عون والنظام السوري... كلّ منهما يستأهل الآخر!

بقلم: خيرالله خيرالله

من علامات الزمن السيء التحالف القائم حاليا بين النظام السوري من جهة والعضو المسيحي في مجلس النوّاب اللبناني ميشال عون. انه تحالف قديم ظهر الى العلن في الاعوام الستة الماضية ولكن في صيغة جديدة. عون لم يتغيّر قيد انملة. كان اداة سورية ولا يزال اداة سورية. قد يكمن الفارق بين وضعه الراهن وما كان عليه في الماضي في انه كان اداة غير مباشرة يستخدمها النظام السوري لتحقيق مآربه في لبنان، في حين صار الآن اداة عند الادوات السورية والايرانية تحرّكه كدمية بعدما صنعت له كتلة نيابية تضم مجموعة لا بأس بها من اتفه التافهين والانتهازيين واشباه الامّيين. ربما كان عون يعتبر ذلك ترقية تليق بحامل رتبة عسكرية، رتبة جنرال، لم يذق يوما سوى طعم الهزائم الاّ حين كان مطلوبا الانتصار على اللبنانيين، خصوصا المسيحيين منهم، عن طريق افقارهم وخسارة ارضهم وتهجيرهم من وطنهم وتمزيق وطنهم الصغير...

خلاصة الامر ان لا فارق بين الدور الذي لعبه عون عندما كان في قصر بعبدا وفي مرحلة ما قبل دخوله القصر في العام 1988 من جهة وبين الدور الذي يلعبه هذه الايّام من جهة اخرى. في الفترة التي امضاها في قصر الرئاسة اللبناني كرئيس لحكومة مؤقتة مهمتها محصورة في انتخاب رئيس للجمهورية خلفا للرئيس امين الجميّل التي انتهت ولايته، فخرج من الرئاسة في الوقت المطلوب خروجه منها، بدا همّ القائد السابق للجيش اللبناني محصورا في كيفية الوصول الى رئاسة الجمهورية باي ثمن كان. حتى لو كان ذلك على جثث مسيحيي لبنان ومسلميه الذين تسبب بتهجير عشرات الآلاف منهم خلال وجوده في قصر بعبدا.

قبل ذلك، اي قبل ان يخوض حربه مع "القوات اللبنانية" التي كانت وقتذاك ميليشيا وليس حزبا سياسيا كما الحال الآن، اطلق مدافعه في اتجاه المناطق الاسلامية في بيروت فتسبب بقتل اطفال ورجال ونساء ابرياء في منطقة اليونسكو في بيروت وغيرها من المناطق.

اثلج هذا التصرف الارعن صدر النظام السوري الذي لم يكن يفوت فرصة لتشجيع كل من يساعد في زيادة الشرخ بين المسيحيين والمسلمين او بين المسيحيين انفسهم حتى لو كان ذلك بواسطة دبابات وذخائر حصل عليها ميشال عون من صدّام حسين. كل ما كان مطلوبا هو ان يستمر ميشال عون في ممارسة جنونه. وعندما لم تعد لديه ذخيرة يستخدمها ضدّ المسيحيين والمسلمين، تولت دمشق عن طريق عملائها المعروفين في لبنان تزويده بالذخائر والمحروقات كي يتابع حروبه العبثية. فعل ذلك، الى ان حان موسم القطاف، فدخل السوريون قصر بعبدا ووزارة الدفاع في الثالث عشر من تشرين الاول- اكتوبر 1990 بفضل عبقرية ميشال عون الذي فرّ الى مقر السفارة الفرنسية متخليا عن الجنود والضباط الذين كانوا يواجهون القوات السورية الزاحفة في اتجاه منطقة بعبدا. تخلّى حتى عن افراد عائلته الذين التقطهم ضابط سوري دخل قصر بعبدا بعد فرار الجنرال الشرس منه!

قبل ذلك، في خريف العام 1989، تخلّص السوريون، كنظام طبعا، من الرئيس المنتخب الشهيد رينيه معوض بعدما منعه عون نفسه من الوصول الى قصر بعبدا بما يوفّر حدّا ادنى من الحماية لشخصه. كان الهدف السوري واضحا وقتذاك. كان يتمثل في الاتيان برئيس خاضع لدمشق خلفا لرينيه معوّض، الذي يمتلك شخصية قوية وعلاقات عربية ودولية، والتأكيد لكل من يعنيه الامر ان اتفاق الطائف ينفّذ حسب القواعد والشروط السورية فقط وليس اتفاقا بين اللبنانيين يحظى بغطاء عربي ودولي.

في السنة 2011، يستمر ميشال عون في حروبه على لبنان. انه ممثل في حكومة "حزب الله" التي وُضع على رأسها الرئيس نجيب ميقاتي. يكاد القائد السابق للجيش اللبناني ان يحتكر التمثيل المسيحي في الحكومة التي فرضها المحور الايراني- السوري على لبنان عن طريق ميليشيا مسلحة مذهبية لا هدف لها سوى الحاق لبنان بايران.

في ظل هذا المشهد المحزن، فأنّ مثل هذا الوجود العوني في الحكومة، وهو وجود تابع لـ"حزب الله"، لا يمكن الاّ ان يطمئن احرار لبنان الذين اخرجوا القوات السورية من الاراضي اللبنانية بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه في الرابع عشر من شباط- فبراير 2005.

تكفي عودة الى احداث الماضي القريب للتأكد من المواقف التي يتخذها ميشال عون تدعو الى التفاؤل في المستقبل. فالرجل لم يتخذ يوما موقفا صائبا. كل رهاناته كانت رهانات خاطئة. راهن على الاسرائيليين في العام 1982 ثم راهن على السوريين في عهد امين الجميّل وذهب الى حدّ كتابة عبارة انه "جندي في جيش حافظ الاسد" في مناسبة زيارته لدمشق يوما. راهن بعد ذلك على صدّام حسين. وكان النظام السوري المستفيد الاوّل من ذلك الرهان.

الان، بات معروفا جيدا كيف انتهى نظام صدّام حسين في العام 2003. وبات معروفا جيّدا كيف سينتهي النظام السوري الذي يعتمد على اشخاص في مستوى ميشال عون وما شابه ذلك. ربّما كان النظام في دمشق يعتمد في رهانه على قول مأثور لجورج برنارد شو ينطبق تماما على النائب المسيحي اللبناني: "انه لا يفقه شيئا، لكنّه يتوهم انه يعرف كل شيء. هذا مؤشر اكيد لمستقبل سياسي"!

يبدو رهان النظام السوري على ميشال عون ورهان ميشال عون على النظام السوري بمثابة رهان على لذيذين. لا لشيء سوى لان الجانبين لا يمكن الا ان يخرجا خاسرين نظرا الى انهما ينتميان الى عالم آخر. وهذا في مصلحة احرار سوريا واحرار لبنان في آن. المسألة مسألة وقت لا اكثر. سوريا تمتلك شعبا عظيما لا يمكن ان يقبل باقلّ من استعادة كرامته وحريته. هذا ما لم يفهمه عون يوما وهذا ما لا يستطيع ان يفهمه اشباه الاميين في المنطقة.

ما الذي يمكن توقعه من نظام سوري في مواجهة يومية مع شعبه، نظام لا يدرك حتى ان زمن الاصلاحات ولّى وان ليس امامه سوى الرحيل... وان زمن القتل من دون حساب لم يعد من هذا الزمن؟

وما الذي يمكن توقعه من قائد سابق للجيش اللبناني يبرر اغتيال ميليشيا مذهبية مسلحة لضابط طيار في الجيش اللبناني اسمه سامر حنّا لمجرد ان حلق في طائرة هليكوبتر فوق الاراضي اللبنانية؟

ليس كافيا ان يحصل ميشال عون على ترقية كي يتحسن اداؤه السياسي في سبيل تدمير لبنان والقضاء على مؤسساته. لا يزال اسمه مرتبطا بالهزائم والكوارث التي تسبب بها للبنان واللبنانيين. ربما من حسن حظ لبنان هذه المرة انه دخل في حلف معلن مع النظام السوري. فعل ذلك بعدما بدا ان النظام انتهى بسبب رفض الشعب السوري له اوّلا. لايشبه حلف ميشال عون مع النظام في دمشق غير ذلك الذي اقامه في الماضي مع مغفل اسمه صدّام حسين لم يعرف يوما شيئا عمّا يدور في هذا العالم وعن توازنات القوى فيه وفي المنطقة. هنيئا لميشال عون بالترقية التي حصل عليها وحولته من اداة الى اداة لدى الادوات. انها ترقية يستحقها بالفعل. وهنيئا للنظام السوري به ذلك ان كلا منهما يستأهل الآخر بالفعل...

خيرالله خيرالله