عودة مبارك: لذة هزيمة يتمناها منتصر

مشهد لن يبرح ذاكرة كل ثائر عاصر مخاض الثورة المصرية من قلب ميدان التحرير وكُتب له أن يبقى على قيد الحياة بعد كل تلك الأحداث الدامية التي رافقت مخاض الثورة السلمية. كان يمني نفسه بعهد جديد رغم أنه يدرك سلفا أنه قد لا يشهد لحظات انتصار الإرادة الشعبية على جبابرة الظلم والطغيان، ولربما يدرك في قرارة نفسه أيضا أنه قد لا يمهله القدر لرواية ما حدث لأبنائه وأحفاده ليستوعبوا حجم المعاناة والمكابدة التي تعرض لها الشعب المصري في سبيل نيل الكرامة والحرية.

كان سقف الأمنيات يرتفع كلما تدفق الثوار إلى الميادين والشوارع، وفي مخيلاتهم تتشكل الأحلام والطموحات بعهد جديد لم تكن الأجيال السابقة تجرؤ على تمنيه بهذا القدر من الطموح والجرأة.

كان المشهد معبرا عن الأوضاع التي تمر بها مصر الحبيبة من اضطرابات وتضييق على الحريات العامة، إضافة إلى تراجع خطير في الحياة المدنية غير مسبوق حتى في عهد الحكومة السابقة.

ظهر الرئيس المخلوع وهو يتدثر هزيمته التي تحولت بقدرة قادر الى ما يشبه النصر بفضل ما تشهد الساحة المصرية من تأزيم وتصعيد غير مسبوق في تاريخ مصر الحديث.

كل من شاهد تلك اللحظات التي لوح بها الرئيس المخلوع بيده لمؤيديه شعر بلذة الهزيمة ومرارة النصر في واحدة من أغرب الحوادث التاريخية في هذا العصر المتخم بالثورات العربية الدامية، ليتحول ذلك المشهد إلى ثورة في ادبيات النصر والهزيمة.

ما تعيشه مصر من أحداث متلاحقة أثرت على مفاصل الحياة الاجتماعية والاقتصادية جعل الكثير منا يعيد التفكير مليا قبل أن يغامر برفضه أي شكل من أشكال الظلم والاستبداد كي لا يتجرع مرارة التجربة المصرية.

كان الرئيس المصري المخلوع على ثقة تامة بأن لهزيمته لذة منتظرة، بينما المنتصر لم يكن يتوقع أن يتجرع مرارة النصر على حين غرة. إنها ثورة في أدبيات النصر والهزيمة.