غياب الإصلاحات يهدد المكتسبات الاقتصادية اللبنانية

بيروت ـ من مريم قرعوني
لبنان اكثر البلدان مديونية في العالم

لن يكون لبنان قادراً على تحقيق استدامة النمو الاقتصادي القوي الذي حققه رغم الركود العالمي بدون اصلاحات للحد من اتساع العجز في المالية العامة واشراك القطاع الخاص في واحد من اكثر البلدان مديونية في العالم.
ورفع صندوق النقد الدولي هذا الاسبوع من توقعاته للنمو الاقتصادي للبنان الى ما لا يقل عن ثمانية بالمئة في العام 2010 بفضل الاستقرار الداخلي والسياسات الحكيمة.

وسيكون هذا قريباً من معدل النمو في العام الماضي الذي بلغ 9 في المئة حينما اجتذب الاقتصاد تدفقات رؤوس الاموال من منطقة الخليج ومن المغتربين اللبنانيين الذين وجدوا في البلاد ملاذاً آمناً لاموالهم بسبب الانظمة المالية المحافظة والسرية التامة.

وساعد النمو الاقتصادي السريع على خفض نسبة الدين الى اجمالي الناتج المحلي الى 147 في المائة في عام 2009 من حوالي 180 في المائة في العام السابق غير ان زيادة الانفاق سترفع عجز المالية العامة الى 3.7 مليار دولار او 10.7 في المئة من اجمالي الناتج المحلي هذا العام من 3.25 مليار دولار او 8.6 في عام 2009 وذلك حسب تقديرات الحكومة.

ومن المتوقع ايضا ان يصل الدين الإسمي الى 55 مليار دولار صعوداً من 51 مليار دولار في عام 2009.
ويحذر محللون من انه اذا لم تتحرك الحكومة لخفض الانفاق وزيادة العائدات فان الدين العام قد يرتفع الى 65 مليار دولار خلال الثلاثة اعوام الى الخمسة اعوام القادمة وان العجز قد يزداد اتساعاً.

وقد لا يستمر زخم النمو الاقتصادي دون التقدم نحو الخصخصة وتطوير قطاع الاتصالات وايجاد بيئة تجارية مناسبة من خلال قوانين واضحة وتفعيل نظام الضرائب وتحرير قطاع الكهرباء.

وقال مدير قسم البحوث والدراسات الاقتصادية في مجموعة بنك بيبلوس نسيب غبريل "اننا في منطقة تتزايد فيها المنافسة. ومنذ الازمة العالمية زيادة المنافسة تتزايد لجذب الاموال لجذب رؤوس الاموال لجذب السياحة لجذب الشركات المتعددة الجنسيات وجذب الودائع".

اضاف "انت بحاجة الى تحسين مناخ الاستثمار وبيئة الاعمال من خلال تحديث بعض القوانين وتطوير بعض القوانين...وخفض تكلفة خدمة الاتصالات وتحسين نوعيتها وخفضة تكلفة الكهرباء".

ولكن هناك احتمالاً ضئيلاً لحدوث تغير سريع في بلد لم تقر حكومته وبرلمانه بعد ميزانية العام 2010 بعد سبعة اشهر من تشكيل حكومة وحدة وطنية.

وقال غبريل "ليس هناك توافق سياسي عليها (الاصلاحات) ليس هناك ارادة سياسية وهذا مؤسف بحد ذاته" مشيراً الى ان ارقام النمو الاخيرة لا تزال تقديرات مؤقتة لان لبنان يفتقر الى بيانات احصائية جيدة.
وما لم تحقق الحكومة تقدماً نحو تحرير الصناعات الرئيسية واصلاح النظام الضريبي فان رؤوس الاموال الخليجية والاجنبية الاخرى التي تتجه الى قطاعات مثل العقارات حيث زادت اسعار العقارات الى الضعفين تقريبا العام الماضي ستذهب الى مكان آخر.

ويقترح صندوق النقد الدولي ان الحكومة يمكنها زيادة العائدات من خلال تطبيق ضريبة الارباح الرأسمالية وزيادة ضريبة القيمة المضافة زيادة تدريجية.
ولكن حينما أثير اقتراح زيادة ضريبة القيمة المضافة الى 15 في المائة من 10 في المئة تأخرت ميزانية عام 2010 شهوراً حيث جادل بعض الساسة بان اللبنانيين لا يمكنهم تحمل المزيد من الضرائب.

وقال مروان ميخائيل رئيس البحوث في بلومانفست "اذا قلت تدفقات رؤوس الاموال...فسوف نضطر الى زيادة اسعار الفائدة لاجتذاب رأس المال ومن ثم تزيد التكلفة الاستثمارية على القطاع الخاص".

وأضاف قوله "سنصل الى وقت نكون فيه في حلقة مفرغة -رفع اسعار الفائدة لاجتذاب رأس المال الذي يؤدي الى ارتفاع الدين وارتفاع العجز- وسوف تستمر بلا توقف حتى تنفجر".

وخطط الخصخصة التي تأتي على جدول أعمال الحكومة منذ نهاية الحرب الاهلية عام 1990 متعثرة ايضاً.

وخصخصة قطاع الاتصالات والذي يمكن ان تجني الدولة من وراءه ما يصل الى سبعة مليارات دولار ويعد امراً اساسياً لخفض الدين العام الذي يتوقع ان يصل الى 55 مليار دولار هذا العام كان قد تأجل مراراً وتكراراً بسبب الخلافات السياسية.

وقد تخلف قطاع الاتصالات بالفعل عن معظم البلدان في المنطقة من حيث خدمات الهاتف النقال وشبكة الانترنت وبشكل رئيسي بسبب ارتفاع الاسعار.
ويتردد المستثمرون في انشاء الشركات بسبب عدم وجود انترنت واتصالات سليمة وخدمات عالية الثمن.

واعتبر تحرير قطاع الطاقة الكهربائية المريض كابوساً بالنسبة للحكومات المتتالية منذ نهاية الحرب الاهلية في العام 1990.
وعزمت الحكومات السابقة على بيع هذا القطاع الذي يحتاج الى اصلاح هيكلي واستثمار راسمالي ولكنه ثبت ان العملية صعبة

وترى الحكومة الحالية ان افضل النتائج تكمن في ان يتم ذلك من خلال اقامة شراكة بين القطاعين الخاص والعام.
ويقول محللون وبعض المسؤولين اللبنانيين ان اصلاح قطاع الكهرباء قد يتم بتكلفة تصل الى خمسة مليارات دولار.

وتتوزع مشاكل قطاع الكهرباء بين المشاكل الادارية والتعريفات الجمركية وتوليد الطاقة فضلا عن المشاكل الهيكلية بما في ذلك تركة الدمار جراء الحروب مع اسرائيل.

ويمكن لشركة الكهرباء المملوكة للدولة (مؤسسة كهرباء لبنان) تلبية الثلثين من احتياجات البلد.

ويمكن للقطاع الخاص ان يساعد من خلال المساهمة في راس المال وخفض النفقات وتقديم الخبرة في تشغيل محطات التوليد والشبكات.

ويتفق المحللون على ان لبنان لا يزال يفتقر الى سلام شامل وسياسة اقتصادية ونقص في البنية التحتية التي بدأت تلقي بثقلها على تطوير مختلف القطاعات الاقتصادية.

وتتركز غالبية الاعمال التجارية والاستثمارات في العاصمة بيروت تاركة بعض المدن محرومة من اساسيات البنية التحتية مثل الطرق المناسبة والمياه والكهرباء.

وبما ان السياحة والقطاعين العقاري والمصرفي قد ثبت انها قطاعات مربحة فان ذلك شجع المستثمرين على انفاق الاموال على المشاريع المرتبطة بتلك القطاعات متجاهلين تماماً المشاريع الاخرى مثل الصناعة والزراعة.

وقال وزير المالية الاسبق جورج قرم "تركز (المؤشرات) على القطاعات الثلاثة التي تعد ركيزة النمو في لبنان. ما يحدث في الزراعة او الصناعة او القطاع التجاري خدمة القطاعات الصغيرة ليس لدينا اي مؤشر على الاطلاق".

وأضاف "ويتركز هذا النمو في امتار مربعة قليلة في لبنان...مناطق جميلة في بيروت واماكن سياحية قليلة".
وأوضح "لا تزال بقية البلاد متصحرة وجيوب الفقر يتسعان عاما بعد عام بسبب السياسة الاقتصادية للحكومة التي لا تركز ابداً على هذه المناطق".

وقال "من سوء الحظ انه لا صندوق النقد الدولي ولا البنك الدولي ولا كبار المانحين ولا حكومتنا يدركون حقا ضخامة المشكلة. الجميع سعداء بما يجري في القطاع العقاري...وبالسياحة حتى اننا ننسي بقية لبنان".