عودة الإصلاحيين الإيرانيين وعجز خامنئي عن حل الخلافات

بقلم: أسعد حيدر

كيفية وقف الاستنزاف السياسي اليومي الذي تعيشه الجمهورية الاسلامية في ايران نتيجة للخلافات الحادة بين مكونات النظام الاساسية، تبدو حاليا الشغل الشاغل للمرشد آية الله علي خامنئي. اذ لم تعد الخلافات تقتصر على القوى السياسية بل وصلت الى حد حصول ارباك واضح في القضايا الاستراتيجية في البلاد.

من ذلك انه في خلال اقل من اسبوع اعلن اولا عن اسقاط طائرة اميركية بلا طيار فوق مفاعل نووي بالقرب من مدينة قم ثم جرى نفي الخبر وان ذلك لم يحصل مما اكد النفي الاميركي السريع للبيان الايراني الاول. وفي حادث ثان جرى الاعلان عن اغتيال العالم النووي داريوش رضائي على يد المخابرات الاميركية والاسرائيلية، لينضم بذلك الى علماء اخرين كان ابرزهم مسعود علي محمدي، ومحاولة اغتيال فريدون عباس دواني، ثم بعد اقل من 24 ساعة جرى نفي خبر انه عالم نووي واكتفى البيان با انه باحث جامعي. بذلك ضاعت الحقيقة حول هوية داريوش رضائي وبالتالي لماذا اغتيل ومن قام باغتياله.

اما على الصعيد السياسي فقد ارتفع منسوب الاتهامات بين القوى السياسية داخل الفريق الاصولي الواحد الى درجة تبادل التهم بتحويل الوضع في البلاد الى كارثة، لذلك اصدر كما يبدو المرشد فرمانا شكل بموجبه هيئة جديدة تنضم الى جملة المجالس والهيئات العاملة تحت ولايته المطلقة هي "الهيئة العليا لحل الخلافات بين السلطات الثلاث" وكلف آية الله هاشمي شهروردي رئاسته. الفرمان لم يحدد موقع الهيئة من باقي الهيئات والمجالس مثل "مجلس تشخيص مصلحة النظام "الذي يرأسه الشيخ هاشمي رفسنجاني او "مجلس صيانة الدستور" الذي يرأسه آية الله كني، كما انه لم يشر الى طبيعة قراراتها هل هي استشارية ام ملزمة. لكن توجيهات المرشد لاية الله شهروردي تؤشرالى نوعية المهمة الملقاة عليه ودرجة أهميتها على صعيد الازمة الداخلية.

يحدد التكليف ان مهمة الهيئة القيام:

* ازالة الخلافات بين السلطات الثلاث، أي بين الرئيس أحمدي نجاد ورئيس مجلس الشورى علي لاريجاني ورئس مجلس القضاء آية الله صادق لاريجاني، وفي هذا التكليف اشارة ضمنية بان الأخوين لاريجانيٍ متضامنان متكافلان وهذا تطور اضافي في الصراع المكشوف بين نجاد وعلي لاريجاني على خلفية التنافس حول رئاسة الجمهورية.

* تنظيم العلاقات بين السلطات الثلاث، علما ان الدستور نص على ذلك. وكان نجاد قد افتعل معركة عندما اكد انه لا يوجد فصل للسلطات وعمل على تجاوز مجلس الشورى وتحدى سلطة المرشد في قضية تعيين وزراء واقالة اخرين أهمهم وزير الامن مصلحي.

* التعاون بين السلطات الثلاث. وتبدو هذه المهمة غامضة اذ كيف سينجح فيها حيث فشل المرشد نفسه؟

الى جانب هذه المهمة للهيئة العليا فأن المرشد "ضرب عصفورين بحجر واحد" اذ اعاد اية الله شهروردي الى واجهة الحياة السياسية بعد ان كان قد دخل الى الظل في قم غداة انهاء مهمته برئاسة مجلس القضاء بعد ان ارتفع رصيده الى الصف الامامي على لائحة المرشحين لخلافة المرشد خامنئي عندما تدق الساعة. بهذا يكون خامنئي قد قرع ايضا جرس الانذار للاخوين لاريجاني وفي الوقت نفسه لاية الله مصباح يزدي الذي يعد المرشد الروحي للرئيس نجاد والطامح لخلافة خامنئي الى درجة انه انقلب على ربيبه الروحي نجاد طلبا منه لكسب موقع متقدم له ولو على حساب التزامه الايدولوجي بما يعرف بتيار "المهدوية".

يبدو ان المأزق الكبير الذي يواجهه خامنئي ومعه مجموع المحافظين هو العجز الواضح عن اقالة احمدي نجاد من رئاسة الجمهورية قبل الانتخابات التشريعية بسبب "تمرده" العلني رغم ان ذلك ممكن ضمن الحسابات العادية داخل مجلس الشورى، لان اقالته تستدعي انتخابات رئاسية مبكرة في وقت لا يريد المرشد ولا باقي القوى تعريض انفسهم والبلاد لهذا الاختبار في فترة تعيش فيه ايران انقاسامات حادة على اكثر من صعيد. فمن جهة، الاصلاحيون بزعامة الترويكا المشكلة من الرئيس السابق محمد خاتمي والمرشحين الرئاسيين مير حسين موسوي والشيخ مهدي كروبي الذين وان انكفاؤا الا انهم ما زالوا موجودين بقوة في الطبقة الوسطى وطلاب الجامعات، في حين ان المحافظين منقسمون بين اكثر من جهة وتيار. والاخطر من كل ذلك ما اصبح يسمى بتيار الانحراف اي "المهدويين" الذي يهدد وجود الجمهورية الاسلامية ايدولوجيا وسياسيا مما يؤكد على ان نجاد اصبح رقما صعبا داخل ايران رغم انه اصبح يعتبر رئيسا لتصريف الاعمال حسب القوى المحافظة.

في تقرير استخباراتي موثوق، جاء أن توجيها غير مباشر قضى بقلب الادوار التي كانت معروفة حتى الان. اذ اصبح نجاد هو المتشدد الذي يريد تصنيع القنبلة النووية في حين ان خامنئي هو الذي يحول دون ذلك. والهدف من ذلك "شينطة" نجاد امام العالم الغربي في وقت يبدي فيه الترحيب بالتعاون مع مجموعة الخمسة زائد واحد من جهة ومن جهة اخرى التمهيد لسحب الملف النووي من يده خصوصا وان ادارته له طوال السنوات المكاضية بنجاح قد اكسبته شعبية بين الايرانيين.

امام هذ المشهد المعقد والارباك الواضح على مستوى القيادات فأن الازمة تتصاعد على وقع تحضيرات للانتخابات التشريعية في شباط/فبراير 2012 التي على ضوء تحالفات القوى السياسية وتشكل مجلس الشورى القادم يمكن الحديث ما اذا كان لنجاد ومناصريه مستقبل ومن هو التيار الذي سيمسك بمفاصل القرار السياسي في ايران.

السؤال الذي يشغل بال القوى السياسية هو حول مشاركة الاصلاحيين في الانتخابات التشريعية القادمة بحيث انه بدأ تبادل الشروط والشروط المضادة بينهم وبين الاخرين. فبينما يسلط المحافظون المتشددون سيف تصفية المرشحين بقرار من "مجلس صيانة الدستور" فأن الاصلاحيين يشددون على ضرورة رفع هذا السيف واطلاق سراح قيادتهم وباقي المعتقلين. ويبدو ان القلق الحقيقي لدى الجميع ان يتحول الاصلاحيون الى "بيضة القبان" نتيجة للتحالفات سواء مع نجاد او مع خامنئي ومن يلتزم به. وقد لوحظ مؤخرا نوعا من "الغزل العلني" بين خامنئي والاصلاحيين عبر تقديم السيد حسن احمد الخميني حفيد الامام الخميني الى الواجهة واعادة شهروردي الى الواجهة بدوره الذي رغم انه ليس من الاصلاحيين. الا انه في جميع الاحوال يضعف جناح لاريجاني وطرفا اساسيا من المخافظين اضافة الى انه يشكل خصما مهما لفكر "المهدوية".

في هذه الاثناء يتقدم الحرس الثوري بقوة في مواقع القرار اذ انه كلما ضعف الاخرون اصبح لكلمتهم قوة القرار في تركيب آلة السلطة على مختلف المستويات، معتمدا سياسة "القضم والهضم " التي سبق له وان نفذها بنجاح في القطاع الاقتصادي الى درجة الهيمنة عليه.

أسعد حيدر