غرابيب سود.. يكفيه عمل درامي ضد داعش

من المفروض الخوض في المدارس المتطرفة التي خرجت عناصر داعش

تابعت الحلقات الثلاث الاولى من مسلسل (غرابيب سود) الذي يبث على فضائيات عربية مختلفة خلال شهر رمضان الحالي، ويتحدث عن تنظيم داعش الارهابي، وما يقوم به من مجازر تقشعر لها الابدان وتشيب لها الولدان.

بداية لا بد من القول ان التوجه لكشف حقيقة تنظيم داعش الارهابي عبر سياق درامي أمر جيد لا بد من اتباعه وسيلة لكشف اوكار التنظيم امام جمهور المتابعين من المحيط للخليج، وان اعتماد الدراما وسيلة لمخاطبة العقول توجه إيجابي يتوجب البناء عليه وتدعيمه.

ورغم أن متابعة حلقات قليلة من مسلسل من 30 حلقة لا يؤهلنا للحديث بشكل مستفيض ومعمق عن المسلسل بشكل كامل، بيد أن ما دفعني للخوض في الكتابة عن المسلسل منذ بدايته وانا الذي لم امتهن فن النقد الدرامي، ولم يكن ذاك هدفا لي، الا انني آثرت ان اتحدث عنه في اولى حلقاته بعين المتابع المتلقي وليس بعين الناقد الحرفي الذي يمكن ان يحدثنا عن إبداعات المخرج والفنانين ومدى اتقانهم لأدوارهم التي لعبوها.

كشف داعش من الداخل
قبل ذاك لا بد من الاشادة بفكرة المسلسل من خلال تسليط الضوء على داخل تنظيم داعش، خصوصا دور النساء واثرهن في التنظيم، والدور الذي لعبنه في تجنيد سيدات أخريات للالتحاق بالتنظيم، وهو توجه ايجابي كان يتوجب استكمال معالجة الافكار التي يرفضها القائمون على العمل ونقد ما يقوم به داعش بحق النساء من خلال نقد بعض الممارسات التي تتعامل مع المرأة بذات النظرة التي يتعامل بها داعش مع النساء ولكن باستخدام المكياج.

كما ان معالجة مسألة تجنيد الاطفال واغتصابهم من قبل افراد التنظيم كما ظهر في المسلسل تعتبر قفزة ايجابية تحسب لصنّاعه، كما يحسب لهم ايضا معالجة مسألة قيام انصار التنظيم بالدعاء على الروافض (انصار ايران)، بيد انه قفز عن حقيقة واضحة ابرزها انه ما يزال ائمة يلهجون ليل نهار بالدعاء على ذات الفئة التي يدعو عليها داعش وانصاره، دون ان يكون هناك موقف ضد ما يقومون به!، ودون ان يتم تقديمهم للمحاكمة لإثارة الفتن.

كل ذاك لا يعفيني من تأييد أهمية توظيف الدراما في معالجة قضايا اجتماعية وسياسية وغيرها، لكن ذاك لا يعني غض النظر عن تشوهات أساسية ظهرت أمام عينيّ كمتابع، وأبرزها، خلاف ما ذكر آنفا، قفز المسلسل عن مرتكزات أساسية اولها عدم معالجة كيف وصل المتطوعون الى مكان داعش في العراق والشام، وكيف يلتحقون بالتنظيم، فالملتحقون لم ينزلوا من السماء، وانما وصلوا الى العراق وسورية عبر منافذ حدودية واضحة كان يفترض بالمسلسل كشف حقيقة من يسهل لأولئك القتلة التزود بالعتاد والمال والرجال، وعدم غض النظر عنهم لاعتبارات انتاجية او سياسية، اذ لا يمكن ان نتحدث عن مسلسل هدفه كشف حقيقة داعش كما ظهر في اولى حلقاته ومن ثم نراه يقفز عن تلك الحقيقة الخطرة.

كان لافتا ايضا قفز صناع المسلسل عن حقيقة وجود مدارس فكرية سلفية تكفيرية ساهمت وما تزال في تشويه أفكار الشباب والصبايا بأفكار غير حقيقية، ولذا فإن اشارة المسلسل الى المشاكل النفسية التي يعاني منها الملتحقون بالتنظيم وارجاع سبب التحاقهم لتعقيدات عائلية وخيانات اسرية وبحث فتيات عن جهاد النكاح كمهرب من العنوسة، لا يعفي من معالجة اصل مشكلة التطرف والمتمثلة في وجود مدارس أصولية إرهابية منحرفة ما تزال موجودة في بلداننا العربية ينهل اولئك افكارهم منها، ووجود كتب حتى اليوم تباع في الاسواق العربية يعتمدها اولئك في فتاواهم، ووجود دعاة ما يزالون يطلبون من الشباب العربي التوجه لـ"ارض المعركة في الشام والعراق!".

الابتعاد عن الغوص في اصل المشكلة خوفا من الاعتراف او حتى التلميح الى الافكار التي ينهل منها اولئك سيجعل المسلسل يذهب الى التسطيح السردي دون الغوص في عمق الاشياء، وهنا سيظهر المسلسل وكأنه جاء ليدافع عن دول بعينها دون وضع اليد على الحلول.استوقفتني التعليقات التي طالعتها عبر وسائل التواصل الاجتماعي حول مسلسل (غرابيب سود) الذي يعرض على قنوات عربية ومنها قناة (ام بي سي) السعودية التي تعتبر صاحبة العمل، والذي يغوص في أعماق تنظيم داعش الارهابي ويكشف بعض تصرفاته التي يعرفها القاصي والداني.

انتقادات بعيد عن المعقول

تلك التعليقات استفزتني لمعاودة الكتابة عن المسلسل، وانا الذي انتقدت سطحية الطرح الذي يتضمنه المسلسل، والقفز عن حقائق اساسية ابرزها كيف تكوّن التنظيم ومن دعمه وموّله وارسل له المال والرجال، والقفز عن المدارس الفكرية التي استنبط منها التنظيم الارهابي افكاره الخارجة.

ابرز تلك التعليقات والتغريدات المستفزة صدرت عن اعلاميين واعلاميات عرب وأردنيين ينتقدون المسلسل من منطلق انه "يشوه اهل السنة!!"، ويشوه النساء السنيات ويصورهن "باحثات عن الجنس"، بحسبهم، وفي هذا قول غريب ومردود على اصحابه.

اولئك عندما ينتقدون مسلسلا (حتى لو كان سطحيا) يتحدث عن داعش ويلقي الضوء على خروج أولئك الدواعش عن الدين، ويخرجون علينا باستنتاج ان احداثه تشوّه (اهل السنة!)، فهم بذلك يريدون منا التسليم بان داعش تمثل اهل السنة، وفي هذا تجنٍ وابتعاد عن الحقيقة الراسخة التي نرفضها جميعا، ولا يسعنا هنا الا الرد على اولئك المدافعين عن داعش من باب المذهبية السنية، كفاكم لعبا بأحقاد طائفية وتسترا خلف معزوفات مذهبية بات الجميع يعرفها ويعرف اين تريدون إيصالنا من خلالها.

أيها السادة نقول لكم، نعم داعش تاجرت بجهاد النكاح واعترافات فتيات تونس وغيرهن اكبر دليل على ما كان يقوم به التنظيم، كما ان اعترافات الفتيات اليزيديات حول مرارة التعذيب الذي تعرضن له من داعش والنصرة وخلافها من تنظيمات ارهابية يجعلهم يصمتون ويتوقفون عن خلط الاوراق، والدفاع على الباطل بثوب الحق.

ايها المنافحون عن الدواعش من بوابة المذهبية ما يضيركم لو تم تشويه داعش واظهار عنفها؟ لماذا تغضبون لو قلنا ان داعش شوهت الاسلام وإن الاسلام الصحيح بريء منهم ومن افعالهم؟، ما يضيركم لو تم تسليط الضوء على تجارة اولئك بجسد المرأة عبر جهاد النكاح والسبي؟!!.

اصمتوا افضل لكم، فمن قال لكم ان داعش تمثل اهل السنة؟ لماذا تريدون خلط الاوراق وإذكاء المذهبية البغيضة تحت ستار الدفاع عن اهل السنة وانتم بذلك انما تدافعون عن داعش وإخوتها وليس عن أهل السنة.

ايها المتسترون بالغيرة على نساء اهل السنة لا نريد حميتكم مدفوعة الاجر، فمراميها معروفة واهدافها مكشوفة ودروسها مقروءة، وحتى تقاريركم باتت معروفة.

وبالتزامن استوقفني عبر شبكات التواصل الاجتماعي القول إن ما يرد في المسلسل صنيعة شيعية، تهدف لتشويه اهل السنة، وهو عزف منفرد على وتر لم يعد يغني عن جوع، فهذا العزف خبرناه وعرفناه وعرفنا ان هدفه اولا واخيرا زرع بذور الفتن المذهبية والطائفية التي من شأنها ابعاد العين عن العدو الحقيقي المتمثل في الكيان الصهيوني وكل من يسانده.

رغم ذاك فانني ما أزال غير معجب بالمسلسل وأرى فيه تسطيحا للامور ومحاولة لتبرئة فئات معينة مما تقوم به داعش، رغم ان كل ما يستند إليه الدواعش في فتاواهم ووجهات نظرهم المتشددة موجود في كتب تباع في الاسواق العربية دون حسيب أو رقيب.

في هذا المقام لا أدافع عن المسلسل وعن ركاكة الحوار وتقزيم الامور، وانما اردت في هذه العجالة القول لاولئك الذين ارادوا من خلال هجومهم عليه الذي افتقد للنقد الصريح وذهب للنكش في المذهبية، كفافكم عبثا بالمشاعر، فداعش انتم تعرفون ما الذي أوجده، وتعرفون لأي فكر أصولي يستند، وتعرفون شيوخهم ومدارسهم، وتعرفون ايضا ان جهاد النكاح والتجارة بالأعضاء وخلافه اعتمدها التنظيم في مراحله الاولى، فكفاكم.

جهاد المنسي

حلقتان نشرتا في الغد الأردنية