عُمان.. بلاد الجبال والنخيل (2)

به أكبر سجادة في العالم نقشت وصممت في نفس المكان

تناولت في مقال سابق طبيعة المجتمع العُماني، وكيف أن شعبها مرهف الحس رغم قسوة الجبال التي تحيط به في كل مكان.

وعرفت عُمان في المراحل التاريخية المختلفة بأكثر من اسم، ومن أبرز أسمائها "مجان" و"مزون" و"عمان"، حيث يرتبط كل منها ببعد حضاري وتاريخي محدد، فاسم "مجان" ارتبط بما اشتهرت به من صناعة السفن وصهر النحاس بحسب لغة السومريين، حيث كان تربطهم بعمان صلات تجارية وبحرية عديدة وكان السومريون يطلقون عليها في لوحاتهم أرض مجان.

أما اسم "مزون" فإنه ارتبط بوفرة الموارد المائية في عمان في فترات تاريخية سابقة وذلك بالقياس إلى البلدان العربية المجاورة لها.

أما كلمة "مزون" فهي مشتقة من كلمة "المزن"، وهي السحاب والماء الغزير المتدفق، ولعل هذا يفسر قيام وازدهار الزراعة في عُمان منذ القدم وما صاحبها من استقرار وحضارة أيضا.

وبالنسبة لاسم "عُمان" فإنه يرتبط بهجرة القبائل العربية من مكان يطلق عليه عمان في اليمن، كما قيل إنها سميت بعُمان نسبة إلى عُمان بن إبراهيم الخليل عليه السلام، وقيل أيضا إنه نسبة إلى عُمان بن سبأ بن يغثان بن إبراهيم، وكانت عُمان في القديم موطنا للقبائل العربية التي قدمت إليها وسكن بعضها السهول واشتغلت بالزراعة والصيد واستقر البعض الآخر في المناطق الداخلية والصحراوية واشتغلت بالرعي وتربية الماشية.

وتشير المصادر التاريخية إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم أرسل كتابا مع أبي زيد الأنصاري إلى جيفر وعبد أبناء الجلندي عام 6 هـ ثم بعث بكتاب آخر مع عمرو بن العاص عام 8 هـ، وكتابا ثالثا إلى أهل عُمان رواه أبو شداد الدماثي من أهل دما، قال: جاءنا كتاب النبي صلى الله عليه وسلم في قطعة آدم: "من محمد رسول الله إلى أهل عُمان أما بعد، فأقروا بشهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وأدوا الزكاة وخطوا المساجد وإلا غزوتكم".

وهناك كتاب رابع تسلمه عبدالله بن على الثمالي ومسلية بن هزان حينما قدما في رهط من قومهما على الرسول فأسلموا وبايعوا على قومهم وكتب الرسول لهم كتابا بما فرض عليهم من الصدقة في أموالهم.

ونتيجة لهذه الكتب واتصال بعض أهل عُمان المباشرة بالرسول أفرادا وجماعات انتشر الإسلام في عُمان انتشارا واسعا ساعد على ذلك أن الرسول عليه السلام جعل عُمان بيد أبناء الجلندي في حالة اعتناقهم الإسلام وفوض ابن العاص في جمع الزكاة من أغنياء البلاد وتوزيعها على من يحتاجها من الفقراء والمساكين.

كما أجمعت الروايات على أن عُمان من أوائل البلدان التي اعتنقت الدين الإسلامي طواعية في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، وكان مازن بن غضوبة أول من رحل إلى المدينة المنورة من أهل عُمان وقد وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له "يا ابن المباركين الطيبين قد هدى الله قوما من عمان ومن عليهم بدينك وقد أخصبت وكثرت الأرباح فيه والصيد"، فقال صلى الله عليه وسلم "ديني دين الإسلام وسيزيد الله أهل عُمان خصبا وصيدا فطوبى لمن آمن بي ورآني وطوبى لمن آمن بي ولم يرني وسيزيد الله أهل عُمان إسلاما".

وتعد خطبة أبى بكر الصديق في الوفد العُماني برئاسة عبد بن الجلندي الذى قدم إلى المدينة بعد وفاة الرسول الكريم وثيقة مهمة في حسن أخلاق العمانيين وكرم وفادتهم وفى حسن إسلامهم وفى ثباتهم على الاسلام بعد أن أسلموا.

فقد شكرهم أبو بكر الصديق وقام الخطباء بالثناء عليهم فقالوا: كفاكم معاشر الأزد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وثناؤه عليكم، أما عمرو بن العاص فلم يدع شيئا من المدح والثناء إلا قاله فى أهل عُمان.

كما حمل العُمانيون الإسلام معهم إلى شرق إفريقيا والصين والموانئ الافريقية والآسيوية التي تعاملوا معها ومن المعروف أن الاسلام والقيم الاسلامية تعد رابطا قويا بين العُمانيين يحافظون عليه ويتمسكون به ويلتفون حوله.

وعندما ذهبت لأصلي في مسجد السلطان قابوس الأكبر في مسقط وهو أكبر مسجد في عُمان وبه أكبر سجادة في العالم نقشت وصممت في نفس المكان، وجدت أن الصف الذي أصلي فيه يمثل عدة مذاهب إسلامية أهمها الأباضية والسنة، والاثنان يقفان بجانب بعضهما البعض في مشهد لا يتكرر كثيرا دليل على التسامح والتعايش مع الآخر، وعرفت أن في بعض المساجد خاصة داخل المؤسسات يقف الشيعي بجانب السني والأباضي ليصلي، والكل يحافظ على تعاليمه ولا أحد يجبر أحدا على تغيير هذه التعاليم أو تعديلها بسبب وجوده في مكان أو مسجد.

وتكرر الأمر عندما ذهبت إلى جامع "محمد الأمين" وهو مبني على قمة جبل ويمكن رؤيته من أي مكان في مسقط بنوره الأزرق الجميل.

ويعد منهج التسامح الديني من المبادئ الأساسية التي أقرتها النهضة العُمانية الحديثة منذ انطلاقتها، فكفلت السلطة الحرية الدينية والفكرية للمواطن والمقيم على حد سواء باعتباره حقا أساسيا من حقوق الإنسان لا يمكن مصادرته، كما أن قانون الأحوال الشخصية العُماني كفل لغير المسلمين من المقيمين على أرض السلطنة حق تطبيق الأحكام الخاصة بهم، بما لا يتنافى مع التقاليد العُمانية، وذلك وفقا للمادة 283 من القانون، وتتوفر دور العبادة الخاصة بالديانات الأخرى في كل عُمان تيسيرا على غير المسلمين لإقامة شعائرهم الدينية بحرية وفي حماية القانون.

كما حرصت سلطنة عُمان على إقامة معرض متنقل يجوب العالم لينقل تجربتها في التسامح الديني والتعايش السلمي الذي يتمتع به شعبها بمختلف أطيافه وجنسياته وشعائره، كما أقامت العديد من الندوات والمؤتمرات المعنية بنشر مبادئ التسامح.