عودة ثانية لـ«عبث» توفيق الحكيم

عبث لا عبث فيه

القاهرة - يعرض مسرح الطليعة مسرحية "يا طالع الشجرة" التي كتبها توفيق الحكيم قبل أكثر من ثلاثين عاما والتي اعتبرت من مسرحيات العبث الا ان مجرياتها تنفي هذه العبثية بطرحها اسئلة تتعلق بالعمق الانساني ضمن سياق البحث عن اجابة لها.
وكانت المسرحية قد عرضت بعد عامين من كتابتها وقدمها للجمهور المخرج والفنان سعد اردش وهو نفسه مخرج المسرحية التي تعرض منذ الخميس الماضي ويلعب دور البطولة فيها الفنانون امينة رزق وأحمد فؤاد سليم وعبير مكاوي واخرين.
ويبدأ العرض في حديقة منزل مفتش القطارات المتقاعد احمد فؤاد سليم وزوجته امينة رزق وهو يعمل في رعاية شجرة البرتقال الوحيدة في الحديقة الضيقة بينما زوجته تجلس في كرسيها تراقبه وتتبادل معه الحديث في تمهيد لسؤال كبير عن علاقة الانسان في الطبيعة والحياة.
ويتقاطع بينهما الحديث فهو يتحدث عن عدم قدرته على تسميد شجرة البرتقال كي تعطي ثمرا جيدا لا يتساقط مع هبوب اي نسمة بينما تتحدث هي عن الجنين الذي فقدته في شهور تكوينه الاولى ويبدو ان لا فارق بين القولين فكل منهما يكمل الاخر فكأن ما يدور في الطبيعة يدور في الانساني ويدلل على حالة من التبادلية في العلاقة الانسانية مع الطبيعة فعندما تصبح البشرية عاقر فلا بد من ان يعكس ذلك على الطبيعة والعكس ايضا صحيح.
ويتضح المعنى الذي تتضمنه المسرحية من خلال هيمنة الديكور حيث تشكل الجذور العظيمة والمنتشرة لشجرة البرتقال في كل الخلفية الاساسية للمسرح وقام مهندس الديكور بوضعها بمستوى اعلى قليلا عن المستوى الاول لخشبة المسرح المكونة من سطحين ليوحي بذلك بأن كل ما يجري يحدث تحت سطح الارض بما يحمله من اشارات العمق والاقتراب من جوهر الحياة من جذرها.
وخلال الحوار الثلاثي بين الدرويش والمحقق والزوج يتم الحديث عن المستوى الدنيوي للحياة وهو ما يمثله قطار المفتش وعن المستوى الغيبي الذي يمثله الدرويش بما يحمله من نسبية الزمن في المستويين الفردي والمطلق وخلال ذلك يكشف الدرويش على ان زوج قتل او سيقتل الزوجة فهو لم يرى بعد سوى ان عملية القتل ستحدث وعلى هذا الاساس يتم اعتقال الزوج.
وتصل المسرحية الى ذروتها العبثية عندما تعود الزوجة من اختفائها المزعوم ويطلق سراح الزوج من السجن فيقوم بقتلها اثناء حوارهما عن سر اختفائها ورفضها الاجابة عليه رغم كل الحب الذي يحمله كل منهما للاخر.
وهنا تصل الامور الذروة في محاولة توفيق الحكيم في الاجابة على سؤال الحياة في جوهرها وكم الكدح الذي تحتاجه في ظل حالة الجفاف الانساني والصراع بين الواقع الموضوعي الحي المتعلق بالنشاط الانساني ونظرية الغيب والقدر بين الحرية والعبودية وبين التمرد والخضوع.