غابَت السجّادةُ الحمْراءُ... وحَضَرَ الشّعب؟!

بقلم: محمد هجرس

يوم الاثنين الماضي، صبيحة أول أيام الانتخابات، وفي الطريق إلى مكتب الجريدة بالقاهرة، فوجئت بالأسطى حمادة الميكانيكي، وهو يلوّح مشيراً بيده اليمني التي بدت فيها آثار الحبر السري على أحد أصابعه: "حزب الكنبة اتحرك يا ناااااااااااس"، وبين تهليل وتكبير من في الشارع، أحسست بأن ثمّة تغيراً كبيراً حدث في الشارع المصري، المنقسم ما بين ميدان التحرير كجذوة للثورة والرافض لحكومة الجنزوري، وما بين ميدان العباسية المؤيد للمجلس العسكري، وهو ما أفزع كثيرين وأرعبهم من سيناريو صدام قد ينتهي بحمّام دم.

الإقبال الهائل على التصويت، والذي وصل إلى 62 بالمائة، ليكون الأعلى في تاريخ أي انتخابات مصرية، كان هو التغيير الحقيقي الذي أسقط كل حسابات محللين سياسيين، طالما راهنوا على كارثة يمكن أن تخدث وسط مناخٍ افتقد تماماً الشعور بالأمن.. وامتلأ بمشاعر تصعيدية وتحفزٍ غير طبيعي، من كافة القوى السياسية، دون أن ننسى بالتأكيد وجود طابور يعتبر هو وقود كل الفزع، ممثلاً في مَن هم على استعداد لأن يقوموا بأي شيء، مقابل أي ثمن، ومع وضدّ أي تيار في نفس الوقت، طالما هناك من يدفع أكثر؟! وهؤلاء هم أنفسهم القادمون من العشوائيات، والمحرومين والباحثين عن أي رشوة انتخابية ولو كانت "دجاجة" أو كيلو سكر، أو حبة فياجرا!

وسط هذا المشهد، والمخاوف، جاءت طوابير المصريين البسطاء، الذين اصطفّوا في نظام وهدوء "غير معهود" أمام اللجان للإدلاء بأصواتهم، فيما الأمطار الغزيرة تتساقط، لتجدّد توق المصري إلى الحرية، واشتياقه للتعبير عن نفسه في أي ظرف، بعد سنوات كان فيها مجرد رقم لا يُعتد به، ولعل الصورة التي التقطها مصوّرنا الرائع عادل غنيم، عن أولئك الشباب الذين يزيحون بأدوات بدائية جداً، مخلقات المطر والطين من الشارع أمام أحد اللجان، كانت تجسيداً لإرادة التغيير و"التنظيف" لحالة طالما سادت ونأمل أن تستمر في مصر.

مشهدان عكسا حجم التغيير الذي حاز إعجاب العالم، بل ودعيا كاتباً كبيراً مثل روبرت فيسك لأن يكتب في الإنديبندنت البريطانية، مؤكداً إن مشهد الانتخابات المصرية، يجعل أوروبا "تشعر بالخزي"، منظر الأسطى حمادة، وهذا الشاب الذي يمسك بـ"مكنسة" لتنظيف الطريق أمام الناخبين، يجعلان من الضروري عليّ أنا أيضاً أن أقدم اعتذاري العلني، وأقبل رأس كل شخص، سبق أن قلت في تشخيص لمرحلةٍ متوترة، في أحد المداخلات الحوارية، أننا وفي ظل هذه الأوضاع غير مهيأون للديموقراطية، وأنه "لا ديموقراطية للجوعى".

حب الاستطلاع قادني للذهاب إلى حيث مدرسة مصر الجديدة النموذجية بنات في شارع العروبة بجوار نفق الثورة بمصر الجديدة، والتي كانت تحظى بشهرة بالغة، ذلك أن مبارك ونجليه، وزوجته، يدلون بأصواتهم، وكانت الصحف ووسائل الإعلام يلتقطون الصور، التي لم تخلُ من منظر السجادة الحمراء الشهيرة، فالمدرسة التي اعتاد الرئيس السابق حسني مبارك علي إدلاء صوته الانتخابي بها، شهدت إقبالا كبيراً من المصريين عكس السنوات الماضية التي لم تشهد فيه ناخبين سوي مبارك وزوجته وبعض الوزراء. خلت هذه المرة من السجادة الحمراء، وكاميرات التليفزيون، وفلاشات مصوري الصحف، وتوافد عليها المواطنون من شباب وفتيات ورجال ونساء وكبار سنٍّ وقفوا في طابور طويل يمتد من أمام لجنة الاستفتاء داخل المدرسة إلي آخر نفق العروبة في مشهد حضاري رائع.

لم أصدق نفسي، وأنا أسير بجوار قصر مبارك، وأتحسس الشعار الرئاسي الموجود على السور، فيما كشك الحراسة يبدو خالياً، ولم ينهرني الحرس، ولم يمنعني جندي المراقبة، أو يصرخ في لأبتعد أو أن أبحث عن مكان آخر لسيارتي، بل إن صديقي الذي يسكن مقابل القصر، جذبني للشرفة في منزله، وقال لي: بذمتك.. هل كنت تتوقع يوماً أن ترى حديقة قصر مبارك يوماً؟ فاكتفيت بفرك عيني من الذهول!

***

لا يهم الآن من يفوز، ولا يهم من يخسر؟..

المهم أن هذا الشعب المغلوب على أمره، وجد نفسه أخيراً ولأول مرّة دون تزوير أو بلطجة..

المهم أن السجادة الحمراء غابت عن المشهد، ورأينا شخصيات كبيرة، مثل شيخ الأزهر ورئيس الوزراء، ووزراء، وقفوا في الطوابير بدون أي امتيازات أو وساطات..

المهم ان نرى هذه الروح الجديدة، التي تملك إرادة التغيير مهما كانت النتيجة..

المهم أنني وقد كنت طيلة سنوات عمري، من الجالية المصرية، سواء بالخارج أو الداخل، أرى مصر بهذه الصورة..

.... لقد حضر الشعب.

محمد هجرس

كاتب وصحافي مصري

mmhagrass@gmail.com