عولمة تدمير الإنسان

بقلم: محمد كركوتي

("أنا لا أتعاطى المخدرات.. أحلامي مخيفة بما يكفي"، الرسام الهولندي ماوريتس إيتشر)

في الساعات الأخيرة التي سبقت مقتل "ملك الكوكايين" الكولومبي بابلو أسكوبار عام 1993، أدلى هذا المجرم، بتصريح هاتفي عبر ولده، "مستغربا" من العمليات (الأميركية – الكولومبية المشتركة) التي كانت تجري للقبض عليه أو قتله، قال فيه: " لماذا يريدون القبض علي؟ لم أجبر أحدا على تعاطي الكوكايين"! لكن سرعان ما تلقى ردا على سؤاله، بقتله في إحدى الشقق المتواضعة جدا، في أحد الأحياء الشعبية من عاصمة بلاده بوغوتا.
هناك كثير من الـ "أسكوباريين"، وكثير من الهائمين في بحر المخدرات في هذا العالم، وكثير من المسوقين لها. وإذا ما قتل الكبير، يظهر كبير آخر. هم مثل السرطان الذي ينمو، إذا ما حاربته، أو ما إذا تركته ينتشر. هم يحتقرون القيم الإنسانية – الاجتماعية، وبالطبع يخشونها، ويخافون أكثر إذا ما نجحت عملية ضدهم هنا، وأخرى هناك، وقطعت رأسا هنا وآخر هناك. ولأنهم تحولوا إلى "مؤسسات"، وفي بعض الحالات، إلى ما يشبه أنظمة الحكم، فهم يستغلون كل تحرك (اقتصادي وغير اقتصادي)، يستطيعون العثور فيه على ثغرات، لممارسة تجارتهم القاتلة. لقد استغلوا القوانين العالمية الخاصة بالتجارة الحرة، والاتفاقيات الثنائية والإقليمية، التي تعزز فتح الحدود أمام حركة التجارة، ليرفعوا مستوى ازدهار تجارتهم المشينة. وأضافوا هما آخر إلى "استحقاقات" العولمة لاسيما تلك غير الحميدة عن طريق الاستفادة من قوانينها ومعاييرها الليبرالية. لنكتشف أنها – أي العولمة ساعدت على انتشار المخدرات، ورفعت حجم هذه الصناعة التجارة، على الساحة العالمية، ودمجت أموالا هائلة في هيكلية الاقتصاد الدولي.
إن هذا الجانب من العولمة، يفتح المجال مجددا، أمام ضرورة الاتفاق على توصيف واضح لها – أو تأطيرها – ضمن نطاق " الحميد"، أو "غير الحميد"، والفوضوي أو المتعقل. بمعنى آخر توصيفها، ضمن دائرة " العولمة الراشدة" أو "العولمة الضالة". فقد وجدت جمعية "جيوبوليتيكال دراج ووتش" العالمية التي تعنى بمراقبة حركة المخدرات ونموها، أن العولمة – بصيغتها الراهنة سهلت تجارة المخدرات، وجعلت عمليات غسل الأموال أكثر حركة ونشاطا.. و"رشاقة". وتمضي الجمعية الرصينة أبعد من ذلك، عندما أعلنت العام الماضي، أن تجار المخدرات والمهربين تمكنوا من دمج ما يراوح بين 350 مليار دولار أميركي و 400 مليار دولار، من أرباح المخدرات في الاقتصاد العالمي، وأن إنتاج المخدرات لم يتزايد فقط في بلدانها التقليدية ( مثل أفغانستان وكولومبيا)، وإنما أخذ ينتشر إلى مناطق جديدة بما في ذلك جنوب إفريقيا والكونغو وكينيا. وتلقي هذه المؤسسة اللوم في هذا المجال، على فتح الحدود ورفع القيود أمام انتقال الأموال، وتزايد عمليات التخصيص، التي عادة ما تتضمن انتقال كميات كبيرة من الأموال عبر شراء الأسهم.
هذه الأرقام والحقائق الصادمة، ينبغي أن تؤسس لمفهوم جديد للعولمة، ليس بالضرورة أن يكون مناوئا لها، أو متعارضا مع متطلباتها. فالعناصر الكامنة في "العولمة الحميدة"، تمنح المجتمع الدولي مساحات واسعة، للنمو والتطور والازدهار، عن طريق التعاون بين الكبير والصغير، وبين الغني والفقير، وبين المتقدم والنامي أو الناشئ – دون طبقية وتؤسس لعلاقات دولية تقوم على المصالح الوطنية المتناغمة، لا على المصالح المحلية الضيقة، المتنافرة مع مفهوم الاستدامة. والنمو الناتج عن عولمة راشدة، يسد الثغرات، التي يمكن لتجار المخدرات النفاد منها، ونشر سمومهم في أرجائها. فقد ثبت أن ازدهار تجارة المخدرات ارتكز على نمو اقتصادي عالمي متعفن، يحاكي "الطفرات"، ولا يتواءم مع "النهضات". ففي بلد كأيرلندا – على سبيل المثال اكتشفت السلطات المختصة، أن 100 في المائة من أوراق النقد المتداولة فيها، تحمل آثاراً لمادة الكوكايين، وذلك نتيجة تلوثها من أشخاص يتعاطون هذه المادة أو يتاجرون بها. والواقع أن تعبير "غسل الأموال"، أطلق أصلا – قبل ظهور أموال مشينة من جرائم قبيحة أخرى على الأموال التي تجنى من تجارة المخدرات. فقد كان المجرمون يقومون بالفعل بغسل الأوراق النقدية، لإزالة آثار المخدرات عنها. ولو اضطرهم الأمر لصبغ هذه الأوراق لفعلوا!. والسبب العلمي لذلك، هو أن جزيئات مادة مثل الكوكايين، تلتصق بخيوط القطن الرفيعة الموجودة في أوراق النقد.
لقد بلغ حجم تجارة المخدرات عام 2007 حسب مكتب مكافحة المخدرات والجريمة التابع للأمم المتحدة – أكثر من 322 مليار دولار أميركي سنويا. المريع في الأمر، أن هذه الأموال تعادل الناتج الوطني لـ 90 في المائة من دول العالم. وإذا ما قسمنا هذه النسبة المرعبة، فإن الدخل الناتج عن الاتجار بالكوكايين والهيروين، يوازي مداخيل 50 في المائة من دول هذا العالم. والنسبة الباقية تنسحب على الحشيش والماريجوانا، وبالطبع حبوب الهلوسة، وغيرها من المخدرات، التي يتوجب علي الإقرار بعدم معرفتي أسماءها.
إذا.. نحن أمام تجارة "تتناطح"، على صعيد الدخل مع الغالبية العظمى لبلدان العالم. وإذا وجد القائمون على هذه التجارة، فرصة للتحول إلى "دول"، لأسسوا لها، وربما نظموا أناشيد وطنية لـ "دولهم"، وصمموا أعلاما لها، وشعارات، لا تشبه إلا الموت. ولو أردت أن أستعرض الأرقام المذهلة، لآثار ومستوى تجارة المخدرات، لما انتهيت. فعلى سبيل المثال، مات في بريطانيا 54 ألف شخص من جراء هذه السموم، في الفترة الواقعة بين 1985 و2004. وطبقا لـ "وكالة مكافحة المخدرات التابعة للاتحاد الأوروبي، فقد وصل عدد الوفيات في دول الاتحاد من جراء تعاطي الكوكايين إلى 400 شخص في عام واحد فقط. لا غرابة في ذلك، فقد أحصت الوكالة نفسها في عام 2007، عدد متعاطي هذا المنتج القاتل، الذي بلغ 4.5 مليون شخص. وهذا العدد يزيد بمقدار مليون شخص على العام الذي سبقه. وتطرح قضية المخدرات – من ضمن ما تطرح – مسألة ارتفاع "إمدادات" بلد كأفغانستان من مادة الأفيون للعالم أجمع. ففي ظل الوجود الأميركي مصحوبا بوجود قوات من حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بلغ حجم هذه الإمدادات قرابة 90 في المائة، على المستوى العالمي! وهذا يعني أن الوجود العسكري – الدولي هناك، لم يؤثر سلبيا في حراك زراعة وتصدير هذه المادة القاتلة. لن أتحدث هنا عن الأضرار البيئية للمخدرات. فيكفي الإشارة إلى أن إنتاج جرام واحد من الكوكايين، يدمر أربعة أمتار مربعة من الغابات، وأن 100 جرام من هذه المادة، تحتوي على 20 لترا من الماء. وبإشارة خاطفة على تكاليف مكافحة المخدرات، فإن أوروبا تنفق سنويا 36 مليار يورو، في هذا المجال!
إن قضية المخدرات، ليست جديدة، لكنها من القضايا الأكثر تجددا على الساحة العالمية، والأكثر تدميرا على المدى البعيد، والأشد من حيث وقعها الكارثي على المجتمع ككل. لكن أشد أخطارها، هي تلك التي تهدد الشباب. فهؤلاء يمثلون الشريحة الكبرى الرازحة تحت هيمنة المخدرات و"نشوتها" الوهمية. وهذه الشريحة " مطواعة" في متاهات المجهول، وهي عرضة دائما لـ "إغراءات" التمرد. ولكن هل ينبغي التسليم بذلك؟. بالطبع لا، فالحرب التي ينبغي علينا خوضها بعنف اليوم ضد المخدرات، ليست لهذا اليوم.. إنها من أجل الغد. محمد كركوتي