عيد الحب في مدينة النجف!

الاحتفال بعيد الحب كان مميزا ً هذه السنة في مدينة النجف المقدسة، فقد خرج المئات بمظاهرة غاضبة كسروا فيها واجهات بعض المحلات التي تبيع ما يلزم لإقامة أحتفالات عيد الحب منددين ورافضين لأي احتفال وذلك بدعم من رجال الدين في المؤسسات الدينية وبعض الرسميين الذين برروا هذا الرفض بأنه غير ملائم زمانا ً ومكانا ً. فالاحتفال بعيد الحب في زمن الحرب غير لائق في مدينة تستقبل الشهداء من تنظيمات الحشد الشعبي وأبناء القوات المسلحة يوميا ً، أما مكانا ً فالمدينة هي مدينة مقدسة تتسم بطابع ديني محافظ مميز بوجود قبة ضريح الإمام علي الذهبية والتي تتوسط المدينة القديمة بشوارعها وأزقتها العتيقة.

هل مدينة النجف لاتتسع فعلا ً للحب لتحتفل به؟ فتلك المدينة التي تحتضن ظلال ملايين الشواهد من القبور بأرضها الرملية التي تشبه ريحها الهجير إن لم تكن تلك الريح تشبه الموت في سمومها في موسم الصيف. هل النجف مدينة للعمائم والأموات فقط، حيث وصفها الشاعر أحمد الصافي النجفي "فصادرات بلدتي مشائخ وواردات بلدتي جنائز" لكنه هجرها بعد أن أراد أن يسمح للتصفيق في الندوات الأدبية ففشل. بصوت آخر، هل الحب ضد الدين والعادات والتقاليد؟

نعم، أن عيد الحب، ليس الحب طبعا ً، هو عادة جاءت من المجتمعات الغربية وغزت مجتمعاتنا، فهي تمثل خطاب القيم الليبرالية والذي تختبئ خلفه قيم اقتصادية بحتة في مدلولاتها وأهدافها الغير معلنة. فعيد الحب في أغلب بلدان العالم يشبه كثيرا ً تلك الأعياد الدينية التي أصبح اقامتها لا يتعدى العادات والتقاليد كأعياد رئس السنة الميلادية بعد أن افرغت من مضمونها الديني. فعيد الحب هو مهرجان للتسوق وفرصة لآلة عملاقة من مصانع ومحلات ومروجين وصانعي أفلام ودعايات وكل ما يمكن تصوره. فهو بالتالي تجارة تدر أموالا ً طائلة على كثير من المنتفعين أضافة إلى أنها تمثل وجه من أوجه الغزو الثقافي للمجتمعات التقليدية.

في الجهة المقابلة، وفي مدينة النجف تحديدا ً، قاوم هذا المد الإنفتاحي الكثير من رجال الدين بخطبهم فألبوا الناس على المحتفلين بعيد الحب. فخطاب رجال الدين المعادي لكل ما يتحدى العادات والتقاليد واضح جدا ً بحجة الحفاظ على الدين والهوية والقيم النبيلة بعيدا عن خطاب التغريب الذي دخل معاقل تلك المدينة العتيقة.

هناك وجهان للصورة. الأول هو تهديد لأي احتفال بعيد الحب وهو يحمل رمزية الحضارة الغربية لمعقل من معاقل التدين بصبغته المحافظة التي تدعوا إلى الحفاظ على العادات والتقاليد. والسؤال هو، هل نحن أمام فشل جديد لمؤسسة عمرها أكثر من ألف سنة لا تستطيع مجابهة رمزية لقيمة مستوردة، إذ لم تستطع أن تحتوي مفردة حداثوية جديدة، فكيف ستستوعب الصعود للمريخ والاستنساخ ثلاثي الأبعاد فضلا ً عن أفكار أخرى كقبول الأخر والتعددية والحرية الشخصية والفردية، سؤال ربما يكون معقدا ً لكنه بالفعل تحد كبير جوبه بعنف وقسوة وما على رجال الدين إلا أن يراجعوا نتاجهم الثقافي فيما يتعلق بكل قيم الحداثة وطريقة التعامل مع تلك المفردات التي لها أساس في الدستور العراقي، كالحرية والديمقراطية والمساواة وما شاكل ذلك.

أما الوجه الأخر فهو البعد الاقتصادي، فكلنا يعرف أن مدينة النجف ليست مدينة دينية فحسب، بل هي مركز لإستقطاب ملايين الزائرين كل عام يجيئون صوب القبة الصفراء حيث ينفقون المال ويدفعون النذور إذ تشكل تلك الواردات مصدر دخل كبير للمؤسسة الدينية وماحولها من محال تجارية وفنادق ومايرتبط بهما من خدمات. أن المساس بقدسية تلك المدينة بعاداتها وتقاليدها سيشكل تهديدا واضحا لشكل هذه المدينة التقليدي والذي سيؤدي لفقدان قدسيتها مستقبلا ً بتحويلها لمزار تراثي فقط على وقع أقدام هيمنة خطاب الغربنة برموزه الليبرالية ذات البعد الاقتصادي. هل نحن أمام تضارب خطابين لهما خلفيتين اقتصاديتين يكون ثمنها حرية الفرد المكفولة بالدستور؟

إذن، ما بين هذين الوجهين يبقى السؤال الجوهري، هل تستطيع المؤسسة الدينية، والتي لها نفوذ واضح على القرار السياسي في البلد، مقاومة وإحتواء خطاب الحداثة القادم من الغرب بسلبياته وإيجابياته، أم لابد أن تتعامل معه على طريقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كمحاولة أخيرة للحفاظ على ما تبقى من قيم تقليدية تمثل مصالح فئة معينة من رجال الدين وبعض التجار الذين لايريدون لأي وضع أن يتغير خلاف لمصالحهم. فإذا لم تستطع أن تتعامل معه فماهو الحل إذا ً إذا مافهمنا بأن خطاب الحداثة يدخل عنوة إلى بيوتنا عن طريق وسائل الاتصال والتواصل المتسارعة في تطورها فضلا ً من أن مؤسساتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية وأهمها التعليم صارت تتبنى هذا الخطاب كجزء من السياسة التي ترسمها الدولة وفقا ً للدستور. فنظامنا السياسي يعلن الديمقراطية كطريقة للحكم، ومع الديمقراطية لا بد للحرية والمساواة وباقي القيم الغربية من موطأ قدم، فماذا نحن فاعلون؟ أخيرا ً، هل عدم إحتواء خطاب الحداثة هو من أنتج فكر التطرف والقتل والتهجير على أساس الطائفة والدين والقومية، بشكل آخر هل نحن بإنتظار الأسؤ؟ أسئلة أطرحاها فقط!