عودة حنظلة

غزة
حنظلة له اب روحي جديد

"حنظلة هو المخلوق الذي ابتدعته، لن ينتهي من بعدي بالتأكيد، وربما لا أبالغ اذا قلت أنني أستمر به من بعد موتي". ناجي العلي*
في الذكرى السادسة عشرة لاستشهاد فنان الكاريكاتير الفلسطيني الكبير ناجي العلى، وبرعاية المكتب الإعلامي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، افتتح الفنان والكاتب الصحفي عاطف سلامة معرضه الأول بعنوان "حنظلة يعود من جديد" في جمعية الشبان المسيحية في مدينة غزة الأحد الماضي.
جمهور من المثقفين والصحافيين والفنانين والمهتمين حضروا الافتتاح. كل له مبتغى، فمنهم من جاء مشاركاً في إحياء ذكرى استشهاد ناجي العلي، أو مؤازراً لصديق في تجربته "المعرض" الأولى، أو في شغف لرؤية حنظلة "العائد".
على الدرجة الأولى للسلم المؤدي لقاعة العرض في الطابق الثاني لإحدى المباني داخل الجمعية، وقف "الأخوان حنظلة"؛ طفلان يرتديان ثياب حنظلة التقليدي برقعته على الكتف الأيمن. الأول جسّد حنظلة "الراحل"، حافي القدمين، حمل في يده رسالة وخاطب- أخاه- قائلا: "اسمي حنظلة، اسم أبوي مش ضروري، أمي اسمها نكبة، نمرة رجلي ما بعرف لأني دايما حافي، ولدت في خمسة حزيران 1967، جنسيتي أنا مش فلسطيني، مش أردني، مش كويتي، مش لبناني، مش مصري، أنا باختصار معيش هوية ولا ناوي أتجنس. محسوبك إنسان عربي وبس وهيني سلمت الرسالة."
الطفل الثاني وقف منتعلاً زنوبة متواضعة في قدميه الهزيلتين ممثلاً حنظلة "العائد"، خاطب الحضور برسالة قال فيها: "عزيزي القارئ، الله يسلمك، كلهم زيك قالولي الحمد لله على السلامة، وين كنت؟؟ الصحيح هذي قصة طويلة لكن أهم ما فيها إني رجعت من هالغيبة بزنوبة... كانوا أخوات الشليتة يفكروا إنهم مع كاتم الصوت حيقتلوني ومع الوفيات ينعوني لكن محسوبكو مماتش، وهيني راجع عشان أخوزقهم، وأنا قبلت الرسالة وراح أكملها.
في كلمته الافتتاحية قال سعد بسيسو، مدير عام وزارة الاعلام، في كلمة قصيرة إن عودة الفنان ناجي العلي تأتي في صورة متلاحمة وتشكيلية لتجسد وسائل نضال من أجل تحرير الأرض والإنسان. واستحضر بسيسو ذكرى استشهاد القائد أبو على مصطفى داعياً المثقفين والكتاب والإعلاميين لرفع الصوت عالياً لرفع المعاناة عن أبناء شعبنا ومواجهة الإعلام الأمريكي والإسرائيلي، سائرين على نهج البطل ناجي العلي "الذي كان يكتب موضوعاً ومقالاً من خلال الرسوم الكاريكاتيرية التي كان يضعها من خلال ضباب لندن ومعارك بيروت بقلم وريشة ممزوجة بالألم والحلم الفلسطيني لشعب حر يحلم بالحرية ووطن سعيد من خلال سواعد المقاتلين والإعلاميين."
أما جميل المجدلاوي، عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية، فقد ركز في حديثه على المحاولات الإسرائيلية الهادفة لكسر "الجبهة الثقافية الفلسطينية"، موضحاً أن الفنان ناجي العلي تم اغتياله لأنه رفض الخنوع والفساد، ولهذا فإن عودة حنظلة تمثل صرخة في وجه الزاحفين والفاسدين وأعداء الديمقراطية.
على الجهة اليسرى من مدخل المعرض، طاولة متواضعة عليها عشرات النسخ من ألبوم بحجم نوتة الجيب، احتوى على رسومات المعرض. على غلاف الألبوم الأسود وقف الحنظلتان شابكين أيديهما كتوأمين هائمين في طريقهما.
على الغلاف الأخير كلمة للشاعر أحمد دحبور، صُورت بخط يده، قال فيها: "تحرث خطوط عاطف سلامة القوية الحادة عميقاً في منطقة مركبة من المغامرة ونكران الذات. فهو مغامر بنقده الجريء الذي لا هوادة فيه، حيث يجلد السياسة والساسة والعلاقات غير السوية بين البشر إلا أنه يبدو في منتهى نكران الذات عندما يجعل من رسومات الشهيد ناجي العلي مثلاً أعلى، كأنه يتبع خطاه. مع أن في عمق كل رسمة لعاطف ما يؤكد خصوصيته وحساسيته... ، ليس عاطف بالخطيب أو المحرض السياسي ذي اللهجة المباشرة، بل هو فنان يجمع التشكيل إلى الدراما التي تتكامل كهرباء وكيمياء عبر الرسوم المتلاحقة لتشكل بمجموعها سيرة الفلسطيني المعاصر."

على لوحات خشبية بيضاء وقف حنظلة "العائد" محتلاً مكان سلفه الراحل، عاقداً يديه وراءه، شاهداً على الهموم السياسية والاجتماعية اليومية للمواطن الفلسطيني التي خطها عاطف سلامة في لوحاته.
رسومات تناولت الواقع العربي والفلسطيني المر تصدرت المعرض، ابتداءً بالتراخي العربي، مرورا بخارطة الطريق وانتهاءً بقضية المعتقلين والهدنة. التعددية الحزبية والواسطة وحرية الكلمة ومشاكل تلفزيون فلسطين وعلاقة المواطن بالمسؤول، وقضايا أخرى كثيرة برزت في لوحات سلامة.
تساؤل فرض نفسه في ظهور شخوص أخرى لناجي العلي في رسومات سلامة؛ ليس حنظلة فقط، ففاطمة وأبو العبد والمتكرش كانوا يحتلون أماكنهم في اللوحات ما عزز فكرة بعض الزائرين "إن كان سلامة فعلاً مبدعاً فبإمكانه اختيار رمز خاص به وليس إعادة رسم حنظلة لأنه (حنظلة) لم يمت."
الفنان فايز السرساوي عبر عن عدم رضاه عن فكرة "عودة حنظلة" معتقداً أنه من الصعب على أي فنان أن يعود بعمل فنان آخر حاملاً نفس الأفكار والمفاهيم. "ان عودة حنظلة هي نوع من التجني على الأصل بجانب أنها تماثل ضعيف ليس بمستوى قوة الفكرة الأولى ولا يرتقي إلى مستوى فكرة وخطوط الفنان الأصلي."
كما عبر السرساوي عن تخوفه من أن يؤدي هذا التقليد الى "الاساءة للمبدع الأصلي ناجي العلي الذي وضع شخصية (حنظلة) بعد جهد جهيد وسهر عليها الليالي." كما تمنى السرساوي أن يجتهد سلامة في وضع شخصية خاصة به بأسلوب جديد.
السيدة سحر ياغي، إحدى اللواتي زرن المعرض قالت أن هذا المعرض هو تطاول على ناجي العلي، فناجي لم يمت وهو حي برسوماته ورموزه، وأضافت ياغي بغيرة الأنثى: "عندما يود أن يرتقي أي إنسان فبإمكانه الاعتماد على نفسه وليس التشبث بموروث متأصل وضعه عظماء مثل ناجي العلي فعاطف سلامة أخذ حنظلة كغطاء للتطاول على الوضع العام بأريحية وليس من النزاهة أن يبدأ نجاحه على حساب ناجي العلي".
في رده على هذه الاتهامات قال الفنان عاطف سلامة أنه يستطيع بسهولة جداً أن يبتدع رمزاً خاصاً به، أو أن يرسم عائلة كاملة جديدة، "... ففاطمة وأبو العبد والمتكرش أستمر بها وأرسمها كما هي وأحررها بطريقتي وأستخدم هذه الرموز والشخصيات وأضعها في لوحات جديدة ... أما معنى أن أستمر بناجي العلي ورموزه فما هو الا احتراماً وإجلالاً وإكراماً لأحد رموز فن الكاريكاتير على مستوى العالم."
وأضاف سلامة أنه منذ صغره تأثر جداً بناجي العلي وليس "متمحكاً" به فيقول: "أفترض أنني تتلمذت على يد ناجي بتأثري برسوماته، ففي إحدى رسوماتي أتساءل هل تقبلني تلميذاً؟؟. وأنا أحاول إعادة ذكراه وإعادة شخوصه كما هي وأستمر بها على خطاه، فتوجهاتي وأفكاري تتلاحم في كثير من القضايا والهموم."
وفي رده على اعتقاد أُثير "همسا" بين عدد من الزائرين للمعرض، في أن سلامة حاول الصاق نفسه بناجي العلي بهدف الارتقاء، قال عاطف سلامة أنه عندما يستمر بحنظلة لا يعني أنه يضيع حق ناجي إنما يضيع نفسه في ناجي العلي الفنان العظيم الذي لن يستطيع- سلامة- أن يرتقي اليه.
وفي نهاية حديثه عبر سلامة عن انزعاجه من الخوف المسيطر على المبدع الفلسطيني، داعياً اياه أن يكسر هذا الحاجز ويقول ما يجول بخاطره وللفنان أن يرسم ما يعكس الواقع بأمانة وأن يرفع شعار الثورة ضد الخطأ.
عاطف سلامة (35 عاماً)، ماجستير صحافة وكاريكاتير من جامعة سانت بطرسبورغ عام 1994، يحضر لرسالة الدكتوراه في الاعلام في أكاديمية العلوم الوطنية في بلاروسيا.
أحمد دلول، أحد زوار المعرض، اعتَقد أن تذكر ناجي العلي بهذه الطريقة هي فكرة رائعة وقوية بقيت راسخة من خلال أقلام ألهمها صدق ناجي ونضاله. ونوه الى أننا نحتاج الى تعليم الجيل الجديد من هو حنظلة.
وأضاف دلول: "لقد استطاع عاطف سلامة أن يعبر عن مكنوناته من خلال حنظلة، إلا أنه بهذا الطرح ألقى على نفسه مسؤولية كبيرة في التجديد بمجهوده الشخصي مع الالتزام بحنظلة ناجي العلي، دون الاعتماد على التقليد، فروح ناجي في رسوماته لا يستطيع أن يصلها رسام معين، فقد عكست ما كان يعانيه، ولا أعتقد أن أحداً يستطيع أن يعبر عن ناجي كما كان هو يفعل".
في الركن الأخير من المعرض طاولة صغيرة وضع عليها سجل كبير بغلاف أسود لامع، قلبت صفحاته التي امتلأت بكلمات مشيدة بجرأة وقوة العمل وإن اختلفت المفردات و"المستويات"، فإحدى طالبات "الجامعة" وصفت سلامة بأنه (Star) العرب!
الصحفية كوثر عويضة خطت كلمات أثنت بها على اللوحات الجميلة التي تجسد معاناة الشعب الفلسطيني وتوضح المخاطر التي تحيط بالشعب الفلسطيني من خلال الصمت العربي. وبخط يدها الجميل كتبت عويضة: "لقد أعادنا عاطف حقيقة إلى عمق وصدق وإحساس وهم ناجي العلي الذي توهج بعطائه الفني على امتداد الوطن العربي، واليوم تؤكد خطوط ورسومات الفنان عاطف أن ناجي العلي حاضر بيننا وقوة."
الآنسة سامية الزبيدي، منسقة المكتب الاعلامي للجبهة الشعبية، أدلت بدلوها أيضاً مستهلة حديثها بأهمية احياء الذكرى السادسة عشرة لاستشهاد ناجي العلي، واعجابها بعودة حنظلة بنفس نَفس ناجي العلي.
وحول رأيها في "انتحال" عاطف سلامة لشخصية حنظلة قالت الزبيدي أن هذا يندرج ضمن الحرية الشخصية والإبداع لأنه- سلامة- بطريقته الخاصة اختار أن يجدد بطريقة ما ويستمر على خُطى ناجي العلي. وشددت الزبيدي على أحقية سلامة في استخدام حنظلة "لقد قال ناجي العلي أن حنظلة سيستمر من بعده، ومقولة ناجي هي جواز سفر لكل من رغب في تكملة المشوار، فكما أن هناك محاولات لاستكمال روايات غسان كنفاني لماذا لا يكون هناك محاولات لاستكمال حنظلة؟"
محاولات كثيرة بذلها سلامة لخلق "تجديد" على كاريكاتير العلي في إطار التزامه بالشخوص، فالكمبيوتر والإنترنت والهاتف المحمول كان حنظلة (صاحب الزنوبة) شاهداً عليها في بعض اللوحات. إلا أن هذا (التجديد) لا يغفر له أخطاء نحوية وإملائية واختلاط اللكنة العامية بالفصحى في تعليقات وضعها على لوحاته. أما المرايا الصماء –وبعضها حمل تعليقاً- التي تتهمك بالمشاركة في خطيئة الصمت لن تحجب اللوم عن سلامة لغزارة مُباشرته في طرح قضاياه، وعدم إعطائه الفرصة للمواطن في أن يبذل أدنى مجهود في فهم خطوطه. *ناجي العلي، فنان كاريكاتير فلسطيني، ولد عام 1937 في قرية الشجرة, شمال فلسطين. هاجر – قسراً- مع عائلته خلال "حرب" 1948 الى مخيم عين الحلوة في لبنان. بدأ التعبير عن مواقفه السياسية والهم الفلسطيني والعربي من خلال رسوماته الكرتونية اللاذعة. وضع شخصية حنظلة رمزاً له، في اشارة الى الواقع المر الذي يعيشه الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات. أُغتيل أمام مقر صحيفة القبس في لندن بتاريخ 26/8/1987.