غزة تشرب الماء الآسن بحلول عام 2016

تسرب مياه البحر الى المياه الجوفية يرفع نسبة التلوث

القدس ـ حذرت الأمم المتحدة في تقرير جديد لها من تأثير المياه الملوثة الخطير في قطاع غزة على صحة السكان، ويبدو أن الوضع سيزداد سوءاً. ويتزايد عدد سكان غزة الذي يبلغ حوالى 1.64 مليون نسمة بسرعة - ومن المتوقع أن يزيد بنحو 500 الف بحلول عام 2020 - وقد يفقدون قريباً المصدر الرئيسي للمياه العذبة، ألا هو خزان المياه الجوفية الكائن تحت المنطقة الساحلية، الذي قد يصبح غير صالح للاستخدام بحلول عام 2016، وقد يصاب بأضرار لا يمكن إصلاحها بحلول عام 2020، حسبما ذكر التقرير.

وقال محمود ضاهر، مدير مكتب منظمة الصحة العالمية في غزة أن حصة معظم سكان غزة من المياه النظيفة تتراوح بين 70 و90 لتراً للفرد في اليوم الواحد في المتوسط، مقارنةً مع الحد الأدنى العالمي الذي حددته منظمة الصحة العالمية وهو 100 لتر يومياً.

ومن جهة أخرى، أفاد محمد الكاشف، مدير عام الإدارة العامة للتعاون الدولي في وزارة الصحة بغزة أنه "لدينا أمراض في الجهاز التنفسي، وأمراض جلدية، وأمراض في العين، والتهابات في المعدة والأمعاء، التي يمكن أن تكون جميعاً مرتبطة بالمياه الملوثة".

ووفقاً لتقرير منظمة الأمم المتحدة للأطفال (اليونيسيف) المحدث الصادر في 2010، يرتبط نحو 26 بالمائة من الأمراض في غزة بحالة المياه. ومع ذلك، كان ضاهر أكثر حرصاً على إظهار هذا الارتباط بقوله: "ليس هناك دليل على أن الوضع المائي الحالي يمثل مشكلة صحية عامة رئيسية، ولكن ما نعرفه على وجه اليقين هو الصلة بين الأمراض الفيروسية والطفيليات من ناحية والمياه الملوثة من ناحية أخرى".

ووفقاً لليونيسيف، يُعتقد أن تلوث خزان المياه الجوفية بالنيترات يشكل تهديداً للأطفال الرضع والنساء الحوامل. وأحد أمراض الأطفال المتصلة بالمياه الملوثة هو الميتهيموغلوبينميا، أو ما يسمى بمتلازمة الطفل الأزرق، الذي ظهر بالفعل في صفوف الأطفال الذين ولدوا في قطاع غزة. ومن المعتقد أن ارتفاع تلوث المياه الجوفية بالنيترات يتسبب في الإصابة بهذا المرض. كذلك أشار محمود ضاهر إلى أن الإسهال، الذي أصبح شائعاً جداً في قطاع غزة، يرتبط على الأرجح بتدني معايير النظافة في المؤسسات التي تقوم بتحلية المياه، وأضاف أنه "ليس من الواضح ما إذا كانت المشكلة هي الماء فقط، أو الماء مع مصادر أخرى".

تدابير علاجية

ويقول تقرير الأمم المتحدة أن "الأضرار التي لحقت بطبقة المياه الجوفية الساحلية ستكون غير قابلة للإصلاح ما لم يتم اتخاذ تدابير علاجية فورية". ويؤخذ في المتوسط 160 مليون متر مكعب من المياه من خزان المياه الجوفية سنوياً، ولكن يتم تغذيته بحوالى 50 إلى 60 مليون متر مكعب فقط من مياه الأمطار والجريان السطحي للمياه من تلال الخليل كل عام، ما أدى إلى فجوة كبيرة بين توفر المياه واستعمالها. ونتيجةً لذلك، تتناقص مستويات المياه الجوفية، ما يسمح بتسرب مياه البحر.

وفي الوقت نفسه، يتوقع التقرير أن يبلغ الطلب على المياه 260 مليون متر مكعب في عام 2020، بزيادة قدرها نحو 60 بالمائة عن المستويات السائدة حالياً. فقد قال سامي أبو سلطان، وهو موظف في وكالة مساعدات إنمائية من قطاع غزة تتعامل مع مشاريع تنقية المياه: "عندما أحمم ابنتي، أجد نفسي بحاجة إلى أن أحممها مرة ثانية بالمياه المعبأة في زجاجات، لأنك تستطيع أن تشعر بالملح العالق على البشرة. ويعتقد معظم الناس أنه حتى مياه الشرب التي نحصل عليها ليست صحية على الإطلاق".

ويبدو أنهم على حق، فتقرير الأمم المتحدة يقول أن 90 بالمائة من المياه الجوفية ليست صالحة للشرب بدون معالجة إضافية.

تلوث قاتل

أكد محمد الكاشف أن "المياه التي تصل إلى الناس هنا لا تلبي أية معايير صحية متعارف عليها في العالم.

ويؤدي تلوث المياه إلى الإصابة بالكثير من الأمراض، خاصة لدى الأطفال". وأحد مصادر التلوث هو تسرب مياه البحر إلى المياه الجوفية، بعد ضخ حوالى 90 الف متر مكعب من مياه الصرف الصحي في البحر كل عام وزيادة تلوث المياه بالنيترات بسبب استخدام الأسمدة في الأراضي الزراعية.

حياة الغزاويين مهددة بالماء الملوث

أما منذر شبلاق، المدير العام لمصلحة مياه البلديات الساحلية في قطاع غزة، فيقول أن "الأمم المتحدة متفائلة في تقديرها أن 90 بالمائة فقط من المياه غير قابلة للاستخدام. أنا أعتقد أن هذه النسبة تبلغ 95 بالمائة".

وأضاف أن مستويات النيترات تصل إلى 500 مليغرام للتر الواحد في بعض المناطق، أو ما بين 100 و150 مليغراماً للتر الواحد في المتوسط، مقارنةً مع المعايير الدولية التي لا تتعدى 50 مليغراماً/لتر.

وتجدر الإشارة إلى أن نحو نصف مليون شخص في قطاع غزة غير متصلين بنظام الصرف الصحي، ما يجبرهم على استخدام الحفر الامتصاصية والسريان في القنوات المفتوحة الذي يلوث البيئة وغالباً ما يلوث طبقة المياه الجوفية أيضاً.

ولأن المياه التي يتم توفيرها من خلال أنظمة البلدية ملوثة، يشتري83 بالمائة من الأسر المياه المحلاة، وينفقون عليها ما يصل إلى ثلث دخل الأسرة. ولكن حتى هذه المياه ليست نظيفة بالقدر الكافي في كثير من الأحيان. وأولئك الذين لا يستطيعون شراء المياه، يستخدمون الآبار الخاصة والزراعية منها، والتي غالباً ما تكون ملوثة.

خطط تحلية المياه

تُبذل حالياً الجهود لتحسين الوضع من خلال تحلية مياه البحر، التي من شأنها أن تقلل كمية المياه المطلوب استخراجها من طبقة المياه الجوفية، مع توفير مياه شرب أكثر نظافة.

وأفاد شبلاق، المسؤول بمصلحة مياه البلديات الساحلية أنّ "الحلول تسير على الطريق الصحيح،" مضيفاً أن "الهدف القصير الأمد هو تحلية 13 مليون لتر مكعب بحلول عام 2015. سنركز على المناطق الأكثر عرضة للتلوث التي ترتفع فيها معدلات التلوث بشكل خاص. وعلى المدى الطويل، ينبغي أن تنتج محطات التحلية الكبيرة ما لا يقل عن 100 مليون لتر مكعب في السنة، قبل عام 2020".

وقال شبلاق أن البنك الإسلامي للتنمية والاتحاد الأوروبي يوفران جزءاً من التمويل المطلوب لتحقيق الهدف القصير الأمد. وأضاف أن الاتحاد من أجل المتوسط يدفع الخطة الطويلة الأجل للمضي قدماً. فهو يخطط لاقامة محطة لتحلية المياه بسعة 55 مليون متر مكعب سنوياً في المرحلة الأولى، و110 ملايين متر مكعب في المرحلة الثانية.

ولكن على الرغم من الجهود المبذولة لحل الأزمة، قد يكون العلاج الحقيقي حتى الآن بعيد المنال. "حتى بعد اتخاذ إجراءات علاجية الآن لوقف التجريد، فإن تعافي طبقة المياه الجوفية سيستغرق عقوداً طويلة"، كما حذر تقرير الأمم المتحدة. (ايرين)