فات الأوان على الحب

<b>بقلم: أحمد ولد إسلم</b><p>
رسالة من القلب

بعد ازدحام طويل على شباك المكتبة، أعطاني الموزع الكتاب الذي طلبت، لم يسألني عن بطاقتي، كان شاردا وبين الفينة والأخرى يختلف النظر إلى شيء ما على طاولته، يبدو وردة بلاستيكية أو ما شابه، والطلبة في ازدحام كبير عليه.. لا يبدو مباليا بهم..
دخلت قاعة المطالعة، جلت ببصري فيها، كل الطاولات مشغولة، أعدت النظرة متفحصا كل طاولة على حدة..على كل واحدة يجلس فتى وفتاة، أغلب الفتيات يرتدين ملابس وردية أو زهرية أو حمراء، حتى الفتيان متأنقون.
على بعض الطاولات ورود لا أعرف أنواعها حقيقة.. أنا أحب الورود.. أحبها كلها، تمثل لي الدفء والحب والحنان، لكن لا أعرف أصنافها، لم ألمس وردة قبل العشرين من عمري، بيئتنا قاحلة لا تنبت الحب.
في ركن قصي من الزاوية الشمالية الغربية منضدة صغيرة شاغرة منتصبة في صمت بين كرسيين صغيرين ينظران إليها كأنهما يغاران من بقية الكراسي.. اتجهت صوبهما، وضعت حقيبتي الكسلى على أحدهما وجلست على الآخر، نظر الكل إلي، ربما أنا الوحيد الذي لم أبالغ في التأنق هذا الصباح، .أحب أن أكون على طبيعتي أكره المبالغة في التأنق.. بدأت أتصفح الفهرس، ثم رفعت رأسي..
كانت تجول ببصرها في القاعة كأنها تبحث عن شخص، أو ربما عن كرسي شاغر.. بدت قويمة القد، شعرها الحريري الأسود مسترسل على كتفيها، لمياء، لا تستعمل محمر الشفاه، بعينيها النجلاوين تجول في القاعة، تقابلتا مع عيني، ابتسمت عن در تلأللأ نظمه، كاد يخطف بصري، أسرعت الخطى مقبلة نحوي، كأنها وجدت ما كانت تبحث عنه.. خجلت من إمعان النظر فيها.. شعور كثيرا ما ينتابني حين تتقابل عيني مع عيني امرأة حسناء…
أعدت النظر في فهرس الكتاب.. عبق لم أشتم أحسن منه في حياتي ملأ أنفاسي، استنشقته بإمعان، وكأني أريد التزود منه في وجود سحب الدخان التي تغطي قاعة المطالعة، بابتسامة كفلق الصبح قالت: صباح الخير
- صباح البشر يا وجه البشر
مدت يدها بلطف بالغ لمصافحتي، نظرت إليها وكأني أريد أن أقول شيئا..
أرجعت بهدوء يدها.. أنا آسفة.. هل يمكن أن أزعجك بالجلوس؟
تزعجينني !…بالعكس هذا من دواعي سروري، شرفت المكان، وأزحت حقيبتي عن الكرسي وضعتها بجانبي.
نظرت إليها أحسست بشعور غريب، كم هي ساحرة نظراتها، تسارع نبض قلبي، وكذلك حدث معها، تسارعت أنفاسها.. بضع ثوان والصمت اللذيذ يخيم على المنضدة الصغيرة، وعبق عطرها الفواح يغمر أنفاسي ويدها اليسرى لا تزال خلف ظهرها تخبئ فيها شيئا ما.. فتحنا فاهانا معا.. كأننا نفكر بدماغ واحد.. ضحكنا قليلا..
تفضلي هل تودين قول شيء
تلعثمت قليلا ثم استرسلت.. نعم هل لي أن أسألك سؤالا شخصيا ؟
- بكل سرور
- هل تشعر بالزمن؟
- لم أفهم.. ماذا تقصدين ؟
- أعني هل لبعض الأيام، أو بالأحرى بعض التواريخ قيمة معنوية بالنسبة لك ؟
- بالتأكيد.. هناك تواريخ تبقى في الذاكرة
- مثل ماذا ؟
- عيد ميلادي.. يوم غادرت بلدي أول مرة.. تواريخ أخرى كثيرة..
- ما ذا يعني لك تاريخ اليوم؟
- اليوم.. ؟
- لي شخصيا ؟
- نعم، لك شخصيا ؟
-لا أذكر
-لا شيئ؟..حادثة.. حدث.. مناسبة؟
-آه..اليوم ذكرى اغتيال..
أوه – مقاطعة- .. لا..دعنا من المآسي.. أقصد ذكرى سارة.. هل أهديت أحدا ما وردة في هذا اليوم أو هدية أوشيئا من هذا القبيل ؟
سأتذكر..آه.. نعم في مثل هذا اليوم من العام قبل الماضي اشتريت باقة من الورد لأهديها لزميلي بمناسبة مناقشته رسالة الماجستير
-ألا تذكر شيئا آخر ؟
تأملت قميصها الوردي، وشعرها المسترسل على شالها الأحمر، وهي تنكشه بأناملها الحريرية ، شردت.. تهت في ذا الجمال الباهر،.. نبهتني بقولها :
على العموم هذه لك.. ووضعت على المنضدة الصغيرة علبة مغلفة مربوطة بخيط أحمر وفوقها وردة ندية
لي أنا؟! أنا.. لكن.. بأي مناسبة؟..لماذا كلفت نفسك..؟!
ستعرف حين تفتحها.. ولكن لا تفتحها الآن، حتى تعود إلى منزلك وتكون وحدك، عدني بذلك..
أعدك.. أشكرك.. أنا ممتن لك.. هذا يوم لن أنساه
تنهض.. يفوح عطرها العذب.. استنشقه بإمعان لافت..
- إلى أين ؟ اجلسي لم تمض إلا دقائق..
-أنا مستعجلة.. جئت فقط من أجلك.. بحثت عنك في الساحة، لم أجدك.. خمنت أن تكون في المكتبة..
ابتسمت، رمقتني بنظرة آسرة، وبشفتين مرتعشتين قالت: إلى اللقاء..
شيعتها بنظري وأنا تائه، أرمق قدها الساحر، وشعرها المسترسل على كتفيها.. حتى اختفت خلف سحب دخان السجائر التي تغطي قاعة المطالعة..
نظرت إلى العلبة.. لماذا تهديني علبة؟
أنا أكره العلب… أمقت أي شيء معلب، الأفكار المعلبة أكرهها، السياسات المعلبة أكرهها.. حتى الأرز المعلب أكرهه، صاحب الدكان المجاور صار يعرف ذلك وأصبح يزن لي من الكيس مباشرة.. والحب المعلب أيضا أكرهه، أحس أن التعليب يفقد الشيء نكهته.. أمسكت طرف الخيط الأحمر.. تذكرت.. وعدتها أن لا أفتحها حتى أعود إلى غرفتي.. سأعود حالا..
ولكن لماذا أنا دون غيري.. ؟ أنا لست وسيما، لست متأنقا، لست دميما جدا، ولكني أيضا لست وسيما، أنا أعرف ذلك، لا أعول كثيراعلى شكلي.. لماذا تجاوزت كل الفتيان وقصدتني ؟.. ماذا تحوي هذه الهدية ؟..
أنا لاأحبها.. لا أكرهها، لكني لا أحبها، فكرت مرة في مفاتحتها.. ولكن ما لبثت أن غيرت رأيي.. من الصعب أن ترتبط بأجنبية.. ولكن هذه بداية عامي الرابع معها، لم تحدثني مرة عن الحب، أذكر أنها كانت تسألني عن عادات الزواج في بلدي، ولكن محض فضول..
هل يمكن أن تكون تحبني.. ؟ لماذا لم تصرح بذلك طيلة ثلاثة أعوام ؟
ربما تكون فكرة أخرى.. لماذا ينصرف ذهني دائما إلى الحب ؟
أحكمت إغلاق غرفتي استلقيت على سريري بإعياء.. تذكرت الهدية، فتحت العلبة، ظرف بداخلها ، فتحته، به هدية على شكل كتاب، حين تفتح دفتيه ينطق بفصاحة بالغة باللغة الانجليزية: عيد حب سعيد. وحين تغلق الكتاب يصمت، ومع الهدية ورقة صغيرة، مكتوب عليها بخط رائع "اليوم أعلنت عليك الحب"..احتضنت العلبة قبلتها.. نعم قبلتها.. واستنشقت عبقا انبعث من الورقة الصغيرة.. وبت أحتضنها..
في الصباح دخلت أقرب محل لبيع الهدايا، اخترت منه هدية رائعة، غالية الثمن، طلبت تغليفها، غلفها صاحب المحل ببراعة، كأنه يقرأ أفكاري.. استوقفت تاكسي طلبت منه إيصالي إلى الجامعة، وضعت هديتي على مقدمة السيارة، بجانب وردة ذابلة كأنها قطفت بالأمس..
دخلت الجامعة.. نساء التنظيف يجمعن أكوام القمامة، كلها من بقايا أشرطة حمراء، وعلب فارغة، وورود ذابلة ؛ أغلبها ابلاستيكي، وبعضها طبيعي، كانت إحداهن تدوس على وردة ندية متعمدة بنعلها وتغمغم: لا يعرفون من الحب إلا اسمه..
وأنا أتفرس الوجوه، أبحث في الزحام عن وجهها، عن وجه أريج، أستنشق الهواء بإمعان علني أستدل عليها بعطرها.. وهناك في ركن من الساحة لمحتها.. تقدمت إليها حبورا.. لم أر في وجهها سمة استبشار.. لم أشتم أي عطر.. اقتربت أكثر.. استنشقت بإمعان.. لا عطر.. لا رائحة.. لا ابتسامة.. عيناها غائرتان.. قميصها أسود..كشعرها.. سلمت عليها.. ببرود ردت السلام.. قلت مسرورا : هذه لك، وناولتها الهدية..
قالت بلهجة محلية متكسرة : ماهوش في وقتُ، فات الأوان ،…
غادرتني.. وقفت ذاهلا.. وأنا أرمق شعرها الحريري المسترسل على قميصها الأسود، وفي طريقها داست وردة حمراء ندية… والعجوزالمنظفة تعقبها وهي تقول: دوسي عليها.. دوسي عليها.. اليوم ما هوش يوم الحب..
بقيت مشدوها، وهديتي في يدي، أشيعها بألف سؤال.. "والشعر يلهث خلفها "
وغابت في زحام النساء المتشحات بالسواد.. والعجوز تجمع الورود الذابلة.. وصوت مزعج يكاد يمزق طبلة أذني.. انتبهت فزعا.. إنه منبه هاتفي.. وصوت المؤذن يشق صمت الوجود مناديا لصلاة الفجر.. أنظر التاريخ في هاتفي.. لا فائدة .فقد فات الأوان.

أحمد ولد إسلم، صحافي من موريتانيا Ahmed3112@hotmail.com