غزة: هل فقدت إيران الورقة الفلسطينية؟

في مراقبةٍ للموقف العربي الرسمي إزاء العدوان على غزة، وفي متابعةٍ اللهجة التي إعتمدها أسياد الدبلوماسية العربية (لا سيما في إجتماعات وزراء الخارجية العرب) بشأن الأمر، سيلاحظ المراقب العربي أن إنعطافة كبيرة سجّلها النظام العربي الرسمي، في اللغة المستخدمة على الأقل، مقارنة بمفاصل شبيهة سابقة. الإدانة والإستنكار للعدوان الإسرائيلي جاء حاداً صارماً واضحا. والتضامن الكامل مع غزة، بقواها الشعبية والسياسية والعسكرية، جاء مباشراً كاملاً لا لبس فيه. الأمر إذن يؤسس لمنهج جديد يعتمده النظام العربي حول مسألة أساسية: فلسطين. بحيث تعود "القضية" عاملاً تتوحد حوله المواقف، بينما ما زالت تختلف في قضايا ومسائل أخرى.

أنهى النظام العربي الرسمي موقفه الملتبس إزاء النظام السياسي – الأمني الفلسطيني في غزة، والذي تقوده حماس. تتالت الوفود العربية على زيارة القطاع أثناء العمليات العسكرية. فُهم من إشارات التضامن هذه مع القطاع، بأنه دعم للجهد العسكري الذي تردّ به الفصائل الفلسطينية هناك على العدوان الإسرائيلي، بغض النظر عن هوية تلك الفصائل وأجندتها السياسية. بمعنى آخر، عاد النظام العربي الرسمي للوقوف مع فلسطين، ليس فقط لمبدئية تلك المواقف، بل لكونها، عادت (أي فلسطين) لتكون مسألة تنفيس ومناسبة إجماع وموسم ترويج لشعارات فقدت بريقها، وتراجعت أولوياتها في العقدين الأخيرين.

وقد يذهب مزايدون إلى إعتبار أن الأداء الرسمي العربي ما زال أقل من المطلوب، وليس على مستوى الحدث، ولا يرقى إلى تطلعات الفلسطينيين تحت النار في غزة. بيد أن تلك الدعوات ظهرت حالمة واهمة، وبدت إعتراضية على سياق لافت، وأتت إستدراكاً لموقف عربي جديد، يمسك بزمام المبادرة، وينزعها في الوقت عينه من مسالك تتجاوز النظام العربي الرسمي. بدت المزايدات تنتمي إلى زمن ما قبل الربيع العربي، وتبدو متهالكة متقادمة اليوم، في الشكل والمضمون.

وبغض النظر عن التفاصيل التكتيكية لإندلاع الحرب في غزة، سواء بالكلام عن أجندات إيرانية حرّكت الجانب الفلسطيني، أو أجندات أمنية إنتخابية حرّكت الجانب الإسرائيلي، فإن الجانب العربي، ولأول مرة في العقد الأخير، وعلى الرغم من التناقض العربي – الإيراني، لم يأخذ بالتفاصيل، بل ذهب إلى ما هو إستراتيجي، وتقدم بخطاب شديد، بحيث إختفى داخل الإجماع حوله ما درج من تصنيف بين ما هو ثوري ورجعي، بين ما هو ممانع ومعتدل. وربما فوجئ المراقبون بمواقف من يوصفون بالـ "معتدلين" كلاسيكياً، تجاوزت مواقف صدح بها "الممانعون" سابقاً بالطبعة السورية وراهناً بطبعتي إيران وحزب الله.

لم تختلف مواقف مصر وتونس وليبيا، أي تلك الدول التي أسقط الربيع العربي أنظمتها السابقة، عن مواقف بقية الدول العربية في الخليج والمشرق والمغرب. بكلمة أخرى، تتآلف الأنظمة السياسية الجديدة مع النظام العربي السائد في الموقف الواجب إتخاذه تضامناً مع غزة. وفي إتساق تلك المواقف، ربما إدراكٌ المعارضات السابقة لواقعية الوضع العربي، وشروط المناورة من داخل النظام الدولي العام.

وربما في "واقعية" ردّ الفعل في تونس ومصر (حيث يحكم الإخوان المسلمون)، وفي ترويض الشارع الإسلامي (لا سيما في مصر)، حرجٌ من القدرة على الذهاب إلى ما كانت تدعو له الخطب الثورية للمعارضة سابقاً. فخطب المعارضة التي إنتقلت إلى السلطة راهناً، باتت تحسب بشكل دقيق كل جملة، كل خطوة، كل تصريح، حتى أن مصادر إسرائيلية إعتبرت أنها لم ترّ فرقاً في ردّ فعل الرئيس مرسي عن ردّ فعل مبارك خلال عملية "الرصاص المصبوب".

الزعم الإسرائيلي ينمّ عن مكابرة جوفاء. فلا شك أن زيارة مسؤولين مصريين (كان أولهم رئيس الوزراء) إلى غزة، يعلن إنتهاء حقبة في مصر. ولا ريب أن إسرائيل ترى نفسها هذه المرة على تناقض معلن مع كل النظام العربي، بعد أن كان الموقف العربي منقسم إزاء الحرب في غزة عام 2008، وقبل ذلك قي لبنان عام 2006.

الموقف العربي الشامل للتضامن مع غزة، في تشابك عناصره وتنوع مشاربه، إضافة إلى تكامله الملتبس مع الموقف التركي، سحب، في ساعات، وبشكل يكاد يكون نهائياً، البساط الإيراني في فلسطين. كما أن تسارع الدعوات الفتحاوية لمصالحة جدية وفورية مع حماس، تعكس شعوراً بإنسحاب العامل الإيراني وتراجعه، والذي موّل ودعم الإنقسام وعطّل دون كللٍ جهود الرياض والقاهرة منذ سنوات لإنتاج هذه المصالحة.

بدت طهران غريبة عن المشهد العربي دخيلة عليه. وبدت، بالمقابل، حماس، جزءاً من النظام العربي الرسمي المتباين عامة مع الخيارات الإيرانية. وبدا، في هذا السياق، موقف حزب الله إستلحاقياً زائداً تعوزه المصداقية، لا سيما في إلتهائه بتقديم الأعذار (الغير مطلوبة بالمناسبة) عن غياب دمشق عن الساحة الغزية. وبدا أن طهران، حتى في جهدها التسليحي لفصائل غزة، غير قادرة عن حصد النتائج، بالمعنيين العسكري والتسووي. وبدا أن الجمهورية الإسلامية فقدت ورقتها الفلسطينية، ليس فقط بسبب موقف حماس من النظام السوري، وليس فقط لإبتعاد مفترض لقيادة حماس عن طهران (بغض الظر عن موقف تيارات داخلها)، ولكن أيضاً لقوة الدينامية العربية الراهنة (المتصلة بدينامية تركية)، والتي لو فُعّلت إنطلاقاً من حدث غزة، لأعادت ترتيب التوازن مع إيران بشكل جوهري كامل.

في هذا الإطار، ينبغي ملاحظة أن رسائل التشكيك بالنظام العربي الرسمي صدرت عن حزب الله من خلال مواقف السيّد حسن نصرالله الذي سخر فيها من إجتماعات وزراء الخارجية العرب معتبراً "أن الدول العربية تنفع كهلال أحمر... ومشيّعي جنازات"، فيما نُقلت معلومات عن حركة الجهاد الإسلامي تتحدث عن "ضغوط عربية تمارس لمنع الصواريخ الفلسطينية عن تل أبيب تلافياً لإحراج نتنياهو". وإذا ما تذكرنا قرب الطرفين من إيران، ندركُ مدى الضيق الإيراني الحالي، وسعيّ طهران للتشويش على الجو العربي الراهن.

إيران روّجت جاهدة، من خلال وسائل إعلام حليفة، أن مستوى التواصل والتنسيق بين حزب الله وحركة حماس والقوى الفلسطينية قد إرتفع في الآونة الاخيرة لمتابعة التطورات في غزة. فيما سربت مصادرُ قريبة من طهران، أن دفقَ السلاح إلى غزة لم يتوقف، وأن إستنفاراً أُعلن في صفوف حزب الله والحرس الثوري الإيراني.

بيدَ أن طهران تراقب بقلق أن حراك الخروج من الأزمة يجري في مصر، حيث يستقرُ خالد مشعل حالياً، بينما تتوافق دول مجلس التعاون على موقف ضاغط على الولايات المتحدة لتسهيل تسوية ميدانية ما، فيما يبدو الموقف التركي ديناميكياً من خلال موقع أنقرة الأطلسي، أو من خلال ما تملكه تركيا من نفوذ في العالم العربي عامة ولدى الفلسطينيين (السلطة وحماس) خاصة. ووفق ذلك ترتخي القبضة الإيرانية ويتراجع معدل إختراقها وتكاد تسلّم أن مياهها في الشأن الفلسطيني آيلة إلى ركود.

ينبغي الإنتباه إلى أن حركةَ حماس مضطرةٌ راهناً، وفي المستقبل القريب، أن تأخذَ بعين الإعتبار السلوك العربي المتضامن. فهو أمرٌ سيرفع منسوبَ النقاش الداخلي للإندماج داخل السياق العربي، والإبتعاد نهائياً عن الخيارات الإيرانية. ذلك أن الوعاء العربي السياسي، الذي تناقض مع حماس في السابق، يؤمّن لحماس أرضية "طبيعية" لحراكها السياسي، كما يوفر (من خلال مصر على الأقل) تواصلاً أيديولوجيا وجغرافياً يغنيها عن ذلك الإرتباط الملتبس (عربياً) مع إيران.

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي