عودة الى المقاومة والتمرد والموت لدى كامو

بقلم: السيد نجم
الباحث عن الخلاص الجمعي

"المقاومة" مصطلح قديم، قدم تاريخ صراع الإنسان على الأرض، ومع ذلك تتبدل الدلالة أو لنقل التوظيف بين الحين والأخر، ويتم توظيف الدلالة لأبعاد أيديولوجية تخص المستخدم، وهو ما تجلى خلال الحقبة الأخيرة.
فقد وظفت الدلالة بمعنى التصدي للعدوان، وعلى الجانب الآخر بمعنى الإرهاب بل والعدوان!!
نتوقف الآن أمام كتاب قديم (نسبيا) هو "المقاومة والتمرد والموت"، ولكاتب نال من الشهرة والاحتفاء الكثير هو البير كامو. صدر الكتاب خلال فترة السبعينيات من القرن الماضي، متضمنا مجموعة من الرسائل والمقالات، كتبت بداية من عام 1943م وحتى 1957م. وهي فترة ماجت خلالها الأحداث والأحوال في العالم كله.
على الرغم من أهمية الموضوع والكاتب، إلا أننا في بدايات القرن الحادي والعشرين، نرصد كيف أن مفهوم "المقاومة"، كان ومازال في حاجة إلى مراجعة وتعضيد. وهو ما تبدى جليا في أفكار كامو على قدر ما نحمل له من تقدير لبعض المواقف والآراء.
يقع الكتاب في تسع فصول، تغطي ثلاثة محاور: الأول حول احتلال المانيا النازية لفرنسا.. والثاني حول القضية الجزائرية (استقلال الجزائر في حينه).. والثالث حول غزو القوات السوفيتية للمجر والقضاء على ثورتها.
ففي حديثه عن مقاومة الاحتلال الألماني لفرنسا، يقول:
"أنا لا أعتقد مطلقا أن للحق قوة في ذاته، ولكنه على الأقل عندما يستطاع التعبير الصادق عن الحق، فانه سرعان ما يقهر الباطل، وتلك هي المعادلة المعقدة التي كان يلزم أن ندركها.. نحن نقاتل للتفرقة بين القربان والتصوف.. بين الطاقة والعنف.. بين القوة والقسوة، وبتعبير أكثر دقة بين الحقيقي والزائف"
"...ولكن الروح والسيف معا لهما الظفر المؤكد ضد السيف وحده"
".. انه من العظمة حقا أن تقاتل وأنت محتقر الحرب"
"بينما كانت طلقات الحرية ما تزال تصفر في أرجاء المدينة، كانت مدافع التحرير تدلف من بوابات باريس بين الهتاف والأزهار.. ففي أجمل ليالي أغسطس وأشدها حرا اختلطت نجوم السماء بالصواريخ الملونة ودخان النيران والطلقات، مشتركة جميعا في احتفال شعبي، فقد وضعت هذه الليلة المنقطعة النظير نهاية لأربعة أعوام من الأحداث المروعة ولمعركة بشعة دفعت فرنسا إلى قبضة العار والسخط"
فيما يقول في قضية تحرير الجزائر:
".. ومن العدل أيضا أن ندين على المستوى والقوة نفسهما ذلك الإرهاب الذي ترتكبه جبهة التحرير لجزائرية ضد الفرنسيين المدنيين والعرب الآمنين"
"وأما المتحمسون لإجراء مفاوضات مع جبهة التحرير مع علمهم بتصريحات تلك الجبهة، فيجب أن ذلك يعنى استقلال الجزائر وخضوعها لإدارة قادة الثورة العسكرية الذين لا تعرف قلوبهم معنى الرأفة أو الرحمة"
"وعلينا أخيرا أن نسرع بالقيام بإصلاحات ضرورية حاسمة تنهض بمجتمع فرنسي عربي "فرانكو أراب" في الجزائر، وأن نتكاتف معا على السير نحو المستقبل"
في جملة تلك المقولات حول المقاومة، نرى أنها اختلفت في الدلالة بين مقاومة الفرنسيين للاحتلال الألماني، ومقاومة الجزائريين للاحتلال الفرنسي!
فبينما يتحدث عن حق فرنسا في الحرية والتحرر، يتحدث عن الجزائر في حقهم في مجتمع "فرانكو أراب"!
وبينما يصف رجال المقاومة الفرنسية بالشجاعة والعقلانية التي تستطيع أن تتغلب على القوة الغاشمة، وأن المقاومة واجبة مع كرههم للحرب، يتحدث عن قيادات الجبهة الجزائرية للمقاومة بأنهم قساة القلوب، وبأن أعمالهم "إرهابية".
وهكذا.. تنوعت زاوية الرؤية، بينما الموضوع والهدف واحد. لذا لم يكن كامو منصفا فيما كتب، لأنه أراد الحرية للفرنسيين وكره استخدام الألمان القوة ضدهم، ولم يكره استخدام الفرنسيين للقوة ضد شعب الجزائر.
لعل الكتاب نفسه يتضمن مجموعة أخرى من القضايا، منها احتلال المجر بالقوات السوفيتية، وكم كان عنيفا في رأيه تجاه هذا الاحتلال!
كما كان عنيفا في خطابه إلى العالم، تعاطفا مع الشعب الأسباني أثناء الحرب الأهلية في مواجهة الديكتاتورية هناك!
وأخيرا أشار في جانب من الكتاب إلى أنه لا يؤمن بواقعية القومية العربية، ويعتبرها حلما في رءوس حكام مصر!، وبصرف النظر عن التقييم الموضوعي والرؤية التاريخية والايديوجية للقومية العربية، فان كامو لم يهاجمها لذاتها، بل لكونها من دوافع تعضيد رجال الثورة الجزائرية في حينه.
يبدو أن قدر العرب أن تواجه في كل حين بما يناسبه، وليس أمامهم إلا "المقاومة" بالمعنى الدلالي للمقاومة، من أجل الحرية والحياة الكريمة.. تلك المقاومة الواعية بهويتها والساعية إلى الحرية من أجل الخلاص الجمعي. السيد نجم Ab_negm@yahoo.com