غضب في تونس من 'استفزازات' السفير الأميركي

تونس: روبنشتاين تجاوز حدوده

أثار حديث للسفير الأميركي في تونس حول قانون لمكافحة الاتجار بالبشر غضبا في أوساط سياسية اعتبرته "تدخلا" في الشأن الداخلي للبلاد بعد ان قال وزير العدل التونسي محمد بن عيسى ان دانيال روبنشتاين "استفزه" خلال أحد اللقاءات بينهما.

ورأى خبراء أن تصريحات روبنشتاين تعكس ضغوطات وتمثل مؤشرا على أن واشنطن تريد استغلال "تكرمها" على تونس بمنحها صفة الشريك الرئيسي من خارج الحلف الأطلسي وانضمامها للتحالف الدولي ضد تنظيم الدولة إلى حشر أنفها في إدارة سياسات البلاد.

وكانت تونس أعربت عن تذمرها من تدخل روبنشتاين في رسم بنود مشروع قانون يتعلق بمنع الاتجار بالبشر ومكافحته وأكدت أن السفير "تجاوز حدوده لما تدخل في تفاصيل مشروع القانون، مشددة على أن البرلمان هو المؤسسة الوحيدة التي يخول لها الدستور الحسم في مختلف التشريعات.

وكشف وزير العدل التونسي محمد بن صالح بن عيسى عن روبنشتاين "استفزه وأثار غضبه" خلال أحد اللقاءات معه بعد أن "تجاوز حدوده" في مسعى إلى إملاء "تعليمات" تمس بالقرار السيادي لتونس.

وقال وزير العدل التونسي بلهجة شديدة ممزوجة بالغضب في كلمة ألقاها أمام لجنة الحقوق والحريات والعلاقات الخارجية بالبرلمان حول مشروع القانون "لم يبق للولايات المتحدة الأميركية إلا أن تعطينا تعليمات"، ولاحظ أن السفير الأميركي "تدخل خلال لقاء معه في شأن لا يعنيه ولا يخص بلاده" وشدد على أنه "وضع حدا" لمحاولته المساس بالقرار السيادي للبلاد، لافتا نظره إلى أن لـ"تونس برلمانا منتخبا ديمقراطيا ويمثل إرادة الشعب وهو المؤسسة الدستورية الوحيدة التي تمتلك شرعية الحسم في مختلف التشريعات".

ولم تصدر عن السفارة الأميركية ردود على تصريحات الوزير التونسي.

وأقر بن عيسى بـ"وجود ضغوطات تمارسها أطراف أجنبية على تونس تدفع باتجاه الإسراع بالمصادقة على مشروع القانون" وأضاف "إن بلدانا أجنبية ومؤسسات دولية لم يبق لها إلا أن تعطينا تعليمات" ملاحظا أن تلك البلدان والمؤسسات "ترصد حركات تونس وسكناتها".

ويأتي مشروع القانون المتعلق بمنع الاتجار بالبشر ومكافحته في إطار احترام تونس للاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها فيما دعا بن عيسى نواب البرلمان إلى "ضرورة الإسراع في المصادقة على مشروع القانون بما يمكن تونس من تجنب التأخر الذي يؤدي إلى تدحرج ترقيمها السيادي" لافتا إلى أن التأخير في المصادقة "يمكن أن تنجر عنه صعوبات في الحصول على تمويلات".

وربطت القوى السياسية والمدنية "تدخل" السفير الأميركي بمنح واشنطن تونس في مايوا/ايار 2015 "صفة الشريك الرئيسي من خارج الحلف الأطلسي" معتبرة أن تلك الصفة هي "طُعم" بدأت واشنطن في استغلاله لممارسة ضغوط سياسية.

كما تربط تلك القوى حديث السفير الأميركي عن الشأن الداخلي التونسي بانضمام البلاد إلى التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة الإسلامية، مشيرة الى أن واشنطن بدأت تضغط على تونس باتجاه دفعها إلى شن حرب ضد التنظيم في ليبيا بالوكالة عنها وبالتنسيق العسكري معها.

وترفض الأحزاب السياسية التونسية استغلال واشنطن منحها تونس صفة الشريك الرئيسي من خارج الحلف الأطلسي وانضمامها للتحالف الدولي ضد تنظيم الدولة للزج بالبلاد في رهانات أميركية دمرت المنطقة العربية من خلال إدارة سياسات ممنهجة ومدروسة لا تضع في أعلى سلم اهتماماتها سوى خدمة مصالحها الإستراتيجية.

ووصفت قيادات عسكرية تونسية سابقة "الربيع العربي" الذي كثيرا ما روجت له واشنطن بأنه موجات من العنف والفوضى ونزاعات داخلية غذتها خاصة تدخلات أجنبية مباشرة.

ولم يتردد أمير اللواء محمد المؤدب في التشديد على أنه لأول مرة في تاريخ المنطقة العربية برز منذ منتصف العام 2014 "كيان (تنظيم الدولة الاسلامية) له كل مقومات الدولة حيث يتحكم في أراض شاسعة، وثروات بترولية لا يستهان بها، وله قدرات عسكرية تضاهي جيوش دول عريقة، تضم بين 40 و50 ألف مقاتل، يحذقون استعمال الدبابات وقطع المدفعية الحديثة وغيرها من الأسلحة الأميركية المتطّورة".

ويقول دبلوماسيون إن تعيين روبنشتاين سفيرا للولايات المتحدة بتونس خلفا لجاكوب والس يعد مؤشرا قويا على أن واشنطن باتت تراهن على دور العمل الإستخباراتي في الدبلوماسية.

وتتوجس القوى السياسية والمدنية التونسية من الاهتمام الذي ما انفك يبديه روبنشتاين بالأوضاع العامة في البلاد وهم لا يستبعدون أن روبنشتاين يتجاوز مهماته كسفير إلى مهمات تتعلق بنسج علاقات إستخباراتية مع عدد من الأطراف في المنطقة.