غرام مفاجئ بين الأدب والسياسة وثقافة الصورة

بقلم: الشربيني المهندس
من المسموع إلى المرئي

تغيرت الحكاية في قرننا الجديد، وبفضل أدوات المعرفة وتكنولوجيات التطبيقات الحديثة تحول الكثير من الخيال إلى واقع يثير دهشة جدتي.
ويدين العلم كثيرا لشطحات الخيال مثل رحلات جون فيرن في عالم البحار أو داخل جسم الإنسان أو غزو الفضاء وغيرها.
وربما تأثرت السياسة بعد "أمير" ميكيافيللي بذك أيضا، فهي في حاجة إلى تقنيات القص والإثارة الدرامية، وحيث تتحول شطحات الخيال ومغامرات سينما هوليوود إلى واقع ملموس.
النص الصورة كان بداية عصرنا الجديد، فلك الحرية أن تفتح التلفاز ومن ثم تأخذك الصورة. ربما ترى الصورة جميلة ولكن عندما تقترب تختلف وجهات النظـر.
وقد نتفق على أن عالمنا الذي قفـز من المسموع إلى المرئي مع عالم الفضائيات طارحا ما يسمى حضارة الصورة قد تغير بشكل كبير.
يبدو مع الاقتراب من منمنمات الصـورة أنه قـد تراجعت قيم كثيرة منها الفكـر والعقـل، وظهـر بدلا منها الشكل والمظهر والإطار وحرية التجريب مع تداعيات التيارات النقـدية المختلفة الحر منها وغيره.
ومع تيارات الوعي واللاوعي ما زال تفاوت التطـور التقني علميا وثقافيا بين عالمنا العربي والعالـم الحديث يلقي بظلاله الرمادية التي تتسع مع مرور سنوات ما بعـد حادثة الأبراج الأميركية الشهيرة، وذلك على منطقتنا.
لقد أصبح الفارق كبيرا بين من يجلس إلى صورة التلفاز ومن يستحضر صورة الكمبيوتر.
ونأتي إلى عالم الأدب بعـد أن خرجنا تاريخيا وجغرافيا من أبواب ثورة العلم والمعرفة الخلفية مع إصرارنا على الاحتفاظ بخيالنا والحياة في عالم الأحلام، وذلك حيث يبدو أن نظريات الحداثة وما بعدها، قد طرحت ظلالها بالعالم الغربي مع إبهار الصورة، وصولا إلى التفكيكيه وإعادة التكوين.
ومع التناص والقدرات الخاصة والإمكانات المتاحة يمكن إعادة التكوين عشرات المرات. بينما كان العالم العربي ـ والذي اشتهر بأنه أمة صوتية ـ يحاول تطبيق نظريات ما قبل الحداثة ويتوقف فاغرا فاهه أمام البنوية.
ومع الغرام المفاجئ بين الأدب والسياسة وثقافة الصورة ـ والتي توقفت عند شعر المديح والهجاء ثم ثقافة الانبطاح عندنا ـ كانت هذه النظريات في عالم السياسة في حاجة إلى ميدان رماية لتطبيقها وإخراجها من نطاق التخييل، وربما الأسطورة والواقع الأدبي إلى العالم الآخـر، أو رؤية الصور عمليا لهذه النظريات.
ومع تسلل منمنمات الثقافة الغربية وأسلوب حياتها ومنتجات التكنولوجيا إلى حياتنا اليومية جاء عالمنا العربي وبنيويته الساكنة، وحيث موت المؤلف وسقوط النص بين براثن المتلقين ليشغل بقوة مركز الصدارة لتطبيقات عالم ما بعـد الحداثة، وتتم تجارب التفكيكية وإعادة تركيب النص في أكثر من منطقة بأراضيه، مع انشغال مثقفيه بمعارك دون كيشوتية حول الثنائيات الشهيرة مثل الدين والعلم، الأصالة والمعاصرة، وغيرها.
مع الصراع بين الصورة والمونتاج كان ملعب السياسة وفن الممكن، وجاء دور التكنولوجيا والأدب ليقول كلمته، من الخيال إلى الواقع، أو النظرية الأدبية والتطبيق السياسي، وعشنا مغامرات عسكرية مع الصورة.
وقد يكون البعض قد مارس متعة حقيقية وصور المعارك الشرسة تنقلها الفضائيات كل ثانية، ويشارك في الحرب من منازلهم طارحا خياله الأدبي بين حبات اللب والسوداني، مشدوها بالشكل والإطار.
وربما تأذت مشاعر البعض ـ رغم المساحيق ـ مع انتهاكات حقوق الإنسان وفضائح السجون وصور التعذيب بكل الألوان وقفزت دموع البعض الطبيعية من مكامنها.
لكن أبلغ الصور مابين التفكيكية والبنيوية أو الواقع والنظرية من وجهة نظر أدب حضارة الصورة كانت تلك المفارقة لظلال الصورة والواقع ومع هذه اللمحة.
عشية حرب الخليج الأولى والانتصار لحرية الضعيف رفع الرئيس الأميركي جورج بوش الأب كأسه عاليا تحية للعـرب الذين أطلقوا اسم بوش على أبنائهم، لتبدو ملامح الصورة أكثر بريقا في عيون المارينز وماكدونالد وهوليوود والطريق الممهد للشرق الجديد.
وسعت الإدارة الأميركية لصنع نماذج عملية لتأكيد رؤية هؤلاء الثلاثة، واختارت بتوصية من الأصدقاء حليفها السابق ـ لتبدو ملامح الصورة أكثر ضبابية ـ ليكون الانموذج. وبالحرب على العراق وتفكيكها وسجن ومحاكمة رئيسها السابق وذبحه في مناسبة خاصة جاء التجريب على أنماط متعددة.
كان الهدف أن تكون (نموذجا) اجتماعيا وسياسيا وحضاريا بالشكل الجديد للشعب العراقي (وكمقدمة لتعميم النموذج في المنطقة).
وأيضا يكون الجزاء المماثل لمن يحاول تغيير الصورة.
واختلفت الصورة بعد حرب العراق وزينتها ما بين التزييف والمونتاج، وتعـددت وتنوعت المشاركات المحسوبة والعشوائية مع الموسيقى الصاخبة في تكوين ملامح الصورة. والأمثلة التي تنقلها شاشات الفضائيات أو أدب حضارة الصورة ليست أدل من هـذه القصـة المخزونة بالذاكرة كما نقلتها وكالات الأنباء لتكتمل الصورة.
هل أتاكم ـ مثلا ـ نبأ الغلام العراقي أسامة نبيل (10 سنوات)؟
إنه يفكر في ترك المدرسة وهجر التعليم!
لماذا؟
لأن ملامحه العامة تشبه ملامح جورج بوش الابن، وهنا كانت المفارقة حيث تشابه الشكل واختلاف الاسم، وبمقتضى هذا التشابه أخذ أقران أسامة في المدرسة يطلقون عليه اسم بوش، والواضح أن هذه المرة كانت حالة رد فعل عكسي بخلاف حالة بوش الأب. فامتلأ الغلام غيظا من إطلاق اسم بوش عليه. وفكر في هجر المدرسة والتعليم وقال:
"ما زال أبي يحاول إقناعي بالبقاء في المدرسة، لكن إصرار زملائي في المدرسة على إطلاق اسم بوش علي جعلني أشعر بالحزن ففضلت العزلة، وأفكر في ترك المدرسة لأن هذا الاسم أصبح ملتصقا بي، وأتمنى الخلاص منه بأية وسيلة كانت."
وبتكبير الصورة مع حالة استنساخ الاسم لشكل مستعار واتساع مدلولاتها الشكلية والجوهرية، يبدو حجم النحس للحداثة أكبر من المخطط له من جهة، وتطرح وجهة النظر الأخرى نفسها بقوة تفوق المستهدف، وتتعدد القراءات مع الزوايا المختلفة للصور الجديدة، وكأن شخصيات الصورة تتحرك بمعـزل عن الكاميرا والقمر الصناعي.
وعودة إلى الأدب الورقي وتجارب الشخصيات غير النمطية وحرية الشخصيات في التمرد على المؤلف. ونظل نتساءل مع القراءة الأعمق للواقع ـ ومن قبلها معطيات التاريخ ـ هل ما زال العقل زينة مع ما سيحدث ـ بعد موت المؤلف ثم موت النص ـ ومع نبيل العربي أو المستقبل القريب. الشربيني المهندس
عضو اتحاد كتاب مصر
عضو اتحاد كتاب الإنترنت العرب