'غواية الصمت' لا تخشى مواجهة طواغيت الظلم والبطش والاستبداد

قلم: محمود عرفات
ترانيم الفقد والوجد

وائل وجدي مهموم بالحال العام؛ لكنه يرى الهم العام من خلال ذاته الفنانة وشخصيته البالغة الحساسية. إنه يرى الأحوال تدعو إلى الحزن والغربة ومضغ الوهم ووجع الروح ووهن العزيمة؛ وهو ما يجعل الصمت ملاذا من التخبط فى فراغ الجنون. لكن المبدع يقاوم غواية الصمت بغواية البوح؛ فيمتطى صهوة الحرف، يبحث عن دبيب الومضة ويحلِّقُ فى المدى؛ لعل الجذوة تأخذه إلى الشاطئ المبتغَى. لكنه كلما فكر في الكتابة افتقد القلم؛ كأن القلم يعانده. هكذا المبدع؛ يعانى لاقتناص الفكرة، وكتابتها.

يتوقف وائل وجدي أمام ما يدهشه ويؤلمه ويحزنه. صمت يونيو. الجليد الذى يملأ الأفق. أسراب الرخ التي تفرش المدى. الشمس شحيحة الألق. المذياع الذي لا يكف عن الأخبار القديمة. مشاهد المجزرة، رؤوس أطفال شائهة، وأذرع مبتورة تحت البيوت الخربة. الملامح الخشبية ذات القلوب المطاطية. الأيام التي شاخت. الدم الذي ينبجس ويسري من تحت الأسلاك الشائكة ليرسم قلبا.

يبحث عن صدى صوت الأب الذي ذهب، كيف يدلف من باب حجرته ولا يجده، لا يتصور أن يتركه وحيدا دون أن يكون بجانبه. تدهشه ظلال الصبار التي تكبر على قبر أمه فينتحب ويقرأ الفاتحة؛ ثم يمضي حزينا متأملا تجاورَ النماء والفناء.

يسمع وقع أقدام الحاج سيد وصوت عصاه؛ عندما يصحو مع الفجر ليذهب إلى المسجد؛ فينهض ليتابع خطاه وينظر إلى السماء متأملا القمر والسحب الداكنة. يلفحه نسيم الفجر؛ لكنه لا يفصح عن الأحاسيس التي أهاجتها تلك الخطوات في نفسه الحزينة؛ تاركا للقارئ أن يكمل النص ليشاركه الحنين إلى الأحباب الذين ذهبوا.

تعذبه الأقنعة التي يرتديها حتى أنسته ملامحَه؛ فلم يعد يطيق المشاعر المزيفة التي يرسمها على وجهه كما يفعل المهرج. يقهره الزيف وقسماته المختفية تحت الألوان والظلال والخطوط الضاحكة. يريد أن يصرخ من ألم تمزق المشاعر والأحاسيس الحقيقية تحت وطأة الأقنعة التي تكبله.

يدخل المشفى فتفاجئه رائحة المرض والعقاقير، تقتحم أنفه وتضايقه. يقاوم الغثيان؛ لكنه يدرك أن هذه هي الدنيا بآلامها، وعليه الانتظار.

يشقى برؤية طفل يتأوة من شدة البرد وهو يقضم كسرة خبزٍ جاف. يتعذب برؤية طفل يروي الأرض بدمائه الزكية؛ بعد أن غدرت به يد باطشة؛ بينما يرى طفلا آخر يأكل الشوكولاتة بفرحة غامرة. يحلم بالانعتاق من الألم عندما يرى عصفورا يطير من محبسه محلقا في المدى الوسيع.

يصحو من غفوته الطويلة، يرنو إلى أيامه التي تصنع في وجهه أخاديد الزمن القاسي. ينظر إلى فتاته التي تلوِّح له من وراء خصاص النافذة البعيدة. يصعد الهضاب والآكام. يبحث عن وادي القلب الأخضر. تمضي الأيام ويخطو نحو الأربعين دون أن يحقق شيئا في عمره؛ فيمضي متكئا على حزنه.

يلهث، ولا يستطيع مجاراة ظله الذي يتمدد أمامه.لا بد أنه يتساءل في حيرة وألم: إلى أين تقودنا الخطى في هذا العالم الذي خلقنا الله فيه؛ لنحلم ونظل نحلم من الميلاد إلى الممات.

يتساءل: ما الذي يكبلنا هكذا؟ ذلك الذي يبدو كأنه خاتم عتيق بفص زمردي، ملتصق بالجلد، يأبى الخروج من الإصبع؛ رغم المحاولات التي تجعل الألم ينتشر في الجسد كله. تضنيه الحيرة وهو يتلفت قائلا: متى ننعتق من أغلال وضعناها في أعناقنا؟ ومتى نتحرر من سجن حبسنا فيه إرادتنا ووعينا؟ وكيف الخروج من القمقم الذي قمعنا في داخله المظلم طاقات الإبداع في نفوسنا؟ وهل نقدر على الانعتاق؟

يندهش من الوهم الذي يمنع المظلومين من اقتحام أسوار القصر؛ خشية بطش الظالمين. وعندما لم يعد هناك وقت للصبر، وحدوا خطواتهم وتلاصقوا وتشابكت أيديهم وقفزوا المتاريس العتيدة متوحدين واقتحموا جنباته؛ بيد أنهم لشدة دهشتهم لم يجدوا في القصر ثمة حياة. ما أقسى أن يكتشف الانسان أن الذي شل حركته كان وهما وخوفا، لا مبرر له، من قوة هزيلة ومتهافتة.

لا يجد إلا الذكريات يستند إليها، الشجرة العجوز وأطلال البيت القديم. يلتمس الأنس بمن يود التواصل معهم؛ فيرسل لهم رسالة ترتد ثانية، بعد شهور، لأن الأحباب غادروا المكان. الأحداث الأليمه تلاحقه بحممها المنصهرة ووهج نارها، والوجوه القبيحة التي آذته تطل عليه بابتسامتها البلهاء فيبصق عليهما ويمضي.

يحلم بأنثى، هي الدنيا، تأخذه على حصان قلبها؛ ليجوب في ربوعه، ويرشف رضاب الوجد والارتقاء إلى عالم سرمدي بلا نهاية. لكنه لا يجدها، وعندما يتوهم أنه وجدها لا يجد إلى قلبها الموصد سبيلا، وتختفي فجأة، كما تتبدى فجأة، بغير وداع. يسلك الطريق المتعرج طوال الوقت، يقفز فوق الحجارة المفروشة على امتداد الممر ليصعد الجبل. يُعييه الوصول إلى القمة، كلما اقترب يشعر أن وجهه يكاد يتجمد من الصقيع وتيارات الهواء البارد، وتلاحقه زخات المطر وحيدا.

كم أوجعتني كلمات وائل وجدي؛ تلك التي صاغها في شكل أسماه قصص قصيرة جدا؛ لكني أظنها نصا واحدا متصلا يمكن أن نسميه، دون تجاوز، ترانيم الفقد والوجد. هذا كاتب أضناه فقد الأحباب، وتعثُّر تحقق الأحلام، وانتشار الفقر، وومعاناة الأطفال، وتبدد القدرة على الصعود إلى قمم يصعدها الآخرون بيسر، والخوف غير المبرر من هياكل قوة مزيفة ووهمية.

وائل وجدي يؤرقه الهم العام. ولعل براعته في الصياغة أنجته من اللغة المباشرة الزاعقة. الهم العام يتسرب إلى داخله صانعا تيارا من الحزن الشفيف جعله يعيد إنتاجه باعتباره هما خاصا.

لقد نبَّه القارئ إلى أنه لا ينبغي لنا أن نخشى مواجهة طواغيت الظلم والبطش والاستبداد؛ لأن قوتهم زائفة، وعندما نتلاصق ونتوحد وتتشابك أيدينا؛ فإننا نستطيع أن نقفز فوق المتاريس العتيدة للقصر الذي كنا نخافه؛ فإذا هو كيان هش لا حياة فيه ولا روح. والعجيب أن ما بشَّر به وائل وجدي قد حدث بعد قراءتي لهذا النص ببضعة أيام عندما خرج الشعب التونسي البطل وهو أعزل دون سلاح يطلب الحرية والحياة الكريمة؛ فإذا رأس النظام يجد نفسه وحيدا فيهرب بليل تاركا السلطة للشعب الذي "إذا أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر، ولا بد لليل أن ينجلى ولا بد للقيد أن ينكسر"، وهو ما حدث بالفعل. والعجيب أن يكون صاحب هذين البيتين الخالدين هو الشاعر التونسي العظيم أبو القاسم الشابى. هكذا يكون المبدع، يتمتع بالرؤية والبصيرة التي تمكنه من أن يشير إلى الطريق نحو الأفضل دون خطاب زاعق أو هتافات حماسية، لا تلبث أن تخفت وتموت.

طب نفسا يا فناننا الجميل؛ فقد تحول حزنك إلى طاقة إبداعية خلاقة، وتسربت كلماتك إلى وجداني فامتلأت عيني بالدموع؛ وشعرت أنني عثرت على صديق أخذ يبثني آلامه قارئا آلامي، ويبوح بأحلامه المهدرة؛ فيذكرني بما راح من عمري من زمن لم أحقق فيه أحلامي. لقد أسرني حزنك النبيل؛ الذي لم يركن إلى الاستسلام لعوامل الإحباط والفشل، ولم يسقط في هاوية الصراخ والولولة واليأس، ولم يدفعك إلى بث الكراهية في سطورك؛ مثلما يفعل البعض.

لقد انحزتَ إلى الأمل في غد مشرق. هذا ما يحدث للمبدع الحقيقى؛ يغضب عندما يفتقد قيم العدالة والحرية والجمال؛ لكن غضبه ينصهر داخل نفسه النبيلة فيصير حزنا، ولأنه عالي الهمة عفيف النفس فإن عجينة الحزن تصبح حزنا نبيلا؛ سرعان ما يتحول إلى طاقة إبداعية دافقة تحمل قيم الحب والخير والجمال، وتبشر بغد أفضل، يشرق على سماء الوطن؛ فتمتلئ النفوس بالنور، وتزهر الأشجار بالثمار الموعودة، وتكتسي الحقول بالخضرة والحَبِّ والنماء، وتزدان الحياة بالمحبة والسلام.