غزة والحروب الديبلوماسية الإقليمية

بقلم: علي حسين باكير

في ظل الصراع الإقليمي على النفوذ في الشرق الأوسط والذي بلغ أشدّه في هذه المرحلة في إطار حسابات الربح والخسارة للأطراف الإقليمية، تحاول إيران منذ مدّة سحب ورقة غزّة من يد مصر، وهي بالمناسبة الورقة الوحيدة البالغة الأهمية التي لا تزال مصر تحتفظ بها وتعبّر عن موقعها ونفوذها الإقليمي. فيما تحاول إسرائيل نسف مشروع ما يسمى "الدولة الفلسطينية" وذلك عبر تطبيق مخطط شارون الذي انسحب من جانب واحد من غزّة عام 2005 وأزال المستوطنات فيها على أن يمهد ذلك لضمها غالى مصر والتخلص من عبء القضية الفلسطينية بإلحاق الضفة بالأردن.
وقد تكلّم عن هذا المشروع بشكل مسهب "معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى" الداعم للتوجه الصهيوني حيث تحدّث عن هذه الخطّة، في دراسة حديثة له صادرة في سبتمبر/ايلول 2008، وبعنوان "إعادة التفكير في حل الدولتين" تحت الفصل "الخيار الأردني" للكاتب جيورا ايلاند وهو مسؤول مجلس الأمن القومي الإسرائيلي سابقا ويعمل باحثا في معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب. فيما قام جون بولتون بإعادة الكتابة بشكل تفصيلي في مقال له مؤيدا الكلام عن فشل حل الدولتين (فلسطين واسرائيل) وعن ضرورة إنهاء هذا الوضع عبر ضم غزّة لمصر والضفة إلى إسرائيل، وهو مقال نشر في "واشنطن بوست" تحت عنوان "خيار الدول الثلاث" ونقلته الصحف العربية بتاريخ 7/1/2009.
في الصورة المقابلة، تشهد السياسة المصرية تراجعا مهولا منذ فترة طويلة مستنزفة التاريخ الايجابي لمصر لتغطية الفشل الديبلوماسي وتراجع النفوذ الإقليمي الذي تشهده نتيجة انعدام الخيارات وفقدان الأوراق وقوّة القهر أو الضغط إقليميا ودوليا.
وقد استغلت إيران ذلك فبدأت منذ فترة حملة سياسية وشعبية وديبلوماسية وإعلامية فيها الكثير من الالتباسات لاسيما لدى عامة الناس، وقد هدفت هذه الحملة إلى إفشال الدور الديبلوماسي لمصر سواء في جمع الفلسطينيين أو في تجديد الهدنة السابقة أو في عملية الوساطة.
في هذه اللحظة بالذات، وقع العدوان الإسرائيلي على غزّة في 27/12/2008، واستغلت إيران هذا العدوان لاستكمال حملتها فهو جاء كفرصة ذهبية بالنسبة لها فاستغلت معبر رفح كذريعة، فيما راحت إسرائيل في هدف ابعد من ضرب حماس وهو تطبيق خطّتها أعلاه وهو الهدف الاستراتيجي الغير معلن من العدوان.
عند إدراك مصر للعبة سارعت إلى تركيا في 29/12/2008 لشرح الموقف المصري والمخطط الإيراني والهدف الإسرائيلي من العدوان والذي يسعى إلى تكريس عزل حماس في غزة والسلطة في الضفة وضم كل منهما إلى مصر والأردن والتخلص منهما، فيما تريد إيران إنهاء الدور المصري في المنطقة وقطع الطريق على المفاوضات السورية-الإسرائيلية التي تم الإعلان عن تحقيق تقدم فيها بتاريخ 22/12/2008 والتي تهدد بتفكيك المحور الإيراني، والتحضير للتفاوض مع القيادة الأميركية الجديدة على جميع الأوراق.
وطالبت مصر تركيا المساعدة فيما يخص حماس مع ضرورة عدم تعدد اللاعبين وحصر الملف الغزّاوي بمصر وهو أصلا ما تقتضيه الضرورة بسبب الطبيعة الجغرافية وبسبب العلاقة مع إسرائيل وبسبب موقع غزّة في الأمن القومي المصري. كما رمت مصر إلى جانب السعودية بثقلها في مجلس الأمن لاستصدار قرار دولي يتضمن المبادة المصرية من جهة ويضع إسرائيل أمام الأمر الواقع من جهة أخرى. (1/1/2009، ثم في 9/1/2009)
فطنت إيران لمحاولة مصر الالتفاف على مخططها، فسعت عبر قطر وسوريا إلى طلب قمّة عربية طارئة للمرة الثانية في 5/1/2009 لإفشال المساعي المصري بالاستحواذ على ملف غزّة، رفضتها مصر، لعدد من الأسباب وفق تحليلنا يمكن تلخيصها بـ:
1- القمّة ستركّز على الجانب الشعاراتي (في ظل إجماع الجميع بمن فيهم من يسمّون "ممانعين" على عدم فتح جبهات عسكرية) وبالتالي فهذا يعني إجهاض الدور المصري قبل ولادته، لانّ القمّة ستلزمها بعمل جماعي ومعروف أن لا إجماع بين العرب فمحور إيران العربي سيشد باتجاه التصعيد الكلام فقط، فيما تبقى العملية العسكرية الإسرائيلية على الأرض والهجوم والحملة الإعلامية على مصر لتزيد من تقوقعها في موقع دفاعي وتبريري.
2- إيمان مصر انّ هكذا قمّة ستسحب ملف غزّة منها، وستشرعن الانقسام الفلسطيني بدعوة فصائل فلسطينية لتمثيل فلسطين إلى جانب السلطة الوطنية وهو ما يخدم في النهاية المخطط الإسرائيلي الذي يسعى إلى تكريس الانقسام الداخلي للاستفادة في إجهاض مساعي قيام دولة فلسطينية ولانشغال الطرفين في قتال بعضهم البعض، كما يخدم مخطط شارون في إلقاء تبعات غزة على مصر والضفة على الأردن وبالتالي التخلص من تبعات القضية الفلسطينية.
3- اعتقاد مصر انّ هذه القمّة ليست بهدف إنهاء العدوان على غزّة، وإنما بهدف شرعنة التدخل الإيراني في المنطقة العربية بشكل رسمي وإعطائه جميع الأوراق التي تضمن له التفوق الإقليمي على جماجم العرب ودمائهم.
وبدلا من هذه القمّة، قامت مصر في بحركة ديبلوماسية بالاتفاق مع السعودية تقتضي بتجهيز القمة الاقتصادية في الكويت لتكون منبرا لقضية غزّة يتم فيها بالإجماع العربي (جميع الدول العربية ستكون حاضرة في قمّة الكويت) تبني الجهود المصرية، وتكريس الدور المصري كلاعب إقليمي يرفض دخول اللاعبين الإقليميين على حساب العرب.
في نفس الوقت الذي علم فيه محور إيران بهذه التحرّكات، وبينما كان يتم إخطار وزراء الخارجية العرب على المسعى المصري لاستغلال قمّة الكويت في هذا المنحى، سارعت قطر للمرّة الثانية في 12/1/2009 للمطالبة بقمّة وأصرّت عليها حتى بمن حضر!! لتحقيق الأهداف نفسها التي كان من الممكن تحقيقها في القمّة الأولى (ودائما ليس لإنهاء العدوان على غزّة، لانّ الحاضرين أصلا لا يملكون مفاتيح إنهاء العدوان على غزّة طالما انّهم لم يعلنوا الحرب ويفتحوا جبهة سوريا وهي الورقة الوحيدة التي قد تجبر إسرائيل على إيقاف العدوان).
في 13/1/2009، قام الرئيس المصري بزيارة المملكة العربية السعودية شارحا الوضع، ومبيّنا الجهود التخريبية التي تطعن في الظهر بينما يتم التحرّك وبذل الجهود لوقف العدوان الاسرائيلي على غزّة.
في هذا التوقيت حاولت السعودية قطع الطريق بدورها على التحرك الإيراني الذي تقوم به قطر، والتنبيه إلى خطورة هذه اللعبة، فدعت في 14/1/2009 إلى قمّة خليجية في 15/1/2009 قبل يوم من قمّة قطر!! ومن رسائل القمّة التي دارت في الكواليس الخلفيّة ولم يتم تداولها في الإعلام التنبيه السعودي لقطر على انّ دورها لا يشكّل خطرا فقط على الإجماع العربي والتضامن العربي، ولا يسهّل اختراق الأجندات الخارجية ولاسيما الإيرانية للواقع العربي، ولا يحقق بطريقة غير مباشرة أهداف إسرائيل التي من مصلحتها حصول انشقاق عربي-عربي وفلسطيني-فلسطيني، ليس كل هذا فقط، وإنما والأخطر انّ تحركها يشكّل خطرا على مستقبل مجلس التعاون الخليجي الذي أنشئ أصلا لضمان توحّد المصالح ودرء المخاطر الخارجية.
لم تلتفت قطر للتحذيرات السعودية وأصرّت على عقد ما يمكن تسميته بالـ"مهرجان" القطري في 16/1/2009 والذي لم يقدّم شيئا عمليا لإنهاء العدوان على غزّة لأسباب عديدة منها كما ذكرنا انّ الحاضرين لا يملكون مفاتيح إنهاء العدوان على غزّة، لكنّ قمّة قطر أثبتت في المقابل صحّة توقّعات مصر عن الهدف من القمم التي تسعى قطر إلى عقدها، وتمثّلت بـ:
1- تكريس انشقاق عربي وبالتالي شق الصفوف، واستغلال هذا الانشقاق لإدخال اللاعبين الإقليميين والمقصود إيران، وهو الأمر الذي يقضي على ما بقي من أنقاض للنظام العربي تحاول مصر والسعودية استرجاعه، ويخدم إيران وإسرائيل سواءا عن قصد أو عن غير قصد.
2- تكريس الانشقاق الفلسطيني-الفلسطيني حيث دعت قمّة قطر ممثلي الفصائل الفلسطينية في سوريا، وأحرجت السلطة الوطنية الفلسطينية بدعوتها، فان حضرت كان ذلك اعتراف بوجود سلطتين واعتراف بالتملص من الدور المصري الذي يريد ان يلعب دور المصلح بين الطرفين، وان لم تحضر تتّهم بانها متقاعسة ويذهب التمثيل بالتالي للفصائل الفلسطينية وتستفيد إسرائيل بطريقة غير مباشرة من مساعي قطر بهذه الطريقة.
3- تكريس الطابع المهرجاني للقمّة ورفع السقف الشعاراتي بهدف التخريب على المبادرة المصرية، وبالتالي على الدور المصري.
وللأسف انزلقت حركة حماس أيضا في غمرة هذه الحروب الديبلوماسية الإقليمية بين المحاور، فاعتقدت انّ المبادرات لإنهاء العدوان الإسرائيلي ستنهمر عليها، وأنّ هذا سيتيح لها اختيار الأفضل من بينهم واستبعاد الدور المصري أيضا، وقد ادّى هذا إلى انشقاقات داخلية وفوضى سياسية وديبلوماسية للحركة حيث لوحظ تعامل حماس الداخل بموضوعية وبما تقتضيه الضرورة وواقع الحال، فيما راحت حماس الخارج ولاسيما عبر خالد مشعل ونزّال وأسامة حمدان في المماطلة، فتارة يوافقون على الدور المصري وطورا يريدون دورا تركيا أو فرنسيا منفصلا، وهذا يوافق على المبادرة المصرية مع ضرورة تعديلها بما يخدم المصلحة الفلسطينية وذاك لا يريدها مطلقا ويرى تواطؤ مصر ويتطلع إلى أدورا إقليمية أخرى، وبينما يتم الخوض في هذه المهاترات وغياب الرؤية الاستراتيجي والواقعية والخبرة السياسية والديبلوماسية والحنكة والدهاء، يرتفع عدد الشهداء في ظل شعار "منتصرون" ويناهز الـ 1100، ولا يتم قبول المبادرة المصرية ولا رفضها!
في هذه الأثناء بالذات دخل العامل الديبلوماسي الإسرائيلي على الخط بعد ان كان رفض الدور التركي في بداية العدوان وبالتالي همّش فعاليته، فرأى الإسرائيليون انّ مصر اقتربت من التوصل إلى اتفاق شامل، وفي ظل مواجهة قرار مجلس الأمن من جهة والسخط الدولي من جهة أخرى وعدم وضوح رؤية حماس، وفي ظل قرب مصر من قطاف ثمار جهودها الديبلوماسية وبالتالي إعادة تثبيت دورها كلاعب إقليمي بعد إفشال إيران من الحصول على مرادها، ونظرا لضيق الوقت المخصص للحملة العسكرية (20/1 وفق مقال سابق لنا كنا توقعناه) قامت إسرائيل بمناورة خبيثة هدفها تنفيس الدور المصري، وإفشال المبادرة المصرية ونزع الملف من أيديها، والتملّص من أي التزامات، وحرمان حماس من أي اتفاق، وذلك عبر إعلان وقف إطلاق النار من جانب واحد في 17/1/2009 وبهذا يكون جميع اللاعبين الإقليمين في وضع الخاسر!
في هذه اللحظة بالذات، قررت مصر الرد على الخطوة الإسرائيلية الالتفافية بانها غير معنية بالاتفاق الاسرائيلي-الأميركي، وانها لا تقبل مطلقا بقوى دولية على اراضيها، وقررت عقد قمّة في شرم الشيخ تضم معظم القوى الدولية المهمة (المانيا وبريطانيا وفرنسا وايطاليا) الى جانب (تركيا واسبانيا، والأردن)، باستثناء لاعبين احدهما دولي وهو أميركا التي وقّعت مع إسرائيل اتفاقية قبل أيام مستبعدة الدور المصري، الثاني هو اللاعب الإيراني لأسباب معروفة. حيث سيتم الضغط على إسرائيل للعودة إلى اتفاق عبر مصر وليس بالالتفاف على مصر، لان خطوة إسرائيل هي بمثابة الخطوة التي كانت إيران تحاول فعلها منذ بداية العدوان على غزّة.
ونظرا لحاجة إسرائيل إلى مصر مستقبلا، صرّح اولمرت خلال إعلانه وقف إطلاق النار من جانب واحد، انّ ذلك "إنما هو استجابة للمبادرة المصرية أيضا". لكنه في الحقيقة ليس وفقا للمبادرة المصرية وإنما لحسابات إسرائيلية خاصة وضعت الجميع في مواجهة واقع جديد، وهي لا تتوقع ان تستمر المقاومة الفلسطينية خلال وقف إطلاق النار لان الجيش الإسرائيلي استعاد "قوّته الردعية".
يبقى أن نشير إلى انّ المرحلة القادمة ستشهد خلطا كبيرا للأوراق وتصفية للحسابات بين القوى الإقليمية والدولية الكبرى.

علي حسين بابكير، باحث مهتم بالشؤون الاستراتيجية

www. maktoobblog.com/alibakeer