غزوة باريس: فوضى الإرهاب وإرهاب الفوضى

تعاظم الإسلامفوبيا

قد تسهم "غزوة باريس المباركة" كما وصفها حارث النظاري زعيم القاعدة في اليمن في إفاقة البعض في الأقليم وفي الغرب خصوصا من غفوتهم او على نحو أصح من الاوهام التي عشعشت في رؤوسهم بعد ان استطاعوا ان يغيروا جدول الاعمال ويفرضوا قواعد لعبة جديدة اسمها تغيير او اطاحة الانظمة، استمرارا لما اغرق المنطقة فيه المحافظون الجدد وعلى رأسهم مندوبهم الارعن في البيت الابيض جورج دبليو بوش الذي وصف مهمته بالتكليف الالهي وراح ينشر الفوضى في المنطقة تحت ذريعة نشر الديمقراطية وبناء الدول فيها.

جريمة شارلي ابيدو النكراء التي اشعلت الحرائق في العاصمة الفرنسية باريس، ليست سوى نتاج فوضى الارهاب الذي ظن البعض ان بمقدوره حصره في منطقة معينة وعدم السماح له بالتمدد او ايجاد بيئة حاضنة له او استحالة تنظيم خلايا نائمة في اوروبا، ما دامت تتوفر على اموال و» معجبين» ومن ثم غسل عقولهم ومحو ماتبقى من ضمائرهم على النحو الذي يفعله اقرانهم في معظم البلدان العربية تحت ذرائع و اضاليل من قبيل استعادة دولة الخلافة أو رطانة ما يوصفون بالمعتدلين او المقاتلين من اجل الحرية والذين تبناهم الغرب في اطار الهمروجة المسماة نشر الديمقراطية وحقوق الانسان.

"حركة بيغيدا" التي انطلقت من مدينة درسدن الالمانية ليست سوى الوجه الاخر من منظمات الارهاب التكفيرية التي تعتاش على الكراهية والعداء للآخر وهي التي تتغذى ايضا على هواجس وامراض الاسلاموفوبيا التي بدأت تأخذ طابعا سياسيا زاحفا, ينبىء بولادة جديدة ليتامى النازية والفاشية التي تلتقي بالضرورة مع الحركة الصهيونية اهدافا ومقاربات وادوات، وإلا فكيف يمكن تفسير كل هذا التلاقي – حدود الاحتضان – بين الارهابيين والتكفيريين في منطقتنا الذين يقطعون الرؤوس ويسبون النساء ويكفرون الاخر ويهجرون المسيحيين ويعيثون فسادا في الارض العربية والاسلامية، وبين اولئك الذي يدعون الى اغلاق اوروبا امام المسلمين وترحيل من هو موجود منهم على الاراضي الاوروبية بمن فيهم الذين ولدوا فيها ولم يعرفوا بلدا (حتى لا أقول وطنا) اخر .

هنا يلتقون ويتغذون على هذه الصدامات ورائحة الدماء وطغيان الكراهية التي تتم وفق خطط مدروسة تلحظ ردود الفعل وتبني على صدام الحضارات ( لم ينسوا نظرية صدام الحضارات التي روج لها صموئيل هنتنغتون، رغم ما لحقها من انتقادات وما تبين فيها من تناقض وخصوصا في التوظيف السياسي والايديولوجي ولما انطوت عليه من شحن وتحريض وكراهية للعدو الجديد للغرب الذي يراد اختراعه وابلسته .

لن تنفع كثيرا المسيرات والمظاهرات المليونية التي ستجري في باريس اليوم ومعظم الدول الغربية في الطمس على حقيقة قصور مثل هذه الردود العاطفية والعابرة في هزيمة الارهابيين أو الحد من غلوائهم أو دمغهم لإعادة النظر في منهجهم الدموي والعدمي، ولن تكون الادانات والتنديدات والشجب قادرة على وقف مقارفات وارتكابات هذه الفئات الباغية سواء تلك التي تحصد المزيد من اصوات الناخبين والمؤيدين في المانيا وهولندا وايطاليا واسبانيا وخصوصا فرنسا الذين رفعوا شعار اغلاق اوروبا في وجه المسلمين أم اولئك الذين يقتلون ويقطعون الرؤوس ويأكلون الاكباد والقلوب ويعدمون الاطفال والصحفيين والاقلام بذريعة الانتقام لرسول الله او الانتصار للاسلام وهم ابعد ما يكونون عن الاسلام.

بات متهافتا تكرار الحديث عن ان الارهاب لا دين له ولا جنسية او عرق، بل لم يعد خاف على احد ان الذي يحرك الارهاب ويغذيه ويبقيه متماديا هو السياسة والغطرسة وحسابات الزعماء وطموحاتهم وسعيهم المحموم لنشر ارهاب الفوضى في بلاد عديدة, لا يرون غير فوضى الارهاب وسيلة لتحقيق أحلامهم الاستعمارية.

ما يعني انه بغير المراجعة واعادة قراءة الملفات من جديد، وفقا للمعطيات وعبر سنوات الفوضى التي تم نشرها في بلاد العرب والمسلمين لن يتمكن انصار الحرية والديمقراطية من هزيمة الشر الذي يمثله الارهابيون ودعاة الكراهية في الشرق والغرب على حد سواء.

محمد خروب

كاتب أردني

kharroub@jpf.com.jo