الرجال، فربما أمكن القول إن لديهن اهتماما أكثر بالطقوس والممارسات داخل البيوت، بأكثر مما لدى الرجال. وهذا طبيعي بحكم الواقع الاجتماعي ذاته، وهن ـ من ثم ـ أكثر حفظا وترديدا للمأثور من شعر ونثر، لكنهن يتقدمن ليخضن صراع الحياة، مثل الرجال، ومثلهم أيضا، يلقين فيها من شر وخير، وانكسار وانتصار. * مؤسسة جمال الغيطاني بعد ذلك يتوقف الناقد أمام بعض أعمال جمال الغيطاني الأخيرة من خلال مقالين عنوانهما: رجال ونساء في المؤسسة والخبيئة، وأدب التلسين أو "إياك أعني"! ثم يتساءل: كيف يمكن افتراض الصدق في راويةٍ يهجو "المؤسسة" وهو جزء من صميم نسيجها؟ * مع أعمال مؤنس الرزَّاز وعن أعمال الكاتب الأردني الراحل مؤنس الرزاز يقول الناقد إنها عصية تماما على أي تلخيص أو اجتزاء، ثم هي متمردة على الأشكال التقليدية للرواية. ثم يتوقف عند رواية "متاهة الأعراب"، و"اعترافات كاتم صوت" التي تجئ في صورة هجائية مريرة لزمن القمع والإرهاب، وأنشودة جميلة للقادرين على الصمود. ويعرج على "جمعة القفاري ـ يوميات نكرة"، و"سلطان النوم وزرقاء اليمامة".
ثم يتساءل في النهاية: ما حكاية الروائيين في الأردن: تيسير سبول يطلق على رأسه رصاصة الرحمة، المغترب الأبدي: غالب هلسا يموت غريبا وحيدا مهزوما في مدينة أخرى، وهذا مؤنس الرزاز يتعجل الرحيل؟ * حجاج أدول ومعتوق الخير ثم يتوقف الناقد عند رواية "معتوق الخير" أحدث أعمال الكاتب السكندري النوبي الأصل حجاج حسن أدول الذي يراه فاروق عبد القادر أهم مبدعي النوبة المصريين وأغزرهم إنتاجا، والذي يطمح لأن يقدم صورة الحياة كاملة، وأفلح في تحقيق قدر كبير من طموحه، فقدم لقارئه صورة الحياة في أرض النوب الحافلة بالشخصيات والأحداث والتفاصيل، وسط قوم يصفهم واحدٌ منهم، نابع من قلبهم، فيحسن وصفهم، وفي قلب الصورة: صعود وسقوط طاغية أسود. * مشروع سحر خليفة الروائي بين انتفاضتين ومع متابعة لمشروع سحر خليفة الروائي، يتوقف الناقد عند صورة الحياة الفلسطينية بين انتفاضتين، من خلال "الميراث" في 1997، و"صورة وإيقونة وعهد قديم في 2002.
وإذا كانت هناك فكرة أن أمريكا ستتغير من الداخل، في الرواية الأولى، فإن الرواية الثانية هي رواية القدس: القدس التي كانت والتي أصبحت.
ويختم الناقد حديثه عن أعمال سحر خليفة بقوله: إنها نافذة مهمة مشرعة على الواقع الفلسطيني منذ تنبأ أبطال "عبَّاد الشمس" بالانتفاضة الأولى في 1987 حتى شهد أبطال "صورة وأيقونة وعهد قديم" انبثاق الثانية في أيلول 2000. * أين رموز الرواية العربية في بقية أرجاء الوطن؟ هكذا يطوف بنا الناقد فاروق عبد القادر في آفاق الرواية العربية المعاصرة، من خلال آرائه النقدية، ووجهة نظره الفنية في بعض الأعمال المطروحة على الساحة الأدبية في مصر والوطن العربي، وإن كنا في حاجة إلى المزيد من إلقاء الضوء على روايات عربية (من خارج مصر) أكثر، ففي كتابه الذي نتابعه الآن "في الرواية العربية المعاصرة" لم يتحدث إلا عن الراحل مؤنس الرزاز (الأردن)، وسحر خليفة (فلسطين)، فأين رموز الرواية العربية في بقية أرجاء الوطن العربي؟. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية