عُمان: ذهبت الاحتجاجات وبقيت الأسئلة الكبرى

الكثير من الانجازات التي تستحق ضمان الاستمرارية

على حافة أرض العرب في الشرق، تبدو عُمان ذات الثلاثة الاف كيلومتر من السواحل بعيدة عن الإعلام والرصد والتحليل السياسي.

العرب مشغولون بما يحدث في مصر وسوريا وليبيا وتونس، بينما في مدينة صحار وصور وغيرها من المدن خرج الشباب العماني محتجا على أوضاعه فلا يحظى الا بتغطيات خجولة، ولا تشمر وسائل الإعلام العربية، والفارسية بالطبع، عن أذرعها للتنقيب عن البذور التي أنبتت أعمال الاحتجاج.

ماذا يحدث في عُمان، وهل هناك تحديات تقف أمام سلطانها، وهل الوضع السياسي سيدوم على ما هو عليه من سلطان عزل أبوه عُمان عن العالم ويعزل الابن العالم عن عُمان.

الباحث عبد العزيز الخميس يقرأ عُمان، أوضاعها ومستقبلها في هذا المقال.

النجاحات

يكفي ان تقرأ تقرير معهد راند الاميركي عن عُمان حتى تعرف اعجاب الغرب الشديد بدولة تتميز بالتسامح مع الاقليات، وايضا الانفتاح على العالم وقدرة السلطنة على جمع الاضداد في فراش واحد.

يمتدح التقرير عُمان لأنها دولة تتمتع بأهداف بعيدة المدى، وليست مثل غيرها في المنطقة اهدافها قصيرة المدى وملتصقة بالإيديولوجيات التي يراها الباحثون في "راند" لا تجلب إلا الخراب لأي دولة تسير سياساتها حسب ايديولوجيات معينة خاصة عندما تكون ميتافيزيقية.

من جهته يشير الكاتب المعروف جوزيف كيشيان إلى أن عُمان استطاعت بواسطة سلطانها قابوس أن تخرج من عزلتها التي فرضها عليها والده المخلوع، وانها انتقلت من بلد يعاني من حروب أهلية وتخلف كبير إلى دولة نامية مستقرة ولاعب في المسرح السياسي في منطقة الشرق الاوسط والعالم.

يشير كيشيان الى ان العامل الأول في نجاح السلطان قابوس هو البراغماتية التي يتمتع بها. وهو لا يبالغ في تقدير قدرات ولا نوايا الدول الأخرى تجاه السلطنة. كما أنه لا يستبعد الأعداء السابقين والشركاء المحتملين، أو يحجم عن استخدام المبادرات الجريئة التي لا تتمتع بشعبية مع حكام الدول العربية الشقيقة، ويمتدح كيشيان حسن استخدام قابوس لاستراتيجية الأهداف طويلة الأجل، لتأمين احتياجات عُمان السياسية والاقتصادية والعسكرية.

دون عداء او خلاف

كان وما زال السلطان قابوس يرسم سياسته على ان لا يكون عدواً أو حاداً أو على خلاف مع أحد، فهو لم يقطع علاقاته مع مصر في الوقت الذي تبارت فيه دول عربية لفعل ذلك، ولم يحمل الامور اكثر مما تحتمل في علاقاته مع إيران.

خليجيا، بقي السلطان قابوس ملتزما على الدوام بالقرارات الخليجية وبشكل جماعي مع غيره دون أن يتفرد بمواقف. فهو في مجلس التعاون لدول الخليج العربية ملتزم باجماعها لكنه لا يقدم على تصرف ديبلوماسي خارج اطار المجلس وكأن هذا المجلس يمنحه غطاء سياسيا لقراراته.

لكن قد يشعر سلطان عمان ومعه العمانيون بحسرة من عدم تطور قدرات قوات درع الجزيرة الخليجية والتي كان انشائها من بنات أفكاره.

وحينما ينتقد البعض سياسات السلطان قابوس على انها انعزالية، فالذاكرة تشير إلى أن سعيد بن تيمور والد قابوس لم يكن ليقيم إعتباراً لجامعة الدول العربية أو للسياسات العربية وكانت سياساته تتمحور حول دولتين هما بريطانيا والهند فقط بينما لا يهمه توسيع العلاقات مع غيرهما وخاصة أشقائه العرب.

في الوقت الذي بدأ قابوس حين تولى الحكم انفتاحه على العرب وخاصة مصر والسعودية وسوريا، إلا أنه لا يعشق حضور القمم العربية في الوقت الذي يحرص على القمم الخليجية وقد تغيب عن أخر قمة لعذر ما.

التحديات

يواجه السلطان قابوس تحديات تتعرض لسلطته وتحاول التشكيك بشرعيتها. لكن هذه التحديات التي تنادي بإسقاط النظام ومحوه من الوجود لا تتعدى ثلة من اليساريين في الجنوب، الذي بقيت بذور الشيوعية تنمو في دواخلهم على الرغم من المصالحة الوطنية وعودة ظفار كجزء مهم من السلطنة وما رافق ذلك من النمو الاقتصادي في منطقة عانت حرباً ضروساً بين اليمين واليسار العالميين.

لا يعني هذا أن السلطان قابوس يتمتع بهدوء دأبت وسائل الاعلام العربية التي تشرف مسقط بزياراتها على الترويج له، بل ان هناك قلاقل اشارت اليها على استحياء وسائل إعلام عربية ودولية، لكنها لم تخض في تفاصيلها.

وينظر المراقبون والمهتمون بشؤون عمان إلى عدة جهات واطراف يمكنها صنع قلاقل للسلطان منها القيادات القبلية والدينية والأقليات في ظفار (قبائل الجبالي الشحره، وهم يتحدثون لغة سامية تعد الأقدم في العالم)، ومسندم (قبيلة الشحوح)، والوطنيون الذين يعملون داخل الحكومة، والإسلاميون المتشددون، والشيعة الذين يعيشون في العاصمة ومطرح ويسمون باللواتيه، أو حتى الطبقة الوسطى الجديدة.

تم تصوير الاحتجاجات التي أشتعلت في مناطق عدة من عمان كصحار وصور وغيرها على أنها مطالب لتوفير فرص عمل. والحقيقة التي لا تسر البعض أن هذه المطالبات تفوق ما قيل، وهي احتجاجات تتعلق بنظام الحكم وشكله الحالي.

ينتقد عُمانيون ما يصفونه بالسلطة المطلقة التي يملكها السلطان، فقد أمضى السلطان اربعين عاما في الحكم. هذا الانتقاد لا يعد غريبا في بلد عربي إلا أنه في بلد ملكي يحمل دلائل كبيرة.

المنتقدون العُمانيون ممن لا يريدون الإشارة إلى أنفسهم وبأسمائهم الصريحة في مدوناتهم خوفا من القبضة الأمنية يزيدون على الامتعاض من فترة الحكم الطويلة بتعدد المناصب التي يتولاها السلطان ومنها:

- رئيس الوزراء

- القائد الأعلى للقوات المسلحة.

- وزير الخارجية.

- وزير المالية.

- رئيس المجلس الأعلى للقضاء.

- رئيس مجلس محافظي البنك المركزي.

- رئيس مجلس عُمان.

- رئيس مجلس الأمن الوطني.

- القائد العام للشرطة.

- الكشاف الأعظم.

هؤلاء يرون أن تركيز السلطات، وإن كان في يدي السلطان الأمينة، إنما يفتح الباب لمسؤولي الصف الثاني من المقربين من السلطان والمشرفين على تلك الملفات للتصرف كيفما يشاءون تحت غطاء العمل ضمن التوجيه السلطاني. ولعل هذا ما برز صريحا في حركة الاحتجاجات التي جاءت في الكثير منها بالاسم واستهدفت أقرب وزيرين للسلطان، علي بن ماجد وزير المكتب السلطاني وعلي بن حمود البوسعيدي وزير ديوان البلاط السلطاني.

فسيفساء اجتماعية

يعرف عن عُمان ان فيها تنوعا اجتماعيا أكثر من الدول الخليجية الأخرى، ففيها قبائل عربية متنوعة، وبلوش يمثلون حسب تقدير المعارضة 21٪ من الحجم السكاني نتيجة لسياسة التجنيس الهادفة لإيجاد تنوع لمصلحة النظام إذ إن معظم البلوش القادمين من بلوشستان في باكستان وايران يتم تجنيدهم بعدد يصل إلى ألف بلوشي سنويا يتجهون للعمل في حراسة الحدود العُمانية، حسب إدعاء المعارضين.

وتتهم المعارضة (لا يبرز منها وجوه صريحة النقد) حكومة السلطان، بأنها تتلاعب بمسألة الوطنية وتستميل المعارضين، فيضربون المثل بشخصيات كانت في المعارضة وهي الآن تعمل لمصلحة النظام.

تكاد يسيطر على اقتصاد عمان اقليات غير عربية مثل الهنود (البانيان) الذين يتهمون بعدم الإندماج في المجتمع العماني، والشيعة (اللواتية) المنحدرين من حيدر اباد في الهند. ويخشى هؤلاء المستقبل وحدوث تغيرات بعد مرحلة قابوس، إذ كانوا دائما مع السلطان وبعضهم يعمل ضمن تحالف قوي معه، مما يجعلهم يخشون من ردات فعل شعبية عربية بعد رحيل السلطان.

الإسلامويون

في خطابه عام 1994 قال السلطان قابوس ان التعنت في فهم الدين يؤدي إلى التخلف بين المسلمين وينشر العنف والتعصب. أورد السلطان قابوس هذه الإشارة وأمام عينيه انتشار التيارات الإسلامية المتشددة في بلاده، وكأنه يتخوف من وجودها وسرعة إنتشارها بين شعبه.

بالطبع كانت ملاحظات النظام على انتشار الأفكار الإخوانية والسلفية في مناطق متعددة لعل أهمها صحار التي شهدت إعتصامات وإحتجاجات مؤخرا.

الخليلي: رمز اعتدال الأباضية

في الجانب الطائفي الآخر والمتمثل في أتباع المذهب الأباضي (يزيدون عن 70٪ من السكان) فقد تراجعات قوة المكونات السياسية لأتباع هذا المذهب وتم تقليم أظافر المؤسسة الدينية لمصلحة السلطة، حيث لم يبرز أي شيخ يعارض توجهات النظام، وكانت سياسة شيوخ النظام هي العمل على استقرار البلاد وعدم إحداث فتنة.

تتميز عُمان بتعايش حميد بين الطائفتين الكبيرتين الأباضية والسنة حيث يصلون وراء بعضهم البعض، ويتزاوجون ويشغل عمانيون سنة مناصب رفيعة في النظام، بل منهم من يقود وحدات عسكرية مهمة. لذا تخفق محاولات كثيرة لإثارة النعرات الطائفية بسرعة حيث حاولت إيران أن تثير في مواقع انترنت تابعة لها وعبر عملاء محليين هذه النعرات لكن محاولاتها باءت بالفشل الذريع.

ويعتبر الشيخ احمد بن حمد الخليلي أبرز رجل دين أباضي اذ يشغل منصب المفتي العام للبلاد. ويدافع الخليلي عن مذهبه كثيرا حيث يعاني من وصف طائفته بأنها ضالة.

وكان الدكتور مصطفى الشكعة صاحب كتاب "إسلام بلا مذاهب" قد قال أن الأباضية رموا بتهمة الخوارج لأنهم رفضوا القرشية، أي إلتزام كون الإمام من قريش. وأضاف الشكعة إن التقاءهم مع الخوارج في هذا الموقف، إضافة إلى تخطئتهم للتحكيم بين علي ومعاوية، هو الذي فتح عليهم باب الاتهامات التي لاحقتهم منذ العصر الأموي وحتى العصر الحديث.

وقد عرف الشيخ الخليلي بجهوده الخيرة في إنهاء الفتنة التي وقعت بين الأباضيين في الجزائر واخوتهم المالكيين حيث قام بوساطة أثمرت عن انهاء الانقسام.

وينتشر المذهب الاباضي في دول أخرى غير عُمان فهم متواجدون في جبل نفوسة وفي زوارة في ليبيا ووادي ميزاب في الجزائر وجربة في تونس.

يبدو وضع رجال الدين الأباضيين حساسا في عُمان، حيث تراقبهم السلطة جيدا، خوفا من ثورات كانت قد حدثت في الماضي على أيام السلطان السابق، ودفعت عُمان ثمن تلك الاضطرابات دماءً كثيرة.

وتخشى السلطة العُمانية كثيرا من احتمال تدخل المؤسسة الدينية السلفية بسبب وجود سنة حنابلة ولديهم إرتباطات فقهية مع شيوخ سلفيين في السعودية.

وفي منتصف التسعينات قامت السلطة باعتقال أكثر من مائتي شخص بسبب إنشائهم تنظيما سريا إسلاميا محسوبا على السنة. ويقال أن هذا التنظيم كان متأثرا وتابعا للإخوان المسلمين ومناهضا للدولة.

الحراك السياسي

يلوم المعارضون السلطة على عدم سماحها بوجود قوى معارضة في البلاد. ويشيرون بأصابع الاتهام لقيادة البلاد لأنها تخمد أي صوت معارض، أو محاولة تكوين قوى سياسية ومؤسسات مجتمع مدني.

وتعاني عُمان من تعتيم إعلامي كبير حيث لا تتمتع البلاد بتغطية للأحداث فيها، ولا يسمح للإعلام بتغطية الوضع السياسي إلى درجة أنه يندر سماع صوت معارض عُماني في الإعلام المحلي بل وفي الإعلام الدولي والعربي.

وتدير السلطة اللعبة الامنية في البلاد عبر ثلاثة أجهزة استخبارات كما يشيع المعارضون. وتحدث اعتقالات متكررة. ونتيجة للتراث العسكري في البلاد والحروب المدمرة التي مرت بها، أصبح الابتعاد عن العمل السياسي طبيعة مستحبة للفرد العُماني.

لكن إلى وقت قريب مثل غيرها من الدول العربية، ساهم التعليم والانفتاح الإعلامي في توفير بنية رأي عام من أهم طروحاته هو الحديث عن الاستئثار بالسلطة والفساد المالي والإداري و‫الوضع المعيشي المتدهور والبطالة المرتفعة والمقنعة والسياسات الخاطئة التي يتبعها النظام الحاكم وذلك من خلال العنف وقمع المتظاهرين المسالمين‬.

وتتحدث الأرقام عن أن إنفاق السلطنة على الدفاع والأمن الوطني بلغ 33% من دخل البلاد مما يحجب امكانية الصرف على مشاريع التنمية التي تمكن العاطلين من العمل وتوفر لهم مناخاً اقتصادياً تنموياً.

في النصف الثاني من الكأس العمانية، هناك شريحة كبيرة من المجتمع العُماني تعتبر السلطان قابوس أباً للعُمانيين، وتحفظ له جميل صيانة البلاد منذ أن تسلم الحكم عام 1970، فقاد البلاد في حرب أجهضت ثورة ظفار الانفصالية اليسارية (حارب "مناضلون" عرب معها)، كما أنجز خطة تنموية نقلت عُمان من القرون الوسطى إلى العالم المتحضر.

لا ينسى العُمانيون كيف كان آباؤهم عمالاً بسيطين في دول الخليج الأخرى إلى أن استلم قابوس السلطة فأعادهم إلى عُمان لينخرطوا في عجلة التنمية العُمانية. ولو سألت الكثير من مؤيديه لقالوا: كيف كان العُماني وأين أصبح.

وتراهن السلطة العُمانية على إنجازاتها خاصة في المجال الاقتصادي، لكن تحديات النمو السكاني والغلاء الذي يلف العالم والإنفاق العسكري حدت من إمكانياتها إلى الدرجة التي أخرجت بعضاً من الشباب في مناطق عديدة أهمها صحار وصور للاحتجاج على الأوضاع الإقتصادية.

تبدو طروحات الشباب العُماني المنتفض مرتكزة على المطالبة بالتغيير والتخلص من الاستبداد والفساد، ويبحث الشباب العُمانيون عن أساليب لصنع تجمع نخبوي لتوفير الأرضية المناسبة للاختيار الديموقراطي.

ويعلن بعض العُمانيين صراحة عن استعدادهم لمرحلة ما بعد قابوس، التي تبدو لهم ساخنة ومقلقة ويجب الاستعداد لها جيدا لإرساء نظام ديموقراطي حر.

وتدور النقاشات العُمانية حول أهمية التنسيق بين القوى السياسية الشبابية وبين أبناء الشمال والجنوب للعبور إلى ما يصفونه بعصر الحرية والحفاظ على الوحدة والإنجازات التي مهما انتقِدت إلا أن كثيراً من العُمانيين يثمنونها جيدا.

ولا تزال جراح احتجاجات شباب صحار وصور ومناطق أخرى لم تندمل بعد، حيث يقضي شباب لياليهم في السجون في انتظار المحاكمات والإجراءات المتشددة التي يشرف عليها قائد الجيش العُماني اللواء الركن سعيد بن ناصر السالمي الذي هدد المعتصمين حسب ما تدعيه المعارضة بالضرب بيد من حديد (ينكر الموالون للحكومة هذا التصريح).

لاعبون سياسيون

من الأهمية للمهتمين بالشأن العماني مراقبة أوضاع خمس قوى سياسية واقتصادية يمكنها التأثير على الوضع العُماني، وهي:

1- السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور البوسعيدي: حتى وإن كان السلطان يصنع سياساته بمشورة المقربين منه، إلا أنه يعرف عنه اهتمامه بأن تكون هذه السياسات نابعة من إدراكه صالح عمان، وهو يمارس سلطة مطلقة في جميع المناحي الحياتية تقريبا في عمان، ولديه الكلمة الأخيرة في المواضيع التي تهم الشعب العماني وسياسات البلد الداخلية والخارجية. لذا يتوقع المراقبون أن يواجه خلفه مصاعب كبيرة في العمل كما عمل ويعمل قابوس، أو تغيير سياسات تعودت عليها عمان وخاصة في كيفية ادارة شؤون الحكم.

2- أسرة البو سعيد: تدير هذه الأسرة مفاصل البلاد المهمة مثلها مثل أسر الحكم في الخليج. وهي تحكم عمان منذ عام 1749، ويشغل أبنائها معظم المناصب العسكرية وايضا الولاة ووزراء الوزارات السيادية. وينتظر ان يكون خلف السلطان قابوس منها.

ويقول مراقبون أن عدد أفراد الأسرة الحاكمة هو أقل من خمسين رجلا، وبالتالي هي تتفرد بحجمها القليل مقارنة بالعائلات الحاكمة في الخليج العربي.

3- الجيش: يتمتع الجيش العماني بحسن التدريب ويشرف السلطان قابوس عليه شخصيا. وبصفته خريج كلية ساندهيرست البريطانية وقضى وقتا في العمل مع الكتيبة البريطانية في المانيا أثناء الحرب الباردة، فالسلطان عكس شخصيته العسكرية على الجيش وأستطاع رفع مستوى الجيش. وبعد أن كانت قيادات الجيش تتكون من خيرة العسكريين البريطانيين المتحالفين مع السلطان، بدأت في الآونة الاخيرة قيادات عمانية تتسلم المناصب العليا في الجيش، وهذا مهم لضمان تغيير سلمي في السلطة ما بعد مرحلة السلطان قابوس.

4- الزعامات القبلية والدينية: على الرغم من بقاء شيوخ القبائل مسموعي الكلمة إلا أن التعليم والانتقال للمدن والعمل في الجيش أضعف من الولاء لهذه الزعامات واستبدِلت بولاء للسلطان باسم الوطنية، حماية وصيانة البلاد.

لكن مرحلة ما بعد السلطان قابوس وتعاظم الأزمة الاقتصادية واستمرار عجلة التحضر وارتفاع الوعي السياسي لدى الشباب العُماني سيجعل المؤسسات القبلية والدينية تقاوم لاستعادة سلطاتها.

5- شركات النفط الدولية: تتحكم شركة شل النفطية بما قيمته 34٪ من شركة عمان لتطوير النفط وهي التي تدير الصناعة النفطية العمانية.

وكانت شركة شل قد جددت عقدا في عام 2004 لمدة اربعين عاما تتولى عبره إدارة نصيب الحكومة في الشركة والذي يبلغ 60٪.

هذا العقد لم يستمر طويلا بعد أن أتهمت الحكومة شركة شل بأنها أعطتها أرقاما غير صحيحة عن احتياطيات احد الحقول وهو حقل مخيزنه، مما جر الوبال على الشركة البريطانية-الهولندية حيث أنقصت الحكومة نصيبها في شركة تطوير النفط العمانية من 34٪ إلى 17٪.

السلطان المقبل

من أهم مطالب الشباب العُماني المحتج هو تعيين ولي للعهد ورئيس للوزراء وحكومة تكنوقراطية. لكن ما يقف أمام المطلب الأول هو أن المذهب العُماني الرسمي وهو الأباضية لا يشرع أن يعين الحاكم وليا للعهد وإلا نقضت أهم دعائم هذا المذهب والذي يرفض الوراثة ويرى أن الحاكم هو من اختيار الناس. ولعله المذهب الإسلامي الأقرب للديموقراطية بين المذاهب الإسلامية.

وقد امتثل هذا المبدأ لعدم التوريث والشورى في اختيار الحاكم إلى الصراع التاريخي بين الخوارج والإمام علي بن ابي طالب والأمويين حين رفض الخوارج صيغة الإجبار على الخليفة والتزموا بمبدأ الشورى.

يجد السلطان نفسه ملزما بهذا المبدأ المهم، فهو لم ولن يعين وليا للعهد ما دام انه مقيد بأحكام المذهب. ويتعين على أهل الحل والعقد في عُمان اختيار حاكم جديد بطريقة شورية.

وبالطبع فطبيعة الحكم الحالية تفيد أن الحاكم لا بد وأن يكون من عائلة البوسعيد، وأن يكون مختارا من العائلة بموافقة شيوخ الأباضية، أو أن يلتزم الجميع بوصية السلطان الراحل.

ولأن السلطان قابوس لم يرزقه الله بأولاد، فالترشيحات لخلافته أصبحت مادة على موائد النقاش العُمانية بشكل يتكرر مع كل وعكة صحية تصيب السلطان أو غياب عن الأنظار.

وتنص المادة السادسة من ‫النظام الأساسي للدولة ما يلي: "يقوم مجلس العائلة الحاكمة، خلال ثلاثة أيام من شغور منصب السلطان، بتحديد من تنتقل إليه ولاية الحكم. فإذا لم يتفق مجلس العائلة الحاكمة على اختيار سلطـان للبلاد قام مجلس الدفاع بتثبيت من أشار به السلطان في رسالته إلى مجلس العائلة"‬.

ويعني هذا أن على العائلة الحاكمة اختيار السلطان وإنهاء الجدل بشكل داخلي، وإن لم تستطع، فستقوم المؤسسة العسكرية بترجمة وصية السلطان التي هي رسالة يرشح فيه السلطان خلفا له.

وتشير المعلومات إلى أن السلطان قد كتب الرسالة باسم من سيأتي بعده وإن ثلاثة نسخ موجودة في الوقت الراهن، منها اثنتان في يد شخصين يعيشان في مسقط، يقال أنهما وزير المكتب السلطاني سلطان بن محمد النعُماني، والمفتي العام للمذهب الاباضي. وثالث الرسائل موجودة حاليا في لندن ومودعة في احدى الخزانات المصرفية. تحتوي هذه الرسالة على اسم من يرشحه السلطان الذي هو الإمام في المذهب الأباضي، وبالطبع لا بد وأن يكون من أسرة آل سعيد.

من سيأتي بعد السلطان عليه أن يهتم بأنه قادم لحكم بلاد وشعب أكثره لا يعرف حاكم سوى قابوس وبصماته في الحكم، لذا فالحاكم الجديد عليه أن يختار إما السير وتطوير خط السلطان أو أن يرسم لعمان مصيرا وطريقا مختلفا.

وللإمساك بالحكم، على السلطان الجديد أن يضمن ولاء الجيش القوي، وتعاون زعماء القبائل في الداخل، وأن يكون ذا قبول في ولاية ظفار جنوب البلاد.

وبالطبع سيمضي الحاكم في صراعات وجدل قوي من جماعات قوى تقليدية لم تعتد التعامل مع سلطان غير قابوس، وتعلمت الصمت طويلا إما احتراما وقبولا أو رهبة من السلطان السابق.

اكثر ما يتخوف منه المراقبون هو فشل البوسعيد في إختيار خليفة، وانفلات الوضع داخل العائلة وتوزع ولاءات الولايات بينهم مما سيؤدي إلى كارثة وطنية قد تشغل عمان لوقت طويل. لكن تمتع كثير من العائلة بتعليم عال وعسكري رفيع سيمكن العائلة من تجاوز محنة فقدان السلطان قابوس بالمحافظة على حكم العائلة وإدارة الجدل حول الخلافة ضمن أسوار القصور.

سلاطين المستقبل

- فهد بن محمود آل سعيد نائب رئيس مجلس الوزراء لشؤون مجلس الوزراء.

السيد فهد: المستشار الأقرب

يعرف عنه التواضع والتسامح وقربه من الناس. وهو حريص على التواجد في الإعلام. ويشغل السيد فهد منصب النائب الوحيد للسلطان قابوس في رئاسة الوزراء ويعد مستشاره الأخلص والمرجع القانوني له. وهو شخص منفتح وعلاقاته مع دول أوروبية وخاصة فرنسا قوية حيث درس هناك العلوم القانونية والسياسية.‬

يؤخذ عليه من قبل بعض العُمانيين أنه يجهز ابنه كامل لمنصب رفيع حيث يلحقه في الوفود الرسمية وفي معيته خلال الاجتماعات السياسية المهمة. كما يضعف من أسهمه أن لا قوة له داخل الجيش لأنه رجل قانون وليس عسكريا، أيضا لأن زوجته فرنسية مما يضعفه أمام القوى القبلية والدينية.

- هيثم بن طارق وزير التراث والثقافة.

السيد هيثم: النجم الصاعد

ابن عم السلطان قابوس. ولفت نظر البريطانيين بعد أن أنابه السلطان قابوس لحضور زفاف الأمير ويليام مؤخرا. وكانت قد سرت إشاعة قوية بقرب تعيينه رئيسا للوزراء.

ويراهن بعض العُمانيين على أنه من اختاره السلطان لخلافته. يتمتع هيثم بعلاقات قوية مع قيادات الجيش وتعاون مع زعماء القبائل، وهو اليوم يوثق علاقاته مع من تتيح له الظروف كسب وده. كما أن موقعه في وزارة التراث والثقافة وفر له تواصلا كبيرا مع المثقفين والفنانين والصحفيين العمانيين في بلد يأخذ فيه التراث حصة واضحة للعيان.

- أسعد بن طارق ممثل السلطان وكان القائد الأعلى لفوج المدرعات.

السيد أسعد: قريب من الجيش ورأس المال

‫وهو ابن عم السلطان قابوس‬. ويمارس الآن مهمة الممثل الخاص للسلطان. ويملك بنكا أسماه بنك العز، حيث يستثمر فيه ويمارس عبره أعماله التجارية.

- شهاب بن طارق مستشار السلطان وكان قائد للبحرية السلطانية العُمانية.

ابن عم السلطان قابوس. عرف عنه اهتمامه بالرياضة وانخراطه في تفاصيلها العُمانية.

السيد شهاب: اهتمام بالرياضة في مجتمع شاب

ترشيحات العُمانيين تكاد تنحصر بين فهد بن محمود وهيثم بن طارق. ولكن الكلمة الأخيرة مكتوبة في ورقة لا أحد يعرف ما تحويها إلا شخص واحد هو السلطان قابوس.

الخلاصة

تجد عُمان نفسها في مفترق طرق أهمها التحديات الاقتصادية، ومعضلة التنمية المستدامة، وتوفير احتياجات شعبها.

ويقف السلطان قابوس أمام تحديات مهمة أولها أن الجيل الجديد من العُمانيين مثلهم مثل إخوتهم في العالم العربي لا تقنعهم الشعارات الإعلامية التي لا تخضع للامتحان على أرض الواقع، ولا يطفئ عطشهم سوى إصلاحات سياسية أهمها توزيع الصلاحيات وتعيين رئيس لمجلس الوزراء، والثقة في تحمل الشباب لمسؤوليات مهمة في بلاده، وعدم حصر السلطة في أيدي أشخاص معدودين.

لن يكتفي السلطان قابوس وهو من قدم لعُمان الكثير بتاريخه الذي يثمنه كثير من العُمانيين، فعليه إنجاز مهام معقدة، وتذليل عقبات لطمأنة الشعب العُماني حول الخلافة ووحدة الصف البوسعيدي. كما يلزم بيان أن عُمان تسير في طريق صحيح نحو تلبية احتياجات شعبها.

من المهم الإشارة إلى أن مرحلة ما بعد السلطان قابوس ستحمل الكثير من التغييرات في عمان، فهو الذي صنع عمان الجديدة وطبعها بطابعه، وغيابه قد يؤدي إلى هزات كبيرة، ولمنع ذلك يحتاج الأمر إلى وجود استراتيجية سياسية للخلافة يجمع عليها معظم الشعب العماني.

هذه الاستراتيجية تحتاج إلى أن يتم التخلي عن التقاليد القديمة المذهبية في عدم الإعلان عن ولي للعهد، وأيضا أن الشورية واختياره جزء مما يريد الأباضيون تحقيقه، وهو إجماع الامة على الحاكم، فيمكن جمع شيوخ الأباضية وقادة الجيش وزعماء القبائل والولايات وترشيح أحد السادة من الأسرة الحاكمة من طرف السلطان بحيث يقبل به أهل الحل والعقد دون أن تترك عمان لتواجه الغموض والتوقعات.

ومن المهم الإشارة إلى أن الدعم الخليجي لعُمان والذي فاق المليارات من الدولارات مؤخرا بعد الاحتجاجات الشعبية لا يعتبر حلا جذريا، بل مؤقتا يوجب على العُمانيين بقيادة سلطانهم تجاوز المحن السياسية والاقتصادية سوية.

ولتجاوز ذلك لا يتوقف الأمر على حلول أمنية، بل تحتاج عُمان أن تقدم للخليج وللعالم العربي مشاركة سياسية لشعبها في الحكم وأيضا ترجمة لمجهودات اربعة عقود من التحديث في تطوير النظام السياسي العُماني الذي يبدو أنه تعطل في محطة الأمن كثيرا، مثله مثل دول عربية أخرى.

عبدالعزيز الخميس

لمراسلة الكاتب على التويتر