غضب أكبر... ضعف أكثر

لندن - من إيثار العظم
وعنف أكثر.. ايضا

قد يجد الفرد نفسه إثر موقف ما غير قادر على كبت غضبه فيحس بالدماء تغلي في عروقه، كما قد تتنامى لديه رغبة في الصراخ فإما أن يمسك نفسه عن الانفجار وإما أن يترك غضبه يفلت منه ليتناثر في وجوه من حوله، مسبباً لهم الألم أو الإحراج.
وعلى الرغم من أن الغضب يعد صفة من صفات البشر، إلا أنه لا بد من كبحه وتقنينه ليصبح أداة للتعبير عن رفض المرء لأمر بالغ الإساءة أو علامة على سخطه من ظلم أصابه ولكن بعد أن تضيق به السبل.
وفي ظل شهر رمضان المبارك وخلو "الجوف" من الطعام معظم أوقات النهار، يتخذ البعض من صيامهم ذريعة ليصبحوا من "الغاضبين" طوال شهر الرحمة، خصوصاً ممن لم يدركوا أسرار هذا الشهر العظيم ولم يدفعوا بأنفسهم لينقبوا عن كنوزه التي توهب لمن يجدها فتجد منهم من يبدأ يومه بالعبوس والتذمر وكأنه ينتظر حدوث أمر ما حتى يتفجر غضباً.
وثمة آخرون يبدؤون يومهم على نحو اعتيادي ولكنهم وبانقضاء ساعات النهار، يدنو الغضب منهم شيئاً فشيئاً ليعلن قرب انتهاء صبرهم المزعوم في شهر الصبر، فإن كان الأشخاص ممن حولهم من المحظوظين انفجر مدفع الإفطار قبل أن ينفجر غضبهم.
وقد حذر رسول الله محمد عليه السلام من الغضب حيث قال "لا تغضب" ورددها مراراً، كما قدم الرسول الكريم نصائح للمسلم تساعده على إسكان غضبه ومنها تغيير وضعية الفرد، فإن كان قائماً فعليه أن يجلس وإن كان متكئاً فعليه أن يضطجع كما أشار على صحابته بالوضوء لطرد الغضب.
ويعتقد المختصون بعلم النفس أن الغضب سمة قد تطغى على شخصية بعض الأفراد فيكونوا "الأعنف" أو الأكثر غضباً بين الناس.
وقد يختلف نمط الغضب عند هؤلاء الأفراد وتتعدد وجوهه فمنهم من تجده وكأنه مرجل يغلي يتحرك هنا وهناك وينتظر من ينزع عنه الغطاء ليثور في وجه من حوله.
وآخرون لا تعرف عنهم سرعة غضبهم إلا بعد أن تقع معهم في مأزق بسيط، فيما تجد بعضهم سريعي الغضب ولكنهم كذلك سرعان ما يهدؤون.
وعلى اختلاف أنماط الغضب التي قد تصطبغ بها بعض الشخصيات إلا أن العديد من المختصين يؤكدون على خطورة أن يكون الغضب صفة طاغية على شخصية الفرد، كما يحذرون من أن تكون أمراً متكرر الحدوث على نحو واضح.
وعلى الرغم من أن هؤلاء الغاضبين قد يتسببون بالألم أو الحرج لمن حولهم فتجدهم حريصين على عدم استثارة غضبهم منعاً لحدوث مشاكل أو تجنباً لشر هؤلاء، إلا أن الدراسات العلمية أكدت أن هؤلاء الغاضبين هم الأشد ضعفاً مقارنة مع غيرهم.
فقد أظهرت دراسة قام بها باحثون من جامعة هارفرد الأميركية أن الأشخاص الغاضبين خصوصاً من كبار السن، يكونون الأكثر عرضة للإصابة بالأزمات القلبية معرضين بذلك أنفسهم إلى الهلاك.
وقد أجرى الباحثون دراسة شملت 1305 من الأفراد بلغ معدل أعمارهم اثنين وستين عاما، حيث تبين أن الغاضبين منهم كانوا أكثر عرضة للإصابة بالأزمات القلبية بنحو ثلاث مرات مقارنة مع آخرين من نفس الفئة العمرية.
ومن جانب آخر، أجرى باحثون من مركز جون هوبكنز الطبي في الولايات المتحدة دراسة شملت 1055 من طلبة كلية الطب، حيث تم تقييم شخصية كل منهم وتحديد ما إذا كانت هادئة أم غاضبة، وقد تتبعت الدراسة هؤلاء الطلبة مدة ستة وثلاثين عاماً ثم أجري تقييم لحالتهم الصحية.
وأظهرت الدراسة أن الأفراد سريعي الغضب ولدى بلوغهم الخامسة والخمسين من العمر، كانوا أكثر عرضة للإصابة بالأزمات القلبية بنحو ست مرات مقارنة مع الأفراد الهادئين، كما تبين أن احتمالية إصابة "الغاضبين" بأمراض القلب والشرايين قد وصلت نحو ثلاثة أضعاف مقارنة مع غيرهم.
ومن الملاحظ أن معظم الدراسات التي أجريت بهدف تقييم آثار الغضب على صحة الفرد استهدفت الذكور دون الإناث في إنشاء العينة، وهو أمر يفسره بعض الباحثين بأنه ناجم عن كون الغضب الشديد صفة قد يتسم بها الذكور أكثر من الإناث.
وعلّق في هذا الشأن هارفي سيمون، وهو أستاذ مساعد في كلية طب هارفارد "ركزت معظم الدراسات، ضمن ما اطلعت عليه في هذا المجال على الرجال أكثر من النساء". وأضاف" اعتماداً على دراسة أجريت في العام 2006 فإنني أخمن أن المرأة أقل عرضة للغضب الشديد، ومن ثم أقل تأثراً بآثاره المدمرة".
ويوضح سيمون بأن الغضب مضرٌ بجميع الأفراد من مختلف الفئات العمرية ومن كلا الجنسين، على الرغم من أن آثاره على النساء لم يتم تقييمها بعد على نحو واضح.
وبالعودة إلى نتائج إحدى الدراسات التي أجريت في سنوات سابقة نجد أن الغضب قد يهدد حياة الإنسان.
وأظهرت دراسة شملت 1623 من الأفراد شكلت النساء ما نسبته ثلث العينة، أن الفرد تزداد احتمالية تعرضه للإصابة بالأزمة القلبية بما يزيد عن الضعف خلال الساعتين اللتين تعقبا نوبة غضبه.
كما أشارت دراسة أخرى استمرت مدتها ثمانية أعوام، بأن الأشخاص الذين يتسمون بالعدائية في سلوكهم تجاه الآخرين تتأثر لديهم وظائف الرئة على نحو ملحوظ مقارنة مع الآخرين، ليعانوا من انخفاض في كفاءة عمل الرئة مع مرور الوقت.
ويقدم المختصون في هذا الشأن العديد من النصائح للغاضبين ومنها أن يحاولوا التعرف إلى الأمور التي تثير غضبهم ليعملوا جاهدين على تغييرها، كما يحذرون من كبت الإنسان لمشاعره تجاه الأمور المختلفة، ويؤكدون على ضرورة التحدث إلى المقربين بهدف تخفيف التوتر الناجم عن التفكير في تلك الأمور.
كما ينوهون إلى ضرورة تعلم الفرد للإشارات التحذيرية التي قد تنذر بقدوم نوبة الغضب وهي تسارع ضربات القلب وزيادة سرعة التنفس وتولد إحساس بعدم الراحة، حيث ينصح المختصون الفرد ولدى تنبهه لتلك الإشارات القيام ببعض الأمور التي قد تذهب عنه الغضب فهم يقترحون ممارسة المشي أو إجراء تمارين التنفس من شهيق عميق وزفير.
ويشير المختصون إلى أهمية السعي لأخذ المشورة الطبية بهذا الخصوص، لمن يجد نفسه غير قادر على التخفيف من غضبه بعد بذل كل المحاولات في هذا المجال، وذلك حتى لا ينفطر قلبه غضباً في يوم ما.(قدس برس)