غالية آل سعيد: 'صابرة واصيلة' في مجتمع ذكوري

بيروت
صابرة واصيلة تريدان الواقع بنكهة الحلم

تقص الكاتبة العمانية غالية ف.ت. ال سعيد في روايتها "صابرة وأصيلة" قصة التقاليد الصارمة وسيطرة الرجل على عالم المرأة كله وتوق الانسان من خلال امرأة شابة الى الحب والجري ببراءة كالسذاجة وراء احلام يشترك في صنعها الخيال والوهم، فيتحول الحلم الى مأساة.

وتصور الكاتبة بدفء وهدوء أجواء وأحداثا ربما دفعتنا الى وصفها بأنها كلاسيكية لنعود فنتذكر ان في الكلاسيكي تكريسا لما هو انساني وبالتالي لكثير مما هو خالد. الانساني الخالد هنا هو الحب وتوق الانسان الى ان يحيا بالفعل ما "يحياه" في الحلم.

ومن المفجع ان نكتشف ان هناك "خالدا" اخر في عالمنا العربي وما يماثله من عوالم اخرى: هو تقليد سحق المرأة باسم الاحتشام والاخلاق والشرف والكرامة. والرجل -بصورة الاب او الاخ او النسيب- هو الجلاد البطل الساهر على هذه القيم والساهر في كثير من الاحيان لا كلها على حماية حدود عالم التخلف و"الذود عن حياضه".

غالية ال سعيد تقيم روايتها على استنتاج بعد درس هادئ.. فترفض فيها من ناحية الظلم الذي يلحق بالمرأة ولكنها ايضا تحذر من الاحلام التي تقوم على جهل احوال العالم والناس بسبب حرمان الانسان من حقه في العلم اي من الطريق الصحيح الى الحرية.

صحيح ان الكاتبة "تهرب" من زمننا الحالي الى الستينات من القرن العشرين، لكن هذا الهرب لا يخفي ما هو اكيد عند القارئ من ان ما في الرواية من حقائق لا يزال ينسحب على اوضاع كثيرة في العالم العربي وهناك كثير من الدلائل على ذلك ليس اقلها ذلك الفيض من الروايات التي تكتبها نساء عربيات وخليجيات في شكل خاص.

الا ان هرب الكاتبة الى التاريخ يوقعها احيانا في خطأ تاريخي حيث "تستعير" شعرا حديثا لعصر لم يكن قد عرف هذا الشعر.

الدكتورة غالية ال سعيد ولدت في سلطنة عمان ودرست فيها وواصلت دراستها العليا في بريطانيا حيث تخصصت في العلوم الاجتماعية وحصلت على شهادة دكتوراه في العلاقات الدولية. وقد جاءت "صابرة وأصيلة" في 158 صفحة متوسطة القطع وصدرت عن دار رياض الريس للكتب والنشر.

وتقدم الكاتبة للرواية بالقول "وقعت احداث هذا العمل الخيالي في عقد الستينيات من القرن الماضي وكان مسرحها مسقط عاصمة عمان. كان الناس حينئذ متعطشون للعلم والمعرفة وكانت وسائل المعرفة شحيحة لدرجة الانكباب على الوجه لقراءة ما تيسر من مكتوب. كنا نتهافت على قصاصات الجرائد العربية التي تصلنا بشق النفس ونعتبرها كنزا ثمينا لا يقدر بثمن".

صابرة وأصيلة صديقتان حميمتان من عائلتين فقيرتين وقد اخرجتا من المدرسة باكرا فبقيت الاحلام بالمعرفة وبالعالم السحري الذي تؤدي اليه ترافقهما، وترافق بشكل خاص صابرة التي تتحكم بها رومانسية وميل الى الكتابة لم يجد طريقه الصحيح.

والد صابرة ضعيف يتحكم به وبالعائلة شقيقها حمد المستبد الجاهل الذي يريد اخته خادمة له ولعائلته.

تقول صابرة متسائلة "متى سيكل ويمل كل من والدي وأخي من الحديث المتواصل عن فجور البنات وكوارثهن وتكلفتهن وازهاق دمهن. أليس هناك مواضيع اخرى يشغلان بها عقلهما بدلا من هذا النقاش الممل؟".

تهرب صابرة من عالمها الخانق الى احلام غالبيتها من احلام النهار. تعلق قلبها بمدرس فلسطيني يعمل في مدينتها فكانت تتسلل مع صديقتها تخفيهما كسائر النساء الثياب التي تخفي الجسد والوجه لتلمحاه عبر نافذة "الفصل". كانت صابرة تكتب روايات غريبة بصفحات فارغة في معظمها وكل رواية من اسطر معدودة. واستطاعت صابرة ان تلتقي "شهم" فتى احلامها في كوخ حقير لحارس المدرسة.

في البداية كانا يتحدثان في الشعر والادب وفي النضال الفلسطيني. اهداها قصائد من الشعر الحديث قال ان والده الطبيب المثقف المناضل نظمها.
وقد "استعارت" الكاتبة هذه القصائد من الشاعر العراقي عدنان الصائغ وشكرته بتقدير واعجاب. واذا كانت احداث القصة قد وقعت في الستينات من القرن العشرين واذا كان هذا الاستاذ في عمر لا يقل عن 25 سنة فمعنى ذلك ان والده "كتب" هذه القصائد في الاربعينات من القرن العشرين بل قبل ذلك. مما لا يتوافق مع تاريخ الشعر الحديث المتعدد الاوزان والقوافي.

الا ان العلاقة لم تتوقف هنا بل تحولت الى علاقة جنسية. سافر شهم في اجازة الى لبنان بعد ان كان قد وعد صابرة بأنه سيكتب لها وسينشر مجموعة شعرية يهديها لها وسيعود ليطلبها من اهلها. الى غير ذلك من الكلام التقليدي في مثل هذه الحال. الا انه في لبنان نسي الفتاة ونسي كل ذلك بعد ان انشغل بقضايا الثورة الفلسطينية وعاد فالتقي حبيبته السابقة التي نذرت نفسها للنضال.

اكتشفت صابرة انها حامل وان استطاعت -وبغرابة- إخفاء حملها تحت ثيابها الفضفاضة. عندما اقترب وقت الولادة اختلقت اعذارا لتذهب مع أصيلة الى مستشفى حيث ولدت طفلها ليلة العيد.
وعند الفجر هربتا بعد ان ودعت طفلها بحزن وبكاء وفي الطريق كان شقيقها متوجها الى المسجد لصلاة العيد عندما التقاهما. لم يعرف بقصة الحمل والولادة لكن خروجهما ليلا كان كافيا لجعله يغمد خنجره في صدر شقيقته.
نهاية كلاسيكية دون شك لكن مثيلات صابرة تتكرر حكاياتهن في أخبار العالم العربي.